كتاب عربي 21

حتمية النصر بالحراك المستمر

1300x600

ما زال مرئيّاً خلال الرماد وميض نيران في الجزائر ومصر ولبنان والعراق، ومصدر الوميض جذوة شعبية قد تخبو حينا ولكنها تتحول حتما إلى شعلة تنير الطريق نحو الوجهة المقصودة، وقد أريق حبر كثير في نعي ورثاء الربيع العربي منذ عام 2011، بحسبان أن الهبات الشعبية التي زلزلت أركان أنظمة الحكم العربية هنا وهناك، كانت إعصارا عابرا وليس ربيعا قابلا للاستدامة.

 

جلد للذات

استمرأ كثير من العرب جلد الذات بتصوير قومهم كخانعين خرعين أذلاء، ورعايا يتحكم فيهم رعاة غلاظ شداد، بينما تؤكد وقائع التاريخ أنه ما من بلد عربي إلا وشهد في مراحل مختلفة من تاريخ تشكُّلِه هبات وثورات شعبية ضد الظلم والاستبداد.

ولكن لا سبيل لإنكار أن عرب الألفيتين الثانية والثالثة تعرضوا لأبشع صنوف القهر والتنكيل تحت نير أنظمة فاسدة وفاسقة، ومن عجب أن الجمهوريات ـ والمفترض أنها وكما توحي التسمية ـ تقوم على سلطة الجماهير، ظلت الأكثر معاناة من البطش المنهجي، بسبب ما شهدته من انقلابات عسكرية دموية، في ظل سيادة ثقافة سياسية تعطي السلطة لحاملي السلاح، وتجعل من الضباط المغامرين صناديد يرومون "الإصلاح" و"الإنقاذ" و"التحرير" و"التعمير" و"الاشتراكية" و"شرع الله" و"الوحدة".

 

ذهب إلى مزبلة التاريخ زين العابدين بن علي، ومعمر القذافي، وحسني مبارك، وعلي عبد الله صالح، وصدام حسين، وعبد العزيز بوتفليقة، وعمر البشير، والبقية آتية لا محالة


وبموازاة ومحاذاة الدول العربية القابعة تحت سنابك ديكتاتوريات متعددة الألوان، كانت هناك دولة إسرائيل، التي يزيدها مر السنون قوة وبأسا، ولا أحسب أن إسرائيل صارت قوة إقليمية لأن اقتصادها مزدهر، أو لأنها تواكب العصر وتعمل على تحديث سبل إدارة شؤونها المدنية والعسكرية، أو لأن لديها قوات مسلحة حسنة العدة والعتاد، ففي تشرين أول (أكتوبر) من عام 1973 أوشكت إسرائيل أن تصبح من ضمن القوى التي سادت ثم بادت، ولولا القرار الأرعن للرئيس المصري أنور السادات بوقف تقدم القوات المصرية في سيناء، مما أعطى إسرائيل مهلة زمنية لاستجماع قواها والقيام بهجمات مرتدة ناجحة، لكان السادات في موقف قوي يملي فيه ـ لو أراد ـ على إسرائيل أن تنسحب من جميع الأراضي التي احتلتها في عام 1967، ولانتهت بذلك أسطورة إسرائيل التي لا تُقهر.

 

الديمقراطية هي سر القوة

سر قوة وتماسك إسرائيل هو ارتضاء مواطنيها تداول السلطة سلميا، فهذه الدولة المفبركة والقائمة على أرض مغتصبة، لم تشهد مجرد محاولة انقلابية منذ تأسيسها قبل سبعين ونيف سنة، فسكانها وقادتهم يدركون هشاشة الأساس الذي قامت عليه، فتراضوا من ثم نظام حكم مدني يتنازعون حوله بالجدل والنقاش والهواش ويستخدمون الرشا والغش والتدليس وكافة الأساليب النظيفة والقذرة، ولكن دون اللجوء إلى السلاح لحسم الصراعات الداخلية، وادخاره (السلاح) للجيران الذين بيوتهم من زجاج وبالتالي حالهم مكشوف.

نعم، ديمقراطية إسرائيل منقوصة، لأن من يؤمن بالديمقراطية الحقة يريدها لنفسه ولسواه، ودولة إسرائيل "على بعضها"، وليس فقط نظام الحكم فيها، قامت على البطش والتقتيل والتهجير القسري لأصحاب الأرض، وهي اليوم قوية فقط مقارنة بجيرانها العرب، بمعنى أنها لا تملك مقومات دولة قابلة للاستمرار على هدي مبادئ من أسسوها، الذين أرادوها ملاذا آمناً ليهود الشتات، وانتهى بها الأمر تلوذ بيهود الشتات كي يعطوها الأمان.

 

السنوات القليلة المقبلة ستشهد تغيّرا شاملا في الخرائط السياسية لمعظم الدول العربية،


وإسرائيل تبحر حاليا في ثقة وثبات في بحر رائق نسبيا، ولكنه بحر العرب وليس بحرها، وقد بدأت أمواجه في الصعود في السنوات الأخيرة، ولهذا كانت هرولة القادة الإسرائيليين إلى عدد من العواصم العربية التي تخشى مثلهم من اضطرام الموج، وكان "فرد" العضلات بالتهديد بضرب إيران، لطرح نفسها حاميا للحمى من الغزو الفارسي المفترض.

خلال السنوات القليلة الماضية ذهب إلى مزبلة التاريخ زين العابدين بن علي، ومعمر القذافي، وحسني مبارك، وعلي عبد الله صالح، وصدام حسين، وعبد العزيز بوتفليقة، وعمر البشير، والبقية آتية لا محالة، فها هي شعوب العرب تنهض من رقدتها وكبوتها تنشد العلياء والكرامة، ويقيني أن السنوات القليلة المقبلة ستشهد تغيّرا شاملا في الخرائط السياسية لمعظم الدول العربية، ولن يكون في المشهد الفلسطيني قادة كالذين ألفناهم خلال العقود الماضية، من ذوي الحلاقيم الراعدة والقلوب الواجفة، بل ثوريين حقيقيين مسنودين بثوريين في الجوار العربي ويحظون باحترام المجتمع الدولي.

الحراك الشعبي هنا وهناك في العالم العربي يشبه حال أداة كهربائية تعمل مرحليا على كشف الأوساخ، ولكن وفي مرحلة معينة ستتحول إلى أداة تنفث قوة كاسحة تكنس الدنس المتراكم عبر القرون، لتطهير التراب وزرع غد أخضر.