قضايا وآراء

السجن لمُحكّمة الشطرنج "بيات" بسبب شعرها المنسدل!

1300x600
يؤكد ميثاق الأمم المتحدة على أن "المساواة بين الجنسين"، إلى جانب كونها حقا أساسيا من حقوق الإنسان، إلا أنها تعد أمرا ضروريا لتحقيق السلام في المجتمعات، وإطلاق إمكانيات المجتمع الكاملة.

لقد خيّم الجدل على الإنجاز العظيم لسيدة إيرانية تدعى "شهرة بيات"، شاركت في بطولة العالم للسيدات في لعبة الشطرنج، في مدينة شنغهاي بالصين في كانون الثاني/ يناير 2020، بعد تداول صورة التقطت لها خلال المباراة دون حجاب، على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يعتبر مخالفة بحسب القانون الإيراني تستوجب عقوبة السجن، ما أصابني وأصاب الكثيرين حول العالم بالدهشة والإحباط في الوقت ذاته.

تنمر شرس:

تعد المشاركة في بطولة العالم للسيدات في لعبة الشطرنج من أهم الأحداث في المسيرة الرياضية لتلك البلد، ولذلك كان من المفروض أن تلقى الإيرانية "شُهرة بيات" ذات الـ32 عاما، والتي يتم فيها اختيارها للمرة الأولى في إيران كحكم رئيسي في المنافسات الدولية، التقدير والتكريم والمكافأة، وليس التعرض لعقوبة السجن.

على العكس، تعرضت "بيات" للتنمر الشرس، بعد تداول صورة التقطت لها خلال مباراة الشطرنج دون حجاب، وهو ما يعتبر مخالفة للقانون الإيراني؛ ويمكن أن تتعرض للقبض عليها بتهمة انتهاك قواعد الزي الإسلامي الصارمة في البلاد. وأكدت "بيات" تخوفاتها تلك في تصريح لقناة "بي بي سي" البريطانية قائلة: "عندما فتحت هاتفي رأيت صورتي قد انتشرت عبر الإنترنت، وعلى جميع وسائل الإعلام الإيرانية؛ التي قالت إنني لا أرتدي الحجاب، بل وأريد الاحتجاج ضده".

جدل متكرر:

من هنا ننتقل للجدل العقيم؛ الذي يصاحب كل حادثة متعلقة بحرية المرأة، وخصوصا تلك الحريات المتعلقة باللباس الخارجي، بالكشف عن مفاتنها تارة، وبالحجب تارة أخرى.

الثقافات الغربية في مجملها في وقتنا المعاصر، تأسست على مفاهيم الحرية، والتعدد العرقي والإثني، والأهم من ذلك كله القبول بتلك الثقافات، أو على أقل تقدير تجنب الصدام فيما بينها كليا، وبقوانين احترازية، لمنع التناحر التقليدي بين شعوب بلدان مختلفة؛ تناثرت بعيدا عن مواطن الآباء، ولكنها معبأة بالأحقاد الموروثة، وبالعنف المتبادل.

تلك القيم الديمقراطية السالف ذكرها، أراها المقدمة الصالحة لحل النزاعات الأزلية في مناطق العالم المتوترة، وعلى رأسها منطقتنا المنكوبة في العالم العربي الملتهب بالصراعات الأيديولوجية البائسة.

رمز ديني؟

يثار كل عام جدل كبير في موعد الاحتفال باليوم العالمي للحجاب؛ والذي يأتي أول شباط/ فبراير، بإشكالية ما برحت مكانها منذ سنين بذاك التساؤل الملغوم:

هل الحجاب وسيلة لقمع المرأة، ومقيد لحريتها.. أم أنه داعم لها، ومعبر عن شخصيتها الفكرية القوية؟

هل الحجاب رمز ديني أم هو حرية شخصية؟!

ارتداء الحجاب في جوهره طاعة لأمر الله تعالى، ليس في الإسلام فقط، ولكن في جل الديانات السماوية، وليس رمزا دينيا، ولا يخطر ببال المرأة المسلمة، في ارتدائها له؛ أنها تريد أن تعبر عن دينها، أو تعلن لمن يراها أنها مسلمة؛ بدليل أن المسلمة في قلب بلاد المسلمين ترتدي الحجاب، وهي بالتأكيد ليست في حاجة إلى ذاك الإعلان.

من هذا المنطلق، وفي عام 2013، جاءت فكرة هذا الاحتفال باليوم العالمي للحجاب من الناشطة الإيرانية "ناظمة خان"؛ التي تقيم في ولاية نيويورك الأمريكية، بفعاليات امتدت لحوالي 116 دولة، لرفع الوعي بالحجاب، وتعميق الفهم الموضوعي للآخرين عنه، وتعزيز التسامح الديني، وترسيخ قبول الآخر، والتعايش السلمي بين شعوب الأرض المختلفة.

حجاب إيران:

المسار التاريخي للحجاب في إيران، سياسيا؛ هو الذي أشاع كل هذه الضوضاء، وهذا الزخم، قديما وحديثا؛ بالأمر قانونيا "بكشفه وارتدائه"، كإشكالية لا تنفك "براغماتية" عن بقية رموز المشهد السياسي هناك، من الدولة البهلوية (مملكة إيران)، وحتى الجمهورية الإسلامية (نظام الملالي).

الجدير ذكره، أن الحجاب ليس ظاهرة، أو مسألة اجتماعية، أو دينية فحسب في إيران، بل يتخذ طابعا سياسيا مثيرا للجدل منذ 83 عاما، بعد أن حظره البهلوي الأول "رضا شاه"، من خلال إقرار قانونا في كانون الثاني/ يناير 1936؛ يلزم الإيرانيات بخلع حجابهن، ومعاقبة المخالفات قانونيا، معتبرا أنه من مظاهر الرجعية والتخلف، في إعداده لإصلاح خطط الدولة السياسية لانتهاج الثقافة الغربية، وتطوير مناحي الحياة المختلفة، لمواكبة التقدم العصري.

وقد أثار هذا القانون ردود فعل شعبية غاضبة؛ استمرت إلى أن قرر الابن البهلوي الثاني "محمد رضا" الغاءه في عام 1944، تجنبا للصراعات والتحارب الداخلي.

لقد دأبت الثورة الإسلامية الإيرانية منذ البداية؛ على تصدير الثورة بأيديولوجيتها الكاملة لوجستيا، ظاهريا وجوهريا، كي لا تنكفئ وتتقوقع داخل محيطها المحلي، بل رسخت منهجها الثوري، ليس بالتمدد الإقليمي فحسب، بل والعالمي أيضا.

ساهمت الثورة بهذه المفاهيم؛ في تبني أفكار جديدة في المنطقة العربية، المتعطشة لمفاهيم إسلامية (ولكن برداء ثوري) غابت طويلا عن المشهد العربي، ومنها آنذاك ظاهرة انتشار الحجاب.

حجاب السعودية:

لا يعرف الكثيرون، على سبيل المثال، أن الحجاب في المملكة العربية السعودية؛ لم يكن مفروضا أيضا على العديد من طوائف النساء العاملات في المجتمع، منهن مضيفات الخطوط الجوية السعودية، ومذيعات القنوات السعودية المتلفزة.

ولم يكن لبس العباءة إجباريا بالنسبة للأجنبيات المتواجدات في المملكة السعودية، على العكس، كان لهن كامل الحرية في طريقة الملبس، أو حتى الظهور، على بعض الشواطئ وحمامات السباحة.

وطبقا لأحداث سياسية عصيبة؛ لم تكتف السلطات في المملكة السعودية، بعد حادثتي "جهيمان العتيبي" في الحرم المكي وثورة الخميني، واللتين حدثتا في العام 1979، ومن ثم بزوغ عهد الصحوة في الثمانينيات من القرن الماضي.. لم تكتف المملكة، بفرض الحجاب، بل ومنعت بشكل تام ظهور المذيعات على القنوات التلفزيونية السعودية، أو بث أغاني المطربات، وفرضت ارتداء العباءة على الأجنبيات.

سنة وشيعة:

تدلل هذه النبذات القصيرة لمسار الحجاب "سياسيا" في تلك الدولتين، ذات الدلالات الكبيرة في الأحلاف الشيعية والسنية، على السواء، على أن الحجاب يمثل هوية ورمزا لتلك الأنظمة، وأن حوادث خلع الحجاب من قبل الناشطات في الجمهورية الإيرانية الإسلامية، لا يعد فقط رفضا له، بل رفضا للنظام "الملالي" بشكل كامل.

في هذا السياق، أكدت رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، "مريم رجوي"، في تغريدة لها على موقع تويتر، أن "النساء لم يخرجن إلى الشوارع ليطلبن شيئا من النظام؛ وإنما خرجن من أجل إزالة "نظام الملالي"، ولم ينتفضن من أجل الحرية لأنفسهن فقط، وإنما انتفضن من أجل تحرير إيران بكاملها".

ويتطابق هذا الحديث، مع ما ينشر على كافة منصات التواصل الاجتماعي، خاصة للنشطاء الإيرانيين بالخارج، أنه آن الآوان للتخلي عن النظام الديني؛ الذي يفرض أيديولوجية دينية أحادية على الشعب، في عصر التقنية الرقمية والعولمة التفاعلية!

استخدام المرأة:

استخدام المرأة في السياسة يمثل موروثا ثقافيا تاريخيا، لم تتخلص منه بشكل كامل، وخاصة من حيث الشكل، فتستغل النساء كهدف سياسي يثار حوله العديد من الأسئلة والانتقادات. فهل المرأة راضية عن دورها في هذه اللعبة؟!

يأتي الرد أحيانا أن المرأة تقبل هذا الدور، حتى تجذب الانتباه لمكانتها ودورها في المجتمع، عبر اشتراكها في تنفيذ أجندات سياسية معينة، كحل أوحد لا بديل له.

وأخيرا وليس آخرا، حازت المرأة على تقدير كبير في الأدبيات السياسة العالمية، ومن هنا نستطيع أن نتفهم ثورة النساء في أي مكان حول العالم، على إلزامها بتلك الأجندات "الديماغوغية" الغابرة، والتي تكبل خطواتها الحياتية، وترسخ لدورها الهزيل، على العكس من جهودها الحقيقة في النهوض بالوعي والتنوير، والتي استطاعت التفوق فيهما بجدارة، ولها الحق المطلق في اختيار ما يناسبها في مجتمعات المواطنة العالمية، التي تمثل حقبة تاريخية جديدة، في حياة الرجل والمرأة على حد سواء.