كتاب عربي 21

لكن ترامب ليس أسود (م أم م-2)

1300x600
(1)
في منطقة وعرة تجمع بين كثافة الغابات وتضاريس الجبال الخطرة، أقام الحلفاء نقطة تفتيش عسكرية لتأمين مخازن الإمدادات في شرق آسيا أثناء الحرب العالمية. وكانت اليابان قد أغرقت العديد من السفن الأمريكية قبالة ساحل الفلبين، بما فيها من مواد غذائية وعتاد ملائم لتضاريس هذه المنطقة، ما رفع حالة الاستعداد ودرجة تأمين المعسكر الذي تحيط به قرى ريفية متناثرة قليلة السكان. وذات يوم لاحظ جنود الحلفاء أن قروياً عجوزا يمر عليهم كل صباح وهو يقود عددا من البغال عليها حمولات مغلفة جيداً، فكان الجنود يتعبون في تفتيش هذه الحمولات بدقة، ولا يجدوا شيئا ذا قيمة، مجرد أعشاب خفيفة في أجولة وقطع صغيرة من الخشب في صناديق مغلقة، وكلها أشياء يمكن أن يجدها العجوز في الجانب الآخر الذي يعبر إليه عبر الممر الجبلي الضيق، ولما تكرر الأمر على مدى أسابيع فكر قائد النقطة في استضافة القروي الغريب والحديث معه بود وأمان لمعرفة سر دأبه في حمل هذه الأشياء والعبور بها في هذه الرحلة اليومية الخطرة برغم أنها متوفرة في كل مكان! لم تكن ردود القروي مقنعة، فقرر القائد تدقيق التفتيش أكثر في اليوم التالي، فلم يعثر على أي شيء في الحمولة، حينها عرض على القروي مكافأة كبيرة ووعدا بالأمان وحفظ السر إن أخبره بما وراء تصرفه، وبعد أن تيقن القروي من صدق الضابط قال له إنه يقوم بتهريب البغال وبالتالي ليس مهما ماذا تحمله!

(2)
كانت اليابان قد أغرقت سفينتين محملتين بالبغال التي كانت في ذلك الوقت بمثابة وسائل النقل الاستراتيجية المناسبة لمثل هذه التضاريس، وبالتالي فإن حرمان جيش الحلفاء من البغال يمثل ضربة قاصمة لحركة الجنود والمعدات ووسائل الإمداد..

وبالرغم من الأهمية الاستراتيجية والعسكرية لهذه القصة، إلا أن الهدف منها لا يخص الحرب العالمية وتاريخها، بل يخص الانقسام الدائر في العقل العربي (والعالمي أيضا) حول سؤال: كورونا مصادفة أم مؤامرة؟ لذلك فإن "م أم م-2" الواردة في العنوان تعني أن المقال هو استكمال للمناقشة التي بدأتها عن سؤال المؤامرة في مقال الأسبوع الماضي، لكنني هذا الأسبوع لن أكون مكثفاً كعادتي، ولن أحصر تعبيراتي في المفاهيم الكلية التي تبدو مغلقة على من يقسم السؤال إلى نصفين (مصادفة أو مؤامرة)، لأن هذا الفهم للقضية يحعلنا أقرب لعقلية ضابط الشرطة الذي يهتم بالتحقيق في جريمة قتل، ولا يهمه النقاش عن فكرة القتل نفسها، حتى أنه يمارس القتل (هو وزملاؤه) باعتباره بطولة وليس جريمة، وهذا يعني أن سؤال كورونا انقسم بسبب خطأ تقليدي في صندوق التيرمينولوجي عند العرب، وعند قطاع كبير من العقول التي فككتها هيولة ما بعد الحداثة في العالم، بحيث أن "الصراع الحضاري" الذي تحدث عنه هنتنجتون صار اسمه عند آخرين "مؤامرة".

لكننا إذا فكرنا في مصالحة الانقسام الثنائي، فلن يكون لدينا مفهوم بائس ورديء للمؤامرة بالطريقة التي تقدمها بها مثلا "السيدة خرسيتي" عن اتفاق جنائي يقوم به مسؤولون في أمريكا لتخريب العالم بفيروس من أجل إجبار المستهلكين على شراء الكلينيكس أو الدواء الذي ستطرحه أمريكا بعد زيادة الطلب العالمي وتعطيش السوق. لكن نظرية خرسيتي في فهم المؤامرة ليست وحدها الساذجة، ففي المقابل خرج علينا باسم يوسف مثلا لينفي تماما فكرة "المؤامرة" لأن العالم بريء ومش فاضي للمقالب السخيقة دي ولا يمكن أن يرتكب مثل هذه الحماقات. لكن هنا يظهر هيجل ليسألنا: هل هذا كل ما في مشكلة كورونا، مصادفة أم مؤامرة؟.. ألا يوجد تصور ثالث؟ ألا يوجد تصور أرقى من هذه الانقسام الحاد؟.. ألا يمكن أن يكون هذا الانقسام هو المؤامرة نفسها، كما كانت البغال هي موضوع التهريب وليس ما يبحث عنه الجنود فوق ظهرها؟

(3)
تقول القواميس إن كلمة "مؤامرة" تعني أمراً يتم تدبيره في الخفاء ليتسبب في ضرر آخرين، فإذا نظرنا للضرر الذي وقع على العالم، فلا بد أن نعرف سببه، ولما كان السبب غامضا، والفاعل مجهولا، يصبح لدينا طريقان:
الأول أن نسكت على الضرر ونرميه على الطبيعة أو الجن أو الحسد أو المخلوقات الغيبية الشريرة، أو أهو حصل كده وخلاص! والثاني أن نبحث الظاهرة، ونوقن أن لها فاعلا ولها أسباب، وفي هذه الحالة ليست هناك مشكلة في الاشتباه والتحري وتوجيه الاتهامات

أين المشكلة إذاً في حديث المؤامرة؟

المشكلة في المستوى، المشكلة في قواعد السؤال والاستجواب والبحث، وضمانات التحقيق، وطريقة توجيه الاتهامات، وهنا يدخل على الخط أشباه خرسيتي التي تبتذل قيمة الشك، وضرورة البحث وعدالة البحث عن المجرمين، فتلقي التهم جزافا وتشتت الأنظار عن مسار البحث الجاد بالدخول في تلاسن للسب والردح أكثر منه للمعرفة والفهم والتحري، وهذا يساعد على قتل القضية وإفلات المجرمين. وكذلك يفعل الطرف "الإكستريم" في الجهة المقابلة، عندما يقول إن الضرر يحدث من تلقاء نفسه.. إنها الطبيعة، انه انتقام الأرض، إنه انتقام السماء.

والمشكلة أن إنكار وجود أي فاعل لمثل هذه الكوارث (حتى الطبيعية منها كالزلازل والأعاصير والبراكين) يساوي بين الملحد وبين المؤمن إيمانا غيبيا بأي شيء، بما فيه إيمان البعض بنزاهة النظام العالمي الحديث، لكن الراشدين في العلوم الطبيعية والإنسانية، وفي مقدمتهم مجموعة علماء الإنسانية الجديدة في أوروبا يخبروننا بأن لكل ظاهرة طبيعية سبب، ولكل ظاهرة فاعل، لكن لا يمكن الإمساك بهذا الفاعل بطريقة البحث الجنائي، لأنه فاعل تراكمي وليس شخصا مفردا، يعني ببساطة: سياسة أو طريقة عمل تستمر برغم آثارها السلبية، وحسب نظرية "أثر الفراشة"، يؤدي هذا التراكم إلى أفعال ضخمة وكارثية لا تتناسب مع ضآلة البدايات، وهذه المضاعفات الضخمة هي جوهر النظرية التي روج لها الأمريكان أنفسهم بهذا التعبير: "رفة جناح فراشة في الصين يمكنه أن يؤدي مع الوقت إلى إعصار كاسح في أمريكا".

(4)
معنى هذا أن كورونا مؤامرة؟

يسألني أحدهم ممن تعود على سؤال: بابا أحسن أم ماما؟ فأقول بابا وماما معاً "وي آر فاميلي"، لماذا نصر على الأحادية؟ لماذا نصر على سلخ العالم من التعدد؟ لماذا نصّر على احتقار السؤال؟ لماذا نتكاسل عن المشي في طريق المعرفة والتحري؟ لماذا ننسى: "بلى ولكن ليطمئن قلبي"؟

من هذا المدخل أقول لا عيب في طرح فكرة المؤامرة، العيب في مستوى من يطرحها، وفي طريقة البحث، وفي أسلوب التحقيق وتوجيه الاتهامات. فنحن الآن لدينا جثة قتيل، لا مانع من أن ندفنها لتلبية قناعات المتحدثين عن "إكرام الميت"، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الدفن لا يمنع الكشف الظاهري أو التشريح أو التحري عن القاتل وضرورة الإمساك به، وفي طريق البحث عن القاتل نحتاح إلى شهادات عن علاقاته وصراعاته وعداواته، واستجواب أطراف الصراع، خاصة وأن الصراع في العالم لم ولن يتوقف.

وهذا البحث ليس مؤامرة، وإذا صممت أن تسميه بهذا المصطلح، سأقول لك: ما المؤامرة إذاً إلا نظرية كتبها ويتفوجيل، وآمن بها كيبلينج ووعد بها بلفور، وتفلسف بها فوكوياما، واعترف بها هنتنجتون، وفضحتها هوليوود، حيث أسهبت في نقد السياسات الخرقاء التي يقوم بها أباطرة العالم واعتبرتها مصدرا للكوارث التي تهدد الأرض. وإذا نظرنا إلى حجم الأفلام التي أنتجتها السينما الأمريكية وحدها عن وجود خلل سياسي واقتصادي وأخلاقي وبيئي يؤدي في النهاية إلى زوال الحياة أو تهديد بزوالها، فإننا يجب أن نتمهل لنعرف من السينما الأمريكية نفسها: من يدمر البيئة ويحرق الغابات ويمارس الحروب ويمجد العنصرية ويسعى لتخليق فيروسات إبادة، ويقدم تفسيرات متعددة لكوارث الأوبئة الناتجة عن الفيروسات، سواء التي ينفلت بعضها سهواً أو خطاً، أو ينفلت عمدا نتيجة عمل إرهابي أو تجربة أو حرب أو حيلة ربحية لتنشيط أسواق وترويج سلع بعينها.

وإذا رغبنا في استفادة أكثر تساعدنا على فهم هذا التصور، يمكننا التفكير في محاكاة موازية مع فيروسات الكومبيوتر: كيف ظهرت؟ ولماذا؟ وما هي الصناعات والأرباح التي تجنيها شركات متخصصة من وراء فيروسات الكومبيوتر؟!

(5)
لست متآمراً، لأنني أدبر خيري وشري في العلن، ولست من أنصار توجيه التهم بلا قرائن وأدلة وعزم على إثباتها، ولست من أنصار الادعاء بلا بينة، لكن عالمنا الكذاب ليس شفافا كما يدعي، أو لنقل إنه ليس شفافا بالقدر الذي يسمح لنا بفهم الظواهر وأسبابها، ولا بالتحقيق العادل ومحاسبة من يسيئون للحياة على هذا الكوكب. فحتى هذه الساعة لم توقع أمريكا (مثلا مثلا) على اتفاقية المناخ، لذلك تدمر الكوكب علناً، وتلوث الحياة علناً، وتؤذي صحة البشر بمئات أضعاف الخسائر التي يمكن أن يتسبب فيها فيروس كورنا، ثم لا نعتبر أن هذه السياسات مؤامرة، بل يقول باسم يوسف وأولئك الذين يفتشون الحمولة ويتركون البغال تمر: "دعه يمر"، في الوقت الذي تصرخ فيه أفلام مثل "فردوس البلاستيك" و"حجم عائلي" و"ماتريكس" و"البهائمية" و"أوت بريك" و"كونتيجون" لتخبرنا بأن المجرم معلوم، وأن القتلة معروفون، وأن نمط الإنفاق معروف ومذموم، وسياسات وول ستريت جشعة وربوية متوحشة، وطريقة عمل النظام منحرفة، واهتمامات الإعلام مختلة، وميزانيات التسليح تؤكد أن العالم تحكمه عصابة وليس قادة فكر أو تنفيذ. أي أن الجريمة مكشوفة للجميع كجرائم عصابات مافيا، لكن العالم تعود على وجود العصابة في الحكم. والتاريخ يعلمنا أن القوى تتغير بسبب عوامل خفية كما تتغير بسبب تدخلات ظاهرة، وأن العصابات تتفكك أحيانا من داخلها.

والمفارقة اللطيفة التي أريد ان أختم بها مقالي، هي أن معظم الأفلام التي تعرضت فيها أمريكا لكوارث إبادة كانت تحت حكم رئيس أسود يستطيع في ظروف صعبة أن يقود البلاد من مخبئه السري المعزول، ليحمي الأرض من الغزاة ويزيح خطر الإبادة، لكن ترامب ليس رئيساً أسود، فقد تأخر كورونا ولم يلحق بفترة أوباما، فهل يستطيع هذه الرئيس، أبيض العقل والجلد، أسود القلب والفكر أن ينقذ أمريكا؟ أم تتحق روايات كورماك مكارث الكابوسية التي يدوي صداها في المجتمع الأمريكي منذ سنوات؟

السؤال لا يعني تمنى الدمار أو الزوال لمجتمع، لكنه يعني فهم الغرض الحقيقي من صيحات الإبداع التحذيرية (في الروايات والأفلام والصحف أيضا) التي أطلقها الأمريكان أنفسهم لفضح مخاطر وإجرام نظامهم المتوحش، وضرورة إصلاح العقل الذي يحكم العالم.

لكن هل يتصالح دراكولا مع النهار ويتوقف عن امتصاص المال والدم؟
سنرى...

tamahi@hotmail.com