قضايا وآراء

متى تستقل مصر؟

1300x600
خلال ثورة 1919 كان الشعار الذي ينادي به المصريون هو الاستقلال التام أو الموت الزؤام، ويعنى إما أن نحقق الاستقلال بشكل كامل أو أن نموت موتا سريعا، لأن الزؤام هو الموت السريع. وكما يقال فإن هذا الشعار كان اختيارا لرئيس الوفد سعد باشا زغلول. واكتملت أحداث ثورة 19 والتي استمرت من آذار/ مارس 1919 حتى تحققت بعض مطالبها بإعلان الدستور في 1923 وإجراء انتخابات برلمانية.

ولكن هل استقلت مصر؟ بالتأكيد لا؛ لأن سيطرة الإنجليز (المحتل الأجنبي) ظلت كما هي، ولم يستطع المصريون أن يستقلوا أو أن يديروا مصر بحرية كما كانوا يريدونها. وفي عام 1952، أي بعد ثورة 1919 بأكثر من ثلاثين عاما، حدثت حركة الجيش وما أطلق عليها بحركة الضباط الأحرار أو ثورة عام 1952. أيضا قيل وقتها إن مصر استقلت وأصبحت حرة. وفي الحقيقة لم تستقل مصر ولكن تغير المحتل الأجنبي بمحتل محلي، هم مجموعة الضباط الأحرار. واستمر المحتل البديل في موقعه حتى جاءت أحداث كانون الثاني/ يناير 2011، واستطاع المصريون أن يتنفسوا هواء الاستقلال والحرية، ولكن للأسف لم يكتمل عامان حتى عاد المصريون للنزوح تحت نير الاحتلال مرة أخرى وهم ما يزلون قابعين تحته.

إن الاستقلال الحقيقي الذي يجب أن تحصل عليه مصر والشعب المصري وكل شعوب العالم هو أن يكون لهذا الشعب الحرية في اختيار من يقودها، وأن يكون أول شرط فيمن يقود هو تطبيق العدل بين أبناء الشعب. وإذا لم يتحقق ذلك فيظل الشعب المصري أو أي شعب تحت نير الاحتلال حتى لو كان من يحكمه اسمه جمال أو محمد أو غير ذلك من الأسماء.

ونفس القضية نراها في سوريا وتونس واليمن وغيرهما من البلاد العربية، وكان من يحكمها اسمه حافظ أو صالح أو بومدين. وقد يقول قائل إن الشعب في بعض المراحل لا يكون على درجة من الوعي الكافي يستطيع معه أن يدير نفسه، أو بمعنى أدق أن الشعوب في بداية مرحلة التحرر من المحتل الأجنبي تكون "قاصرة" كما يدعي هؤلاء، وبالتالي فإن الشعوب في حاجة إلى من يقودها وهو أكثر وعيا منها، وهذه خدعة نعيشها في مصر وفي عالمنا العربي منذ بداية عصر الاحتلال المحلي. وقد رد على هذا الادعاء الزعيم أحمد عرابي منذ أكثر من مائة عام عندما قال للخديوي توفيق في ميدان عابدين بالقاهرة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار"، وهو يقصد بالاستعباد هنا أن يدار بغير رضاه كالعبيد، فالإنسان، أي إنسان.. مصريا كان أو عربيا أو أمريكيا أو صينيا، أي إنسان بالغ عاقل.. يولد حرا يستطيع أن يدير نفسه وصاحب عقل لا يحتاج إلى من يديره أو يوجهه.

ولكن ما عشناه في مصر وفي معظم الدول العربية على مدى أكثر من سبعين عاما هو نوع مغلف من الاحتلال والاستعباد من خلال مستعبد محلي ظالم؛ لأنه لو غابت الحرية فإنه بالضروري يغيب العدل. وهنا أذكر مقولة رسول كسرى ملك الفرس عندما ذهب إلى المدينة المنورة يحمل رسالة إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجده نائما على الأرض في إحدى طرقات المدينة وثيابه رثه، فقال قولته الشهيرة: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.

فالجانب الثاني من أي حكم رشيد هو تحقيق العدل بعد تحقيق الحرية والتي هي الأساس في أي استقلال. ورسول كسرى لم يتكلم عن الحرية لأنها كانت ظاهرة للعيان، وقد أدركها بنفسه عندما تحرك في المدينة وهو ينتمي لدولة معادية حتى وصل للحاكم، وهو الخليفة الخطاب رضي الله عنه، دون أن يوقفه أحد أو يقبض عليه أو يقتل، أو غير ذلك من أفعال يمكن أن تحدث في الفرس أو الروم وقتها لمن أراد أن يقابل كسرى الفرس أو هرقل الروم.

وهناك أمثلة عديدة على الحرية التي كانت سائدة وقتها؛ منها موقف المرأة التي أصابت وأخطأ عمر، والرجل الذي حاسبه على توزيع القماش عام المجاعة ومن أين له هذا، وغيرها كثير. هذا بالإضافة إلى الحرية التي أعطاها الإسلام لاختيار العقيدة، وهو دين وعقيدة جديدة تسعى للانتشار، فكان من الطبيعي أن يدفع الناس دفعا لاعتناقه ولكنه ترك لهم الحرية، فمن شاء أن يؤمن ومن شاء أن يكفر، وهو الدين الحق لكنها الحرية.

ونحن في مصر وفي العالم العربي نعيش وعشنا أن ما يراه المحتل سواء أجنبي أو محلى هو الصواب وما عداه هو الباطل، لذلك تم تشبيه هؤلاء الحكام بالفرعون الذي يقول ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد. ومنذ فرعون والشعب يخضع ولا أقول يصدق؛ لأنه كما نتذكر حتى عهد عبد الناصر كان الشعب على وعي ويعلم أن ما يفعله هو فقط للاستهلاك المحلي، وقد ثبت ذلك مع هزيمة 1967 ولكنه الخوف والخضوع. وعندما سمح السادات بقليل من الحرية في بداية عهده وجاء إلى البرلمان عدد من الشخصيات الحرة، مثل الدكتور حلمي مراد والدكتور القاضي من الإسكندرية وغيرهما وكانوا قلائل، رحمهم الله جميعا.. لم يستطيع (السادات) أن يتحمل الحرية وتبعاتها فحل البرلمان قبل اكتمال دورته التشريعية. ونفس القصة تكررت مع حسني مبارك، فقام بحل المجلس مع أنه ليس نتيجة انتخابات حرة بشكل كامل، ولكنه نفس المنهج (ما أريكم إلا ما أرى). والشعوب تخضع، لا أقول عن قلة وعي ولكنه الخوف والخضوع وحتى الآن.. وما يفعله السيسي في مصر أو بشار في سوريا.. هل هذه دول مستقلة؟

فإن مصر لم تعش مرحلة استقلت فيها بشكل أقرب ما يكون للحقيقي إلا في الفترة من بدايات 2011 إلى منتصف 2013، عندما استطاع الشعب أن يفرض إرادته ويختار بحرية، وكانت بداية لخطوات كانت ستجعل ليس مصر وحدها ولكن باقي دول المنطقة في سوريا واليمن وليبيا وتونس وباقي الأقطار العربية؛ تعيش في حرية وعدل، وبالتالي يتحقق ما ينادون بها الآن من ديمقراطية بمعناها الأساسي، وهو حكم الشعب للشعب، وهذا لا يتحقق إلا بالحرية والعدل.

وقد تحقق للشعب المصري الحرية والاختيار الحر في تلك الفترة، ولثقة المصريين في الحرية التي عاشوها وقتها خرجوا ووقفوا بالساعات أمام لجان الانتخابات في عدة فعاليات انتخابية بالإضافة إلى الاستفتاء على دستور 2012، وذلك للمشاركة في الممارسات الديمقراطية المختلفة واختاروا بحرية وحتى بعد الانتخابات واختيار رئيس. ظل الشعب يعيش الحرية ممثلة في انتقاد الرئيس، ولم نسمع أن هناك من تم القبض عليه أو حبسه أو تعذيبه لأنه انتقد الرئيس أو تهكم عليه أو غير ذلك، بل إن الانتقاد بحق وغير حق كان يذاع على الهواء للكافة، ولم تغلق قناة أو يمنع مذيع أو غير ذلك مما نراه الآن وكنا نراه على مدى السنوات السابقة لعام 2011.

وحتى تستقل مصر وتعيش الديمقراطية التي يحلم بها العالم كله، يجب أن تعود للشعب إرادته الحرة والتي من خلالها يختار من يراه أنه الأنسب والأفضل للمرحلة التي يعيشها، دون تزوير أو ضغوط لاختيار شخص أو فئة بعينها. وفي اعتقادي أن هذا صعب ولكنه ممكن الحدوث بتوفيق من الله ومن خلال العديد من الإجراءات.. أم كما قال سعد باشا زغلول أيضا "مفيش فايدة"، وأنه فقد الأمل في المصريين وأنهم يرضون بالذل، وإن كان البعض فسرها بأنه كان يقصد الدواء؛ هذا غالبا الأصح وليس المصريين.

المهم أن يكون أملنا في الله وحده، وأن نُصر وأن نعمل على أن تكون مصر وباقي الدول العربية حتى الملكية أو الأميرية (يحكمها أمير) منها، وكافة دول وشعوب العالم، دولا مستقله تنعم بالحرية والعدل.

والله المستعان وهو من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع