كتاب عربي 21

جنيف-2 محور الحراك الدبلوماسي .. ماذا بعد؟

1300x600
من الآن، وحتى نهاية المؤتمر، إذا عقد طبعا في موعده (22 يناير الجاري)، ولم يؤجل لهذا السبب أو ذاك، سيكون مؤتمر جنيف-2 هو محور الحراك الدبلوماسي على صعيد المنطقة، بل حتى على الصعيد الإقليمي والدولي.

ولكن لماذا يأخذ المؤتمر كل هذه الأهمية؟ 

أسباب كثيرة تقف خلف ذلك، لعل أهمها تحول سوريا إلى ثقب أسود يستنزف المنطقة برمتها، ويطرح مخاوف كثيرة وبلا حصر على المحاور الفاعلة فيها، ويبدو أن أغلب الفرقاء يريدون حلا سريعا لهذه المعضلة، سواءً تحقق لهم ذلك، وهو أمر مستبعد، أم وضعوا العربة على السكة الصحيحة في انتظار إنجاز حل ما.

المخاوف التي تنتاب الكيان الصهيوني تبدو أهم العناصر التي تدفع نحو ذلك الاهتمام، بل المخاوف الغربية ومنها الأمريكية، وبالطبع بعد أن أصبحت الساحة السورية ملاذا للقوى الجهادية يبدو أخطر بكثير من ملاذها السابق في وزيرستان، وبالطبع تبعا لفارق الأهمية بين المنطقتين.

المنطقة متفجرة، والاستنزاف يطال الجميع بسبب الثورة السورية، وإذا كان النظام قد دفع السلاح الكمياوي لقاء بقائه، فقد تجرّعت إيران بدورها كأس السم وتنازلت عمليا على طموحها النووي على أمل إنقاذ مشروعها المهدد بما يجري في سوريا.

إيران مستنزفة ماليا في سوريا، وتابعها حزب الله يُستنزف بشريا هناك، كما يستنزف سياسيا أيضا، ويغدو في عزلة كاملة عن محيطه الإسلامي السنّي (كذلك إيران)، فيما يعيش المالكي هواجس مماثلة في ظل عجزه عن تركيع العرب السنة، إن كانوا مسلحين، أم كانوا سلميين.

تركيا مستنزفة أيضا، والروس خائفون. ولا قيمة هنا للحديث عن تماسك النظام، فمن يفقد السيطرة على أكثر من نصف ترابه الوطني لا يمكن أن يكون متماسكا، والطائفة التي تقف خلفه تخسر كل يوم من أبنائها، وحين تتحدث دوائرها عن أكثر من 30 ألف قتيل عسكري، أغلبهم من أبناء الطائفة، وأضعاف هذا العدد من الجرحى والمعوقين، فأنت تتحدث عن كارثة بكل ما في الكلمة من معنى، واستمرار الصراع يعني استمرار النزيف، فيما لن تكون النهاية بأي حال استمرار حكم الطائفة لسوريا. لن يحدث ذلك، ولو استمرت المعركة عشرة أعوام أخرى.

ولأن سوريا جزء لا يتجزأ من العلاقة مع الكيان الصهوني، وهي كذلك جزء مما يوصف بأنه المعركة ضد الإرهاب، ولأنها ذات صلة وثيقة باستكمال الاتفاق مع إيران، وكذلك باستكمال الجهود المتعلقة بالتسوية بين السلطة الفلسطينية والكيان الصيهوني. لأنها كذلك، يبدو طبيعيا أن يوليها الأمريكان وكيري الكثير من الاهتمام.

نكتب قبل أن يحسم الائتلاف السوري قراره بالذهاب إلى جنيف، ونكتب فيما لا تزال المعركة مستمرة بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام من جهة، وبين الفصائل الإسلامية وسواها من جهة أخرى، لكن ملامح المعركة تبدو واضحة لجهة ذهاب الائتلاف إلى جنيف-2 رغم التلكؤ الظاهر، أما حسم المعركة بين الفصائل الإسلامية فقد يطول إذا لم يتغلب العقل، فيما لا يبدو النظام في وارد إحراز كثير من التقدم، رغم الدعم الهائل من حزب الله، وحتى لو حصل ذلك، فإنه سيكون محطة عابرة في لعبة الكر والفر المتواصلة منذ عامين بين الثوار والنظام.

لم يكن هناك ملف أكثر تعقيدا في يوم من الأيام خلال العقود الأخيرة كما هو حال الملف السوري نظرا لحجم التدخلات الهائلة فيه، ومن هنا ستكون أسئلة جنيف-2 في غاية التعقيد، لكن ميل الغالبية لإيجاد تسوية قد يفتح الباب أم حل، من دون أن يعني ذلك أنه سيكون حلا قريبا، لكنه قد يؤسس لمرحلة مختلفة تكون السياسة فيها أكثر فاعلية من السلاح، من دون التقليل من أهمية الأخير وتأثيره على ما يجري في المفاوضات.

ليس من العسير القول إن إيران وروسيا لن تتشددا كثيرا في مسألة الاحتفاظ ببشار إذا كان ثمن ذلك إنقاذ البنية الأساسية للنظام، والتخلص من النزيف القائم، لكن ذلك لن يُطرح في المرحلة الأولى (ربما يكون هناك جنيف-3، وجنيف-4) التي سيكون وجوده فيها بالنسبة إليهما حيويا، وبالطبع من أجل التأسيس للمرحلة اللاحقة.

سنكون إذن إزاء صراع ستتقدم فيها السياسة على مجال الحرب، من دون أن تسكت البنادق التي لا تبدو في وارد الحسم في المدى القريب، الأمر الذي سيكون جزءا لا يتجزأ من حراك السياسة في المنطقة برمتها في ظل الصراع مع المشروع الإيراني وتداخلاته العربية، وفي ظل الحرص على إيجاد تسوية للملف الفلسطيني، ستكون مؤقتة على الأرجح.

سينعقد جنيف-2، وسينتهي من دون أن نشهد على الأرجح تطورا دراماتيكيا، لكن النتيجة هي تأسيس أرضية لاستمرار التفاوض، الأمر الذي لا يعرف كيف سينتهي في ظل حقائق موضوعية كثيرة، لعل أبرزها عدم انسجام الفعل السياسي مع الفعل العسكري في جبهة الثورة.