حقوق وحريات

سفينة ومعسكرات لإيواء طالبي اللجوء.. قانون جديد للهجرة واللجوء ببريطانيا

تمثل السفينة تحولا في طريقة إيواء طالبي اللجوء- جيتي
تتسبب السياسة الجديدة للتعامل مع المهاجرين في بريطانيا بانقسام في الشارع البريطاني، إلى جانب الانتقادات من جانب المنظمات الحقوقية والأمم المتحدة. ويأتي هذا بينما أقر مجلس اللوردات قانون الهجرة الجديد، والذي يتضمن بنودا مثيرة للجدل، بينها منع حصول المهاجرين الذين يدخلون البلاد بصورة غير قانونية على اللجوء.

وشهدت بلدة بورتلاند في مقاطعة دورسيت احتجاجات كادت تتحول لصدامات بين مدافعين على اللاجئين ومناهضين لهم، بعد رسو سفينة ستستخدم لإيواء ما يصل إلى 500 لاجئ، ما اضطر الشرطة للتدخل للفصل بين الجانبين.

وجاء رسو السفينة "بيبي استوكهولم" (Bibby Stockholm) التي تمثل فندقا عائما، وكانت الحكومة قد أعلنت عن استئجارها في وقت سابق، بعد وقت قصير من إقرار مجلس اللوردات البريطاني قانون الهجرة الجديد، حيث تم إسقاط خمسة تعديلات سبق أن طرحها أعضاء في المجلس.

ووصفت منظمة "قاوموا العنصرية" قرار الحكومة بوضع طالبي اللجوء في السفينة بأنه "غير إنساني"، واتهمتها بالتحريض على السلوك العدواني تجاه طالبي اللجوء.

وتجمع أعضاء من المنظمة أمام مداخل الميناء؛ للاحتجاج على التوجه الحكومي الجديد في إيواء اللاجئين، ورددوا هتافات ترحب باللاجئين في بريطانيا.

وفي مقابل هؤلاء، تجمع أنصار لليمين المتطرف في البلدة، المناهضين للاجئين، يرفض وجود السفينة على شواطئ بلدتهم. ويزعم المحتجون من جماعة "لا للسفينة"، أن اللاجئين سيعرّضون السكان وخصوصا النساء والأطفال للخطر، بحسب ما نقلت صحيفة الغارديان عن إحدى الأمهات.


لماذا الانتقاد لـ"بيبي استكهولم"؟

تؤكد المنظمات المدافعة عن اللاجئين أن السفينة تضم 222 غرفة نوم، لكن الحكومة تنوي استخدامها لإيواء 500 شخص، ما يعني أن كل شخص سيحصل على مساحة لا تتجاوز مساحة موقف سيارة واحدة، وفق حسابات أجرتها صحيفة الإندبندنت.

وتصف المنظمات هذه السفينة بأنها "سجن"، سيتم عزل طالبي اللاجئين فيه عن العالم الخارجي. ويتوقع أن تبدأ السفينة باستقبال النزلاء في وقت لاحق هذا الشهر.

ورغم تصاعد العداء للاجئين، فإن هناك العديد من المتطوعين من البلدة والبلدات المجاورة يستعدون لمساعدة اللاجئين في مجالات الاستشارة القانونية أو تعليم اللغة الإنكليزية، وحتى مساعدتهم على الانخراط في الحياة الاجتماعية.

وبحسب صحيفة الإندبندنت، فإن شرطة مكافحة الإرهاب ستتولى تأمين الحماية للسفينة، بالنظر للهجوم الإرهابي الذي تعرض له مركز تابع لإدارة الهجرة في دوفر، وكذلك الهجمات المتكررة من اليمين المتطرف على الفنادق التي تؤوي طالبي اللجوء.

وستخصص السفينة لإيواء الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و65 عاما. ورغم تأكيد الحكومة أن السفينة ليست سجنا، لكن لن يسمح لطالبي اللجوء بالتحرك بحرية في المنطقة، بل عليهم البقاء داخل السفينة أو الانتقال لمعسكر مغلق قريب.

ووقعت الحكومة عقدا مع شركة خاصة بقيمة 1.6 مليار جنيه إسترليني لإدارة السفينة ومواقع أخرى لإيواء طالبي اللجوء، فيما تتولى الحكومة تحمل نفقات الخدمات الصحية والشرطة وباقي الخدمات العامة. وستتيح الشركة تأمين حافلات لنقل اللاجئين إلى وسط البلدة للتسوق والحصول على احتياجاتهم.

والسفينة تحظى بسمعة سيئة، فقد كانت السفينة تستخدم في السابق من قبل الحكومة الهولندية لإيواء طالبي اللجوء مطلع الألفية الجديدة، وشهدت حالات اغتصاب وحالة وفاة واحدة على الأقل.
كما نقلت منظمة العفو الدولية في تقرير لها عن أحد النزلاء السابقين في 2008؛ وصفه السفينة باعتبارها "أربعة أشخاص في زنزانة"، وأن الغرف لا يدخلها إلا القليل من ضوء الشمس، وتفوح منها الروائح الكريهة، "وهو ما يدفعك إلى الخلاصة: إنهم يريدون قتلك نفسيا"، بحسب ما أوردته المنظمة حينها.

ورغم تأكيد الشركة المالكة للسفينة أنهم تم إجراء تجديد شامل لها قبل نحو 10 أعوام قبل تأجيرها لإحدى الشركات النفطية، فإن منظمة "الحرية من التعذيب" حذرت من أن "كارثة بالانتظار"، ووصفت استخدام السفينة بأنه "وحشي ولا إنساني".

ودعت المنظمة الحكومة للتخلي عن هذه الخطة، والسعي بدلا من ذلك للتعامل مع ملفات اللجوء المتراكمة وغير المنجزة.

وتقول الحكومة البريطانية إن استخدام السفينة هو أقل كلفة من الفنادق التي تؤوي حاليا نحو 50 ألف طالب لجوء وتكلف حوالي 6 ملايين جنيه إسترليني في اليوم الواحد. وتقول إن إيواءهم في الفنادق يحمّل الحكومة تكاليف مالية إضافية، ويشجع مزيدا من اللاجئين على القدوم في القوارب الصغير عبر القنال الإنكليزي.

كما تسعى الحكومة لنقل طالبي اللجوء إلى معسكرات سابقة للجيش، وتم نقل نحو 50 لاجئا إلى قاعدة جوية سابقة في مقاطعة إسكس الأسبوع الماضي، لكن هذه الخطوة تواجه تحديا أمام القضاء، بما في ذلك محاولة نقل طالبي اللجوء إلى سجن سابق.

قانون جديد للهجرة

ويمثل القانون الجديد عنصرا أساسيا ضمن الخطط الحكومية لوقف تدفق قوارب اللاجئين عبر القنال الإنكليزي.

وفي 2022، وصل إلى سواحل إنكلترا على متن هذه القوارب أكثر من 45 ألف مهاجر، في رقم قياسي. وتجاوز عددهم منذ مطلع العام 13 ألف شخص.

وفي آذار/ مارس الماضي أبرمت لندن وباريس اتفاقا تعهدت بموجبه بريطانيا بالمساهمة في تمويل جهود منع المهاجرين غير الشرعيين من المغادرة نحو المملكة المتحدة.

وينص القانون الجديد على منع المهاجرين الذين يصلون بشكل غير قانوني إلى الأراضي البريطانية من طلب اللجوء في هذا البلد. وتسعى الحكومة لترحيل هؤلاء بأسرع ما يمكن، إمّا إلى بلدانهم الأصلية أو إلى بلد ثالث مثل رواندا، أياً كان البلد الذي أتوا منه.

وأبرمت بريطانيا في العام الماضي اتفاقاً مع رواندا لإرسال مهاجرين غير شرعيين إلى البلد الأفريقي، لكن لم يتم تنفيذ أيّ عمليات ترحيل بعد بموجب هذا الاتفاق المثير للجدل.

وكان مقرّراً إجراء أول عملية ترحيل في حزيران/ يونيو 2022 لكنّ الرحلة الجوية تمّ إلغاؤها بعد قرار من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وفي نهاية حزيران/ يونيو، أعلن القضاء أنّ هذا الاتفاق غير قانوني، لأن راوندا لا تعد بلدا آمنا، لكن الحكومة البريطانية أعلنت في الحال عزمها على استئناف هذا الحُكم.

وتمّت عرقلة مشروع قانون الهجرة لأسابيع بعد أن مارس مجلس اللوردات ضغوطا من أجل إدخال العديد من التعديلات عليه. ومن أبرز التعديلات التي أُدخلت على مشروع القانون فرض قيود على احتجاز الأطفال وحماية ضحايا العبودية الحديثة، لكن تم إسقاط تعديلات أخرى.

وكان رئيس أساقفة كانتربري جاستين ويلبي، وهو الزعيم الروحي للكنيسة الأنغليكانية وعضو أيضاً في مجلس اللوردات، من أشدّ المعارضين لهذا القانون. وقال أسقف كانتربري خلال المناقشات في مجلس اللوردات: "لست أرى كيف سيسمح هذا النصّ بإيقاف قوارب المهاجرين"، مضيفاً "لم أسمع أيّ شيء أقنعني".

وسارعت الأمم المتّحدة إلى التنديد بالقانون الجديد، مؤكدة أنه يتعارض مع القانون الدولي ويرسي سابقة مثيرة للقلق.

وقال رئيس المفوضية السامية للأمم المتّحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك ورئيس المفوضية السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي في بيان مشترك؛ إنّ مشروع القانون "يتعارض مع التزامات البلاد بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان واللاجئين".

وحذّر المسؤولان الأساسيان في الأمم المتّحدة عن هذا الملف في بيانهما من أنّ هذا القانون "ستكون له عواقب وخيمة على الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية"، وأوضحا أن القانون ينشئ سلطات احتجاز تتمتع بصلاحيات واسعة وتخضع لإشراف قضائي محدود.

وقال غراندي في البيان إنّ التشريع الجديد "يقوّض بشكل كبير الإطار القانوني الذي وفّر الحماية للكثيرين، ويعرّض اللاجئين لمخاطر جسيمة في انتهاك للقانون الدولي".

وفي بيانهما، ذكّر المسؤولان الأمميان بأن اتفاقية اللاجئين لعام 1951 تعترف صراحةً بأنّه يمكن أن يضطر اللاجئون لدخول بلد اللجوء بشكل غير قانوني.

وتتّهم لندن طالبي اللجوء الذين يدخلون أراضيها خلسة بأنّهم "يتخطّون الطابور" على حساب أولئك الذين يدخلون البلاد بصورة قانونية وآمنة.

لكنّ المسؤولين الأممّيين شدّدا على أنّ الطرق الآمنة والقانونية نادراً ما تكون متاحة لمعظم الفارّين من الحروب الذين غالباً ما يكونون غير قادرين على الحصول على جوازات سفر أو تأشيرات.

وحذّر تورك من خطر أن يرسي هذا التشريع البريطاني "سابقة" قانونية تتّبعها دول أخرى. وقال إنّ هذا النصّ "يشكّل سابقة مقلقة في مجال تفكيك الالتزامات المتعلقة باللجوء، قد تميل لاتّباعها دول أخرى، بما في ذلك في أوروبا".

ونبّه رئيس المفوضية السامية للأمم المتّحدة لحقوق الإنسان إلى أنّ هذا الأمر "قد يكون له تأثير سلبي على مجمل المنظومة الدولية لحماية اللاجئين وحقوق الإنسان". ويخضع الأطفال غير المصحوبين بذويهم لسلطة القانون الجديد.

وقال تورك وغراندي إنّ التشريع البريطاني الجديد لا يتضمن أيّ ضمانات بأنّ طالبي اللجوء سيكونون قادرين على الحصول على الحماية في رواندا.

وحذّر المسؤولان الأمميان من أنّه من دون ترتيبات ترحيل قابلة للتطبيق، سيبقى مئات آلاف المهاجرين في بريطانيا إلى أجل غير مسمّى في أوضاع قانونية محفوفة بالمخاطر.

وقال تورك إنّ "إجراء عمليات الإبعاد في ظلّ هذه الظروف يتعارض مع حظر الإعادة القسرية والطرد الجماعي والحقّ في الإجراءات القانونية الواجبة، ومع الحياة الأسرية والخاصة، ومع مبدأ المصالح الفضلى للأطفال المعنيين".

من جهته، قال غراندي إنّ محاولات بريطانيا لتسريع إجراءات اللجوء "سيقوّضها بشكل كبير التشريع الجديد". وبحسب تورك وغراندي، فإنّ القانون الجديد سيعرّض المهاجرين غير الشرعيين "لخطر الاحتجاز والفقر المدقع".

وتعليقاً على إقرار القانون، قال "مجلس اللاجئين"، وهو منظمة غير حكومية بريطانية: "هذا يوم مظلم" لسمعة بريطانيا، و"لحظة خطرة" للساعين للحصول على حماية، مشدداً على أنّ "الكفاح من أجل نظام لجوء عادل وإنساني مستمر".