صحافة إسرائيلية

ايران في جنيف: لحظة، ما هي القوة الكبرى هنا؟

مباحثات النووي الايراني في جينيف
 بلغت سياسة الابتسامات الايرانية في هذا الاسبوع الى غرفة الصحافة في "بالي دي كونغرا" في جنيف حيث لم يحجم مندوب التلفاز الايراني الرسمي عن دعوة حتى كاتب هذه السطور الى لقاء صحفي خاص برغم أنه علم بأنه يمثل صحيفة اسرائيلية.

 "هل ترى، إن ايران تتغير"، قال لي صحفي سويسري إطلع على المشهد. "ويحاول الصحفيون ايضا أن يروا مبلغ البُعد الذي يستطيعون الوصول إليه". أجل إن الدعاية الايرانية عملت في هذا الاسبوع ساعات اضافية، في جميع الجبهات، في جنيف وطهران وروما. وجُند يهود ايران ايضا للمهمة مع صحفيين وكُتاب مدونات.

 كان هذا اسبوعا كان واضحا فيه أن ايران تريد صفقة، والعالم معها. بيد أن الزعيم الروحي علي خامنئي استقر رأيه فجأة في وقت اشكالي جدا بالنسبة للغرب، بسبب مورثاته الجينية على أن يبث في خطبته في طهران (في يوم الاربعاء) نغمات الثورة القديمة التي يحاولون أن يُبينوا لنا منذ ثلاثة اشهر – منذ كانت الانتخابات – أنها زالت من العالم.

 جاءت ايران في الحقيقة الى جنيف تريد التوقيع على اتفاق مرحلي يُزيل شيئا من العقوبات ويرفعها بعد الركوع – لكنها تريد ايضا انقاذ كرامتها وإظهار التشدد. ولا تعلم كيف يُفعل ذلك سوى أمة أوجدت لعبة الشطرنج. واشتمل التكتيك على الوصول الى جنيف وكأن ايران أضرت بها العلاقة التي حصلت عليها قبل اسبوعين وبدأت الاتصالات بحثا عن الثقة المفقودة. "إن الايام التي كانت تستطيع فيها القوى العظمى أن تملي علينا ما نفعله قد أصبحت وراءنا"، قال لي عنصر في الوفد الايراني.

 وفي البيت الابيض خاصة أظهروا تحمسا للصفقة المتشكلة دون انتباه الى أنهم يُسهمون بفعلهم ذلك في نظام عالمي جديد. ويُسهم في ذلك ايضا رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كامرون حينما هاتف في هذا الاسبوع بعد مقاطعة استمرت 11 سنة رئيس ايران حسن روحاني ليُحدثه عن التسوية القادمة وليس عنها فقط.

 "لماذا يُصر نتنياهو على منع الشعب الايراني من الحصول على الطاقة النووية؟"، سألني الصحفي الايراني القديم. "ولماذا تحاول اسرائيل مع مساعدة من فرنسا أن تمنع اتفاقا يُسهم فقط في السلام العالمي؟ ولماذا تتجاهل اسرائيل تماما قول الوكالة الدولية للطاقة النووية إن المشروع النووي الايراني ليس لأهداف عسكرية"، أضاف.

نسي الايرانيون على نحو ما أن التقرير في 2011 قضى بصورة لا لبس فيها بأنهم يطمحون الى احراز قنبلة نووية، وأرادوا في جنيف أن يعرضوا أنفسهم على أنهم الشيء الأقرب الى الأم تريزا.

والشيء المثير للاهتمام هو أنه لا أحد طلب من الايرانيين بين المباحثات تفسيرات تُبين لماذا يمنعون زيارة المراقبين للموقع في بارتشين حيث تُجرى هناك بحسب الشبهات التجارب الذرية العسكرية. ولم يسأل أحد الايرانيين ايضا لماذا يحتاجون الى البلوتونيوم (مفاعل المياه الثقيلة في أراك).

والى ذلك نشرت أمس الصحيفة الفرنسية المهمة "لافيغارو" مقالة واسعة عن الذرة الايرانية تحت عنوان "إي.آر 10 – المصنع السري لقنبلة نووية بواسطة البلوتونيوم". وذُكر في المقالة أنه في المصنع الموجود في مدينة شيراز، يساعد الايرانيون على تطوير بلوتونيوم لأهداف عسكرية ولأهداف بحثية. وقد ذكر هذا المصنع في نيسان فريدون عباسي، المسؤول السابق عن الملف النووي في ايران. ومع كل ذلك لا يسأل أحد اسئلة في وقت تحتال فيه ايران على الجميع كما ثبت.

 خطبة الكلاب
 أدركت طهران أن واشنطن وموسكو متحمستان للتوصل الى اتفاق، ولهذا لم يخش خامنئي أن يخطب خطبته الشديدة اللهجة. "إنهم يعتقدون أنهم اذا استعملوا الضغوط على الشعب الايراني فان ايران ستتراجع، لكنهم مخطئون، فهم لا يعرفون الشعب الايراني"، قال أمام رجال حرس الثورة، ورسم للعالم خطوطا حمراء. وتابع خامنئي قائلا: "نحن نسمع الكلام من أفواه الكلاب، كالنظام الصهيوني، أن ايران تهديد للعالم، لكنهم، أعني هذا النظام غير الشرعي الذي لم يأت للعالم سوى بالشر، هم الذين يهددون العالم". وأضاف ايضا أنه لا يفهم فرنسا التي تدعم النظام الصهيوني الذي "لن يبقى".

 وحاول الايرانيون في أحاديث خلفية في يوم الاربعاء أن يُبينوا أن خامنئي خطب هذه الخطبة لاسباب داخلية وأن جمهوره هو جمهور أصولي – وأن الواقع هو الذي يوجب عليه أن يتحدث على هذا النحو.

 وقبل أن يجلس وزير الخارجية الايراني محمد ظريف ووزيرة الخارجية الاوروبية كاثرين آشتون الى غداء مشترك، حدد خامنئي كما قلنا آنفا الخطوط الحمراء. "لن تتخلى ايران عن حقوقها المشروعة في الذرة"، قال وكان يقصد بالطبع حق بلده في تخصيب اليورانيوم في ايران. وقد خرجت ايران في هذه القضية خاصة رابحة، فلم يشك أحد في هذا الاسبوع في جنيف في حق ايران في تخصيب اليورانيوم بمستوى منخفض حقا لكنه تخصيب مع كل ذلك.

 وتبين لنا في جنيف ايضا هذا الاسبوع أن الايرانيين قد نشأ عندهم في هذا الشهر شيطان جديد. فلم تعد امريكا متفردة وهي الشيطان التاريخي الأكبر، ولم تعد اسرائيل في دور "الشيطان الأصغر" المتواضع. بل أصبح يوجد عندنا الآن شيطان متوسط يناسب مكانة الفرنسيين. إن احباط وزير الخارجية الفرنسي الاتفاق في اللحظة الاخيرة تقريبا قبل اسبوعين، وزيارة الرئيس فرانسوا أولاند لاسرائيل في هذا الاسبوع زادا في اشمئزاز ايران من السياسة الفرنسية.

إن فرنسا من وجهة نظر ايران تشوش على التسوية الجديدة. ولا يفهم الايرانيون ايضا لماذا تُضيق فرنسا عليهم؟ يبدو أنهم لم يأخذوا في حسابهم أن فرنسا كانت دائما حتى منذ ايام الرئيس جاك شيراك ونيكولا ساركوزي بعده، كانت دائما الأكثر تشددا نحو الايرانيين بين اعضاء الثلاثية الاوروبية التي اشتملت في مطلع الألفية الثالثة على المانيا وبريطانيا ايضا.
   
وأسهمت التقارير الصحفية في وسائل الاعلام في باريس هذا الاسبوع ايضا في الجو المعادي لفرنسا بين الوفد الايراني، ففي يوم تجديد المحادثات أول أمس، اقتبست صحيفة "لافيغارو" من كلام دبلوماسي فرنسي قال إنه يخشى "اتفاق نهاية الموسم الذي سيُسبب تكرار أخطاء الماضي في 2003 و2004". وأرادت "لافيغارو" أن تُذكر قراءها ايضا بأن عدد اجهزة الطرد الايرانية زاد منذ ذلك الحين من 164 الى أكثر من 18 ألفا لتثبت مبلغ كون مقاصد الايرانيين مريبة.
     
وفي المباحثات في جنيف يتطرقون الى أدق تفاصيل المشروع الايراني من جهة تقنية مثل: ماذا سيكون مصير الـ 185 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 20 بالمئة؛ وكيف ستقوم ايران بتحويل كل مخزونات اليورانيوم المخصب بمستوى 20 بالمئة في حوزتها الى مستوى أخفض، وكيف تستطيع فعل ذلك.
       
وماذا سيكون مصير المفاعل في أراك لانتاج المياه الثقيلة؟ استقر رأي الايرانيين على الاستمرار في النضال عنه كنضالهم عن الحق في تخصيب اليورانيوم، كما ذكر وزير الخارجية ظريف هذا الاسبوع. وقد طلب الى العالم أن يستغل "الفرصة التاريخية" المتاحة اليوم وألا يضيع الفرصة. وتوجه ظريف ايضا الى الفرنسيين وطلب أن يكفوا عن مراكمة العوائق.
   
إن الحديث عن محادثات أصبحت اليوم سياسية قبل كل شيء: ففرنسا وهي واحدة من الدول العظمى الست لم تقتنع بعد أن ايران لا تطمح الى احراز سلاح نووي. وقال الرئيس فرانسوا أولاند نفسه ذلك بصراحة. ويزعم التقرير الاخير للوكالة الدولية للطاقة النووية الذي نشر بين جولتي المحادثات في جنيف أن ايران أوقفت لاول مرة منذ سنوات طويلة المشروع النووي، لكنه لم يحدث تغيير جذري في المشروع.
   
إن تقدير خبراء كثيرين في العالم هو أن ايران قريبة من القنبلة النووية. والمشكلة هي أن الخطة المقترحة لا تجعل ايران تتحلل مما أحرزته الى اليوم، ومن هنا يأتي قلق اسرائيل الكبير. فلا عجب من أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عمل في هذا الاسبوع مع رئيس روسيا فلادمير بوتين ومع فرانسوا أولاند والادارة الامريكية لهدف واحد هو مضاءلة الاضرار.

يجري في الشأن الايراني من وراء الستار عرض باليه دبلوماسي وتصفية حسابات بين الاصدقاء. فباريس تهتم بأن تُجازي الامريكيين على الحيلة غير المريحة بالنسبة إليها التي قامت بها واشنطن هذا الصيف في سوريا. ونُذكركم أن الاسد قد استعمل السلاح الكيميائي في 21 آب وسبب موت 1400 من أبناء شعبه. وأرادت فرنسا أن تتدخل عسكريا على أهداف في سوريا والتزم براك اوباما بأن يساعد على ذلك العمل. بيد أن اوباما تحول عن ذلك تحولا كاملا واتجه الى مجلس النواب وجهد قبل ذلك في بحث القضية وإتمام صفقة مع بوتين. وبقي الرئيس أولاند خارج الصورة. وأدركت فرنسا التي كانت قد بدأت الاعداد لارسال طائرات أن سوريا ليست مثل ليبيا وليست مثل مالي – وأنها لا تستطيع أن تعمل عسكريا وحدها. وصعب عليهم في باريس تقبل ذلك.
   
خط ديغول
 بيد أنه يوجد للفرنسيين في القضية النووية الايرانية القدرة على العمل واحباط صفقة لأن الحديث في هذه المرة عن معركة دبلوماسية لا تحتاج الى تضحية بجنود. وقد بيّن لي عنصر فرنسي هذا الاسبوع أن أولاند لا يجب أن يخشى الاضرار السياسية في الداخل نتيجة خطوة كهذه: أولا لأن المعارضة في اليمين أيدت ايضا التشدد على المشروع النووي الايراني منذ بدأت المحادثات، واعتاد الرأي العام الفرنسي ايضا على خط ديغول المتشدد الفخور الذي يحل بحسبه بل من المرغوب فيه التمايز عن الامريكيين. إن معارضة فرنسا الحرب في العراق قبل عشر سنوات فقط زادت آنذاك في شعبية حكومة فرنسا. ومن جهة ثانية ليس من المؤكد أن الحرب في العراق والمشروع النووي الايراني يتمتعان بالوزن نفسه. ففرنسا في هذا الشأن تتجه اليوم الى محاربة نشر السلاح النووي.

 وفي هذه الاثناء وحتى قبل أن يُقال في جنيف كلمة واحدة كانت الاطراف جميعا ترسل رسائل متفائلة. كان بوتين أولا هو الذي قال في حديث الى نظيره الايراني روحاني: "نحن قريبون من اتفاق".

 وفي مقابل ذلك أراد اوباما ووزير خارجيته جون كيري خفض التوقعات، حينما استمر الرئيس في محاولاته اقناع الشيوخ ألا يبحثوا في فرض عقوبات جديدة على ايران لمنع احباط الصفقة. وكان من رأوا في ذلك عدم رغبة الامريكيين في إظهار الاستكانة كي يطمئنوا الحليفتين اسرائيل والسعودية، وللايحاء بأن امريكا تهتم بمصالح اصدقائها.

 ويزعم آخرون أن للادارة الامريكية مشكلات حقيقية في مجلس النواب. ومن جهة اخرى لم يُرد اعضاء مجلس النواب برئاسة جون مكين تشديد العقوبات لكنهم يريدون الحصول على ضمانات أكبر من الطرف الايراني.

وانضم الرئيس الصيني شي جينبينغ ايضا الى المعركة واستعمل الضغط للتوصل الى اتفاق. وقال في نهاية حديث مع روحاني إن "ايران تطمح الى احراز اتفاق يضمن حقوقها وهي ستثبت أن مشروعها النووي يرمي الى أهداف مدنية". وكان للصين دائما خط لاءم الخط الايراني ملاءمة حسنة. وفيما يتعلق بالالمان، نشرت الصحيفة الاسبوعية الفرنسية "لابوا"، أنهم لم يحبوا تدخل وزير الخارجية الفرنسي الذي أفضى الى تأجيل الاتفاق المرحلي.

 ونقول بمناسبة ذكر ذلك الاتفاق المرحلي الذي يتباحثون فيه في جنيف إنه يفترض أن يجعل السباق النووي الايراني بطيئا. بيد أنه كما يُبين الفرنسيون يُمكن الايرانيين بالفعل من الاستمرار نحو هدفهم تحت غطاء التفاوض في هذه المرة، وهذا يشبه جدا ما يحدث في سوريا، إذ أصبح الرئيس السوري تحت غطاء نزع السلاح الكيميائي للنظام قد أخذ ضوءا أخضر للاستمرار في العمل. اجل إنه عالم جديد.

إن السؤال الكبير الذي سُئل في هذا الاسبوع ايضا هو عن المسافة التي ستكون فرنسا مستعدة لسيرها؟ ومن المثير للاهتمام في هذه النقطة أن ننتبه الى الخطبة التي خطبها فابيوس في باريس في 13 من هذا الشهر أمام اعضاء "معهد تقديرات التحليلات الاستراتيجية".

"يبدو أن الولايات المتحدة لم تعد معنية بأن تُجر الى ازمات لا تلائم التصور العام الجديد والمصالح القومية الجديدة للولايات المتحدة. إن اولئك الذين يؤيدون في واشنطن النهج الذي يدعو الى انسحاب من مناطق تُرى "غير استراتيجية"، يزيدون في تأثيرهم فقط. ويبدو أن هذا يفسر ايضا حقيقة أنه لم تقع ضربة امريكية ردا على استعمال النظام السوري للسلاح الكيميائي".

 ويعطي كلام فابيوس مثالا يُبين مبلغ ارتباط الازمة السورية بالازمة الايرانية، وقد أصبحت واشنطن فجأة هي المعتدلة وأصبحت فرنسا هي التي تُخرج مخالبها بعكس ما حدث في العراق قبل عشر سنوات. وينبغي أن نضيف الى ذلك حقيقة أن فرنسا قادت المعركة في ليبيا مع امريكا التي "قادت من الخلف" وخرجت وحدها لمحاربة الارهاب في مالي، كي نفهم ما هي العضلات التي جاء بها الفرنسيون الى جنيف. ومع ذلك ينبغي أن نقيد السياسة الفرنسية بعد أن قال فابيوس في اللقاء الصحفي أمس مع قناة "فرانس 2 " إن فرنسا ستبقى متشددة لكنها معنية باتفاق وتقول "نعم لذرة مدنية لا لقنبلة ذرية".

إن من نتيجة السياسة الفرنسية المتشددة هو أن الولايات المتحدة تبحث عن سبيل لزيادة تأثيرها في آسيا والمحيط الهاديء، مع الصدمة في العراق وافغانستان، ورغبة الرأي العام الامريكي في عدم رؤية تدخل الادارة في كل ازمة في العالم – إن كل ذلك كما قال فابيوس يُحدث فراغا استراتيجيا في الشرق الاوسط. وفي هذا الوضع تريد فرنسا أن تدخل الفراغ الذي خلفه الامريكيون.

بيد أنهم في القدس طلبوا هذا الاسبوع عدم الاسراع الى تأبين الامريكيين. هل الامريكيون يريدون حقا ويستطيعون الانفصال عن الشرق الاوسط كما يزعمون في باريس؟ ليس هذا مؤكدا، ويحتجون في واشنطن للمحادثات بين الاسرائيليين والفلسطينيين برعاية امريكية أنها دليل على اهتمام واشنطن الذي ما زالت تُبديه بالمنطقة. بيد أنه لا أحد يؤمن بنجاح المحادثات بالفعل.

 ويذكرون في القدس أن امريكا لم تنجح في ليبيا، ولا في مصر، ولا في سوريا ايضا. بل توجد صعاب عند اوباما في الداخل. وقد دخل سنته الثانية من ولايته الثانية وهو يبحث عن إبقاء تركة يُخلفها وراءه. فهل تكون ايران هي التي تتيح له الفرصة؟ وكم من الوقت؟ لا أحد يعلم، فربما يكون اوباما قد استقر رأيه على الاكتفاء بتركة مؤقتة.

عن صحيفة اسرائيل اليوم