كتاب عربي 21

صناعة سعودية.. "وتقفيل محلي".. لماذا يهاجمون عمرو أديب؟!

عمرو أديب وتركي آل الشيخ
هذا مقال للتسلية..

فعندما استولت فكرته على رأسي، كنت أفاصل بين أكثر من موضوع، اختزلتها إلى موضوعين، الأول عن طرح اسم الفريق محمود حجازي رئيساً للجمهورية، والثاني عن الوجود اليهودي في مصر، وغير المسبوق منذ (70) عاماً، على النحو الذي ورد في الخبر المنشور عن احتفال قام به القوم في كنيس بمنطقة مصر الجديدة، كان قد تم ترميمه ضمن آثار يهودية عدة، واللافت في الأمر هو صمت الناصريين أمام التعامل مع هذا الحضور على أنه إنجاز، وكأن خروجهم من مصر حدث في عهد الرئيس محمد مرسي، وليس في عهد الرئيس خالد الذكر!

كنت قد ذهبت إلى قناة "إم بي سي مصر"، فوجدت لقاءً يديره عمرو أديب، وبحضور تركي آل الشيخ، ومعه لفيف من الأساتذة، فأغلقت الصوت، وذهبت لممارسة هوايتي في قراءة الوجوه، لأعرف بعد هذا أن كلاماً قيل تم استخدامه على الفور ضد عمرو أديب، الذي قال له آل الشيخ إن جزءا من نجاحه وتاريخه صناعة سعودية، وقد رد الإعلامي عليه: "لي الفخر"، وهو الخبر الذي نشرته المواقع المصرية، لتمكين الذباب الإلكتروني من الهجوم على أديب!

وكان قد انتشر على نطاق واسع قول منسوب لعمرو أديب خلال الأيام الماضية أن مجلتين سعوديتين شكلتا تفكيره، وأن سعودياً رد عليه بأنهم تعلموا من الإعلام والمجلات الثقافية المصرية، ومع فشلي في التوصل لأصل هذا الديالوج، إلا أنه يعد جزءا من حملة يقوم بها بعض الإعلاميين وبعض الذباب الإلكتروني ضد عمرو أديب، وهي تستهدف من خلفه، بعد حديثه الأخير الذي يمكن أن يُفهم منه أنه يتبنى اتجاهاً لاستبدال السيسي بآخر. وهي حملات تستهدف من يقفون وراء عمرو أديب، ومن ثم فإن الدعاية تقوم على أنه قال ما قال بدفع من الكفيل، فهل الكفيل لم يعد مرتاحاً للسيسي؟!

حملة يقوم بها بعض الإعلاميين وبعض الذباب الإلكتروني ضد عمرو أديب، وهي تستهدف من خلفه، بعد حديثه الأخير الذي يمكن أن يُفهم منه أنه يتبنى اتجاهاً لاستبدال السيسي بآخر. وهي حملات تستهدف من يقفون وراء عمرو أديب، ومن ثم فإن الدعاية تقوم على أنه قال ما قال بدفع من الكفيل، فهل الكفيل لم يعد مرتاحاً للسيسي؟!

ما يعكر الصفو:

الحقيقة أن الأداء الارتجالي لإعلام السلطة في مصر، يضر بالسلطة نفسها، التي تحرص دائماً على أن تؤكد أن علاقتها بالخليج (السعودية والإمارات تحديداً) على ما يرام، مهما رشح من أخبار تفيد عكس ذلك، لأن المستقر لدى عامة المصريين أن العلاقة مع الخليج يمكن أن تضمن بقاء النظام، ودائما فإن دعايتهم حريصة دائماً على نفي وجود ما يعكر الصفو!

وفي أجواء طبيعية فإن علاقة إعلامي بالسعودية أو الإمارات تحديداً لا تمثل سبباً للإدانة، لكن الحملة على عمرو أديب توحي بأن الأمور ليست على ما يرام، لأنها دائما تحاول الربط بينه وبين "الكفيل"، وهي المفردة التي تتردد من باب التحقير، ولهذا فقد وجدوا مقولة تركي آل الشيخ تعزيزاً لهذا الاتهام وإثباتاً له!

ومهما يكن، فقد كان تركي آل الشيخ متواضعاً عندما قال هذا، فليس جزءا من نجاح صاحبه وتاريخه صناعة سعودية، لأنه بدأ العمل أساساً في مطبوعات ممولة من السعودية، وليس في الأمر ما يشين إلا من حيث عدم التمييز بين العمل في مؤسسات خارجية، إعلامية أو غير إعلامية، وبين الخدمة في البيوت، لكن عندما يعجز الطرف الآخر في الرد فإنه يلجأ إلى الإساءة اللفظية، فعلها عمرو أديب من قبل عندما كان جزءا من العزف الموسيقي ضد قطر والجزيرة!

لاحظ أن الطرف الآخر لا يستطيع أن يقدم على اعتقال عمرو أديب مثلاً، أو أن تصل به الجرأة حد وقف إرسال قناة "إم بي سي مصر"، تماماً كما أننا صرنا نقرأ الأخبار المثيرة عن الداخل المصري عبر "العربية نت"، لكنهم لن يستطيعوا أن يحجبوا الموقع كما يفعلون مع موقع "عربي21"، وغيره!

البداية المبكرة:

بداية عمرو أديب في الإعلام السعودي كانت مبكرة، فشقيقه الأكبر بدأ المهمة، في وقت كانت فيه المملكة تبني ترسانة إعلامية، توجتها بجريدتي "الشرق الأوسط" و"الحياة"، وعندما انعطف السادات إلى الصلح مع إسرائيل، فإن الإعلام الخليجي تحول إلى منصات لإطلاق الصواريخ عليه، ووجد الكتاب المستقلون واليساريون طريقهم إليه. وكان السادات يقود الحملة على خصومه بنفسه، فهم يهاجمون مصر في الخارج، بحسب رأيه!

الطرف الآخر لا يستطيع أن يقدم على اعتقال عمرو أديب مثلاً، أو أن تصل به الجرأة حد وقف إرسال قناة "إم بي سي مصر"، تماماً كما أننا صرنا نقرأ الأخبار المثيرة عن الداخل المصري عبر "العربية نت"، لكنهم لن يستطيعوا أن يحجبوا الموقع كما يفعلون مع موقع "عربي21"، وغيره!

ويبدو أن هذه المدفعية الثقيلة أقلقته بأكثر من قدرته على التحمل، فكان أن تفتق ذهنه عن تخيير الكتاب بين العمل في المؤسسات الصحفية المصرية أو الكتابة لصحف الخارج، معتقداً أن نجاح هذه الصحف في جزء منه يرجع إلى الصحفيين المصريين، ومنهم من كانت تتم الاستعانة به للإشراف على عملية التأسيس لصحف جديدة، فمنهم من يستمر ومنهم من يغادر بعد مرحلة التأسيس، وقد كان كامل زهيري في "الراية" القطرية، ومصطفى شردي في "الاتحاد" في أبو ظبي، وأسس أحمد بهاء الدين مجلة "العربي" الكويتية، وأسس رجاء النقاش مجلة "الدوحة". وإذا قال أحد إن ثقافته تشكلت بالاطلاع على هذه المطبوعات، فإن الغضب منه هو تزيّد في الوطنية لا معنى له، لكنه يأتي متزامناً مع حملة الهجوم على الفنان محمد ثروت لأنه غنّى للمملكة، أو أن غيره من الفنانين قال كلاماً يدخل في باب المجاملات لمن دعاه، وهذا الأداء لم يكن ليمثل أدنى مشكلة لو أن العلاقة بين البلدين فعلاً على ما يرام!

لقد عرض السادات على رؤساء تحرير الصحف أن يخيّروا من لديهم من كتّاب بين الاقتصار على الصحف المصرية أو أن يتقدموا بإجازات غير مدفوعة الأجر من صحفهم أو يستقيلوا، وإذ وافق مصطفى أمين على الفور على استمرار عموده اليومي في الأخبار، وكان ينشره بالتوازي في "الشرق الأوسط" السعودية، فقد كانت مشكلة موسى صبري، رئيس مؤسسة أخبار اليوم، مع مدير التحرير الثاني "إبراهيم سعدة"، الذي كان مديراً لمكتب "الشرق الأوسط" في القاهرة!

المفاجأة أن إبراهيم سعدة رفض ترك موقعه في الجريدة السعودية، وعرض أن يقدم إجازة من أخبار اليوم، لكن موسى صبري طالبه بالتريث، ولا يتسبب في غضب السادات عليه، ومن ثم منحه مهلة للتفكير.. وهذا هو التاريخ غير المكتوب!

بيد أن السادات المنزعج من الهجوم عليه، اتصل بموسى صبري ليقف على موقف العاملين في الأخبار من هذا التخيير، فسرى عنه بأن أخبره باستجابة الجميع، حتى مصطفى أمين، وحتى إبراهيم سعدة مع أنه يتقاضى راتباً كبيراً في الشرق الأوسط!

وتمتم السادات: "وطني إبراهيم سعدة ده يا موسى"!.. قبل أن يطلب منه أن يصحبه معه في لقاء استراحة القناطر في اليوم التالي، وكان يلتقي فيها بكبار الصحفيين، أو من يتوسم فيهم خيراً -من وجهة نظره- من شبابهم، وهناك حكى السادات الموقف الوطني لإبراهيم سعدة، ومن ثم قرر تعيينه رئيساً لتحرير "أخبار اليوم" الأسبوعية، وأسقط في يد موسى صبري!

إنه أراد أن يرضي السادات، لا أن يتم تصعيد إبراهيم سعدة، وعبثاً حاول إقناع السادات بتأجيل القرار، لأن إبراهيم سعدة هو مدير التحرير الثاني، وأن سعيد سنبل هو مدير التحرير الأول والأقدم تعييناً في المؤسسة، وهذا هو التاريخ المكتوب!

وأصر السادات على موقفه، على أمل البحث عن طريقة لترضية سعيد سنبل، فلما لم ينته موسى صبري علق السادات: هل تريد أن تحول أخبار اليوم إلى كنيسة يا موسى؟ في إشارة إلى أن سعيد سنبل مسيحي مثله، وهذا هو التاريخ غير المكتوب، الذي انتقل لنا شفاهة من شهود الواقعة!

وخرج موسى حزيناً صامتاً في طريقه لمنزله ومعه إبراهيم سعدة، والأخير يحاول أن يتودد إليه ويبدو ممتناً له، لكن دون جدوى. وفي مذكراته أرجع موسى صبري صمته بأنه في حرج من سعيد سنبل، ولم يكن هذا صحيحاً، وظلت العلاقة سيئة بين موسى وإبراهيم، يتصالحان قليلاً ثم يعودان لتنازع الاختصاص من جديد بين رئيس مجلس إدارة المؤسسة، ورئيس تحرير واحدة من مطبوعاتها، وعندما مات موسى صبري وكتب إبراهيم سعدة مقالاً ينعيه فيه، تحدث عن الخلاف بينهما، مع أن موسى كان قد خرج للتقاعد، وبدا المقال محاولة لرص كلمات تأدية للواجب؛ لهذا يجد صعوبة في جمعها، وكأن الكلام يخرج من تحت الضرس!

ونحن نشاهد عمرو أديب لنحاول فهم ما بين السطور، ونطمئن على اتجاه الريح في العلاقات السعودية مع السلطة في مصر، فيكون منصة للهجوم عليه من قبل إعلام لا يلفظ من قول إلا بإذن، فهم يحسبونه بوقاً للمملكة لكنهم لا يستطيعون الدخول معها في مواجهة فيغرون بعمرو أديب أبواقهم وذبابهم في وقت واحد

كان قرار السادات ليلاً، وفي الصباح كان شاب حديث التخرج يعمل في مكتب "الشرق الأوسط" اسمه "عماد أديب"، يتصل بإدارة الصحيفة ليخبرهم بما حدث وأنه في مكتب المدير متطوعاً بإدارة المكتب إلى أن يعينوا البديل لإبراهيم سعدة!

وبعد فترة قال القوم: وما الذي يمنع فليستمر عماد أديب مديراً للمكتب؟ ليصبح بعدها شأناً سعودياً خالصاً، ويسافر للعمل رئيساً لتحرير مجلة "المجلة"، وتعين زوجته هالة سرحان، رئيسة لتحرير مجلة "سيدتي" بعد أن نافست "فوزية سلامة" وهي الأصدق في الانتماء للمهنة!

بعد ذلك أسس عماد أديب جريدة "العالم اليوم" لصالح الشيخ صالح كامل، ثم عمل مقدماً للبرامج في قناة سعودية، ثم أسس شركة عملاقة للفن والميديا، ومن "العالم اليوم" بدأ عمرو أديب، ثم إلى قناة "اليوم" السعودية، وهكذا. وعمله في الإعلام المصري (أون تي في) كان محطة عابرة، لهذا قلنا إن تركي آل الشيخ كان متواضعاً عندما يقول إن جزءاً من نجاح صاحبه صناعة سعودية، فهو كله صناعة سعودية إلا "التقفيل" فهو محلي الصنع!

ونحن نشاهد عمرو أديب لنحاول فهم ما بين السطور، ونطمئن على اتجاه الريح في العلاقات السعودية مع السلطة في مصر، فيكون منصة للهجوم عليه من قبل إعلام لا يلفظ من قول إلا بإذن، فهم يحسبونه بوقاً للمملكة لكنهم لا يستطيعون الدخول معها في مواجهة فيغرون بعمرو أديب أبواقهم وذبابهم في وقت واحد!

وجاء تركي آل الشيخ ليختصر عليهم الطريق!

twitter.com/selimazouz1