قضايا وآراء

صناعة "الفن" الجماهيري!

1300x600
منذ عقدين من الزمان فحسب، كان بمقدور أي مُراقب في مصر التفرِقة (بقدر كبير من التبسيطِ غير المخِل) بين نوعين من الفن: فنٌّ شعبي مُتعدِّدُ الروافد، وفن "بورجوازي" (وهو مثلا لا يشمل فن الأوبرا بالضرورة، ولكن يشتمل على الفنون التي تقتبسها وتنشرها هذا الطبقة في بداية التحولات الاجتماعية ومرحلة تقليد الأجنبي). ورغم التقاطُعات التي كانت تجمعهما في كثير من الأحيان، إلا أن كلّا منهما كان له خصائصه المميزة، التي يُمكن تتبُّع جذورها وروافدها، وتقييمها ونقدها.

واليوم، وبعد أن أدَّت هيمنة ثقافة الاستهلاك إلى القطيعة التاريخيَّة مع التقاليد الفنيَّة للمجتمع؛ أمسى من الأدق الحديث عن "الفن" الجماهيري، أو اللافن الاستهلاكي؛ الذي يُمكن اعتباره "تحديثا" يقطع مع المسيرة الاجتماعيَّة- التاريخيَّة لألوان الفنون في مصر، ويعكِس الاضمحلال الثقافي الشامِل.

ولعل أهم روافد هذا اللافن المنبَتّ هي الإسفاف اللغوي، الذي أثمره العي؛ والتلوث السمعي الذي يتمسَّح بالموسيقى (يتحمَّل حميد الشاعري وِزره إلى حدّ ما!)، ناهيك عن العُري غير المُسبَّب، العُري لذاته بغير "وظيفة فنيَّة"؛ والتلوي في طقوس وثنيَّة تُسمَّى أعراسا أو حفلات أو ما شابه.

هذا اللافن الجماهيري مُجرَّد زَبَدْ يتم استهلاكه بسُرعة عالية في كُلِّ شيء، بما يتفق مع طبيعة حضارة "الترانسفير"؛ فـ"الأغنية" يتم استعمالها (بعد إجراء تعديلات طفيفة) لتسويق المطرِب والعطر والمشروب الغازي والألبسة النسائية والسيارات، وربما الملاهي والبنوك، وكل ما قد لا يخطُر على بال المنتج/ المؤلف. وإذا كان صانع هذه "الثقافة" المنحطَّة يُراهِن على تذكُّر المتلقي للأغنية، ومن ثم للسلعة؛ فإنه يعي غالبا (وبشكل غامض) أن تسطيح الكلمات واللحن، ليُناسِبا التعبير عن أي شيء وكل شيء؛ يجعل استهلاكهما سريعا ومن ثم يصير نسيانهما أسرع بكثير. لذا يصير تجديد الدعاية بصورة منتظمة أمرا لا مفر منه في هذه الصيرورة الشيطانية.

ولهذا اللافن عدَّة خصائص مميزة، قد تبدو مُتناقِضة في الظاهر؛ ومنها:

أولا أنه "منتجٌ" متأيقنٌ؛ أي تم تحويله إلى أيقونة، أي إنه لا يُشيرُ إلى شيء أسمى خارجه، ولا يمكن تفسيره أو تقييمه ولا محاكمته، لمعايير أسمى أو أكثر ثباتا؛ وذلك من وجهة نظر المنتج فحسب بطبيعة الحال. فهو فنٌ "غنوصي" بمعنى ما. وهو بهذا التعريف يُضفي صفات العمليَّة الفنية ذاتها (التوهُّج الإبداعي اللا عقلاني) على المنتج النهائي، ومن ثم تصير كُل قراءة هي إساءة قراءة، وكل نقد هو إساءة فهم ومصادرة لـ"الإبداع".

ثانيا أنه "منتج" قصير العمر جدا، إذ لا جذور له؛ أي إنه ليس تجديدا لمسيرة الفن "المصري" أو "العربي" أو "الإسلامي".. إلخ، أو أي فنّ أصيل نما في هذا السياق؛ فهو نبتٌ شيطاني لا قدوة له ولا مثل أعلى يحتذيه، أو يرنو إليه؛ فهو من ثم مُعاد للتاريخ بالضرورة. وهو أشبه بحفَّاضات الأطفال، أو بالفوط الصحيَّة التي تستخدمها النساء في حيضهن، فبمُجرَّد أن "يرشَح"؛ يتم استبداله، وذلك حتى تستمر صيرورة الإنتاج إلى الأبد، وتزداد أرباح المنتج على حساب القيم المهدَرَة. والعمل الفني/ الحفَّاظ قد يرشح بتغيُّر "مظهر" المؤدي، ذكرا كان أم أنثى؛ فهو يُغير لون شعره أو يفقد عدة كيلوغرامات، أو يرتدي نظارة شمسيَّة أو يُظهِر شُعيرات صدره وماركة لباسه الداخلي، أو تنفُخ هي ثدييها أو تُصغِّر أنفها وتملأ شفتيها بالكيماويات. وهو التغيُّر البرَّاني الذي يجب أن يرتبط (بشكل غير واع، وبسبب الطبيعة الإنسانية المركَّبة) بتغيُّر جواني ولو مكذوب، وهو ما يجعل الصحف تهتم بفضائح وأخبار من تسميهم بـ"النجوم"، ليقع في روع المتلقي أن "الحمار" الناعق قد تغيَّر حاله بعد أن ضاجع الممثلة الفلانية، ومن ثم أمسى أكثر موهبة!

ثالثا السمة الأهم أنه "فن" جماهيري هيستيري. أي لا يُمكن أن "يستمتع"به الكائن البشري إلا في طقس جماعي (وبين جمهور مماثل أو قريب الشبه به)، وفي حالة من الفراغ العقلي والروحي والوجداني شبه الكامل. وهو في ذلك يُشبه "الزار" من عدَّة أوجه، لكنه لا يحمل تاريخا ولا يطوي غائيَّة، بعكس الزار! هذا "الاستمتاع" مُرتبطٌ بحالة من التفريغ والتجويف والتسطيح اللاإنساني، التي تخلقها الحضارة الاستهلاكية، ومعدلات علمنتها المرتفعة؛ خصوصا في المجتمعات المدينية/ الحضريَّة وشبه المدينيَّة.

ويتشكَّل هذا اللافن (بادئ ذي بدء) في بيئة مدينية هامشيَّة فقيرة، بوصفه نتيجة مباشرة لتدني الذوق العام وتشوه المعايير الجمالية (الفطرة) في المناطق "العشوائية" شبه المدينية/ الحضريَّة، التي تتكاثر على هامش المدن الضخمة، وتسعى جاهدة للحاق بها. وهو يتشكَّل أساسا كرد فعل على "الفن البورجوازي" الذي تضعه الطبقة البورجوازية في قمَّة سُلَّم "الفنون". وبما أن المعيار الوحيد في حضارة الاستهلاك هو الانتشار؛ فإن هذا اللافن الجماهيري يتغلَّب بطبيعة الحال، خصوصا بعد تبني الطبقة البرجوازية للثقافة الاستهلاكية بشكل كامل، وقدرتهم على توظيف عناصر المجتمع لحساب الاستهلاك. إن المهمَّشين أكثر عددا، وهذا عامِلٌ حاسم في نقل المؤثرات الفنيَّة من طبقة إلى طبقة اجتماعية أخرى، فالطبقة البورجوازية لا تريد للرعاع مشاركتها الاهتمامات "الفنية"، لكن "الرعاع"، على العكس؛ يُريدون من البرجوازيين مشاركتهم ذائقتهم اللافنيَّة، إذ يُسهِم ذلك بشكل كبير في تيسير عمليات الصعود الاجتماعي بين الطبقات.

إن تدني الذوق العام لا يعني أن ثقافة المهمَّشين أدنى من ثقافة البورجوازيَّة بالضرورة، إذ الثقافة الجماهيريَّة في نهاية الأمر، وفي التحليل الأخير؛ مزيج من هذا وذاك بصورة يصعُب معها التمييز بينهما. لكن تدني الذوق العام، في هذا السياق؛ يعني تنحية المعايير الجمالية "البورجوازيَّة" الممسوخة لحساب اللامعياريَّة الجماهيريَّة وعلو صوتها الغوغائي، بالتوازي مع تنامي قدرة البورجوازية على توظيف هذا اللافن لخدمة أيديولوجيتها الاستهلاكية.. إنه جمع بين سوأتين.

وهذا يعني، باختصار؛ تحول "الثقافة" و"الفن" إلى صناعة: خط إنتاج ضخم يجب ألا يتوقَّف. ومن ثم، يجب تحييد كل العناصر الإبداعيَّة الحقيقيَّة، وتهميش كل القيم الإنسانيَّة، وهو ما لا يتم إلا بتشويه ومسخ الفطرة حتى تنسجم مع هذا الدنس، وكأن قذارات البورجوازيَّة لم تكن كافية.