مقالات مختارة

صــدمة أســـوان وتحـــدي الرئيـــس القـــادم

1300x600
كتب محمد السعيد إدريس: الارتباك والعجز الشديد الذى تكشف فى سوء إدارة الدولة للأزمة الأخيرة التى وقعت فى أسوان والتى فرضت نفسها عنوة على كل المصريين يؤكد مجموعة حقائق مهمة، أولاها، أن الدولة الفاشلة هى التى مازالت تحكم. كنا نعتقد

وكان غيرنا يعتقد أيضاً، إن مصر، التى نجحت فى تفجير ثورتين فى ثلاث سنوات متصلة، قد نجحت أيضاً فى إسقاط هذه الدولة، لكن الواقع يقول غير ذلك، الواقع يقول أن الثورتين تحتضران وأن الدولة الفاشلة بفسادها واستبدادها مازالت كامنة فى دهاليز الوزارات والمؤسسات وجميع أجهزة الحكم، وأنها تطل علينا بوجهها القبيح، بين الحين والآخر، استعداداً للانقضاض، ومن يتصور أو يعتقد غير ذلك فهو واهم. وثانيتها، أن ما تواجهه مصر من مخاطر وتحديات وأزمات يفوق بمئات المرات قدرة أى رئيس قادم للجمهورية أياً من كان، وأنها لا يمكن أن تواجه بإرادة أو بقدرة شخص أو حتى حزب، أو حكومة، ولكنها مخاطر وتحديات وأزمات فى حاجة إلى أن تواجهه بقدرات وطن وإرادة شعب بأكمله. أما الحقيقة الثالثة، والأهم، التى تفرض نفسها علينا الآن أكثر من أى وقت مضى، أننا فى أمس الحاجة إلى «عقل استراتيجي» لمصر. عقل يفكر ويخطط ويرسم السياسات والاستراتيجيات العليا ذات العلاقة بجميع جوانب الأمن القومى المصرى ومصادر تهديده الداخلية والخارجية وبجميع تنوعاتها. وأننا فى حاجة إلى مراكز متنوعة لإدارة الأزمات بمختلف أنواعها تكون ملحقة بهذا العقل الاستراتيجي، وتكون مرتبطة بالرؤى والأفكار على مدى الساعة وليس على مدى الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات.

صدمة أسوان، وربما يكون هذا هو المسمى الأدق تعبيراً لما عشناه خلال الأيام الماضية، تفرض علينا أن نعيد التذكير بما كنت قد تحدثت عنه قبل ما يقرب من ستة أشهر فى هذا المكان على صفحات الأهرام تحت عنوان «خطورة غياب العقل الاستراتيجي»، وما كتبته من نداء للسيد الرئيس وللمشير السيسى من ضرورة التدخل لدى لجنة إعداد الدستور «لجنة الخمسين» لدراسة مقترح تقدمت به إلى هذه اللجنة يتضمن تشكيل مؤسسة وطنية جديدة ضمن مؤسسات نظام الحكم تحمل اسم «مجلس الأمن القومي» تكون مسئوليتها: «التخطيط الاستراتيجى لحاضر ومستقبل مصر، وصياغة الإستراتيجية العليا للدولة فى المجالات المختلفة للأمن القومى بأبعادها: الدفاعية والأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتربوية والثقافية والإشراف على تنفيذها، كما تتولى مسئولية تنظيم وحماية المصالح الوطنية العليا، ووضع السياسات اللازمة لمواجهة جميع أنواع التهديدات الداخلية والخارجية، ويؤدى مجلس الأمن القومى هذه الأدوار من خلال ثلاثة مجالس عليا يتكون منها هي: المجلس الأعلى للدفاع والأمن، والمجلس الأعلى للسياسة الخارجية، والمجلس الأعلى للاقتصاد والتنمية المجتمعية الشاملة والمستدامة.

وربما يتذكر القارئ الكريم معى كيف تجاهلت لجنة الخمسين، وربما عن عمد لا أعرف أسبابه، هذا المقترح رغم تكرم السيد الرئيس بدعمه وإرساله إلى السيد عمرو موسى رئيس اللجنة، وكيف أخذت لجنة الخمسين بالاسم دون المضمون واعتمدت النص الوارد فى دستور 2012 (دستور الإخوان) كما هو، وكل ما تضمنه النص الدستورى الجديد هو أنه «يختص بإقرار استراتيجيات تحقيق أمن البلاد، ومواجهة حالات الكوارث، والأزمات بشتى أنواعها»، ورغم ذلك فإن هذا المجلس لم يفعل حتى الآن، رغم صدور قرار جمهورى بتشكيله، ومازال غيابه هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة، لذلك كان منطقياً أن تتعثر أجهزة الدولة فى إدارة هذه الأزمة، لأن العقل المسئول عن ترشيد هذه الأجهزة مازال مغيباً، بل أن هذه الأجهزة والمؤسسات تضاربت فى فهم ماهية هذه الأزمة التى فاجأتنا فى أسوان: هل هى مجرد مشكلة طارئة أم أزمة ممتدة الجذور، وإذا كانت أزمة فما هى طبيعتها وما هو نوعها؟

كل جهاز من أجهزة الدولة تعامل مع الحدث الأسوانى أو الأزمة الأسوانية على هواه، لكن كان لافتاً جداً أن يتعامل معها النائب العام المصرى فى أضيق حدود الفهم والتعتيم باعتبارها مجرد «حدث جنائي» لذلك كانت دعوته إلى: «ضرورة ضبط الجناة»!! ولا ندرى من هم هؤلاء الجناة الحقيقيون الذين يعنيهم السيد النائب العام.

قد يتصور النائب العام أن الجناة هم بالتحديد كل من تورط، وبشكل مباشر فى تلك العمليات الإجرامية التى أودت بحياة ما لا يقل عن 25 من أبناء مصر وأصابت العشرات. وهنا بالتحديد تتحدد معالم الكارثة الوطنية الحقيقية والتى تكشف بالدليل القاطع أننا لا ندرى عن أحوالنا شيئاً، لا نعرف أنفسنا ولا نوع المخاطر التى تتهددنا لأننا لا نعرف من هم الجناة الحقيقيون الذين أوصلونا إلى هذا الحد من الخطر الذى يتهدد أمننا القومي. من الضرورى أن نعرف من المسئول عن كل هذا الاحتقان الأسود الذى كشف وجهه القبيح بين أبناء أهدأ وأجمل محافظات مصر؟

من الذى يدفع أبناء النوبة إلى التحول التدريجى والمخطط والممول إلى بلورة هوية وطنية مستقلة عن الهوية الوطنية المصرية، هى «الهوية النوبية»، وإلى شخصية وطنية مستقلة هى «الشخصية النوبية» وإلى الإمعان فى استخدام لغة مستقلة هى «اللغة النوبية»، ومن يقف وراء تجميع شتات تراث نوبى مستقل عن التراث الوطنى المصري.

ما هى المؤسسات الداخلية والخارجية التى تقف وراء ذلك؟ من يمول كل هذا؟ ومن يدفع به نحو التفجير الكبير المنتظر؟ وما هى حقيقة ما يشاع عن كميات هائلة من الأسلحة التى جرى تهريبها من ليبيا والتى يجرى تهريبها من السودان إلى عمق الجنوب المصرى وبالتحديد إلى أطراف نوبية؟ أين الحقيقة وأين الخيال فى هذا كله؟

ما يفرض نفسه من أسئلة تخص منطقة النوبة يفرض نفسه أيضاً على سيناء. ومن يتصور أن أزمة سيناء هى فقط تنظيم «أنصار بيت المقدس» أو جماعة الإخوان أو حتى احركة حماسب فهو مخطئ، لأن خرائط تقسيم مصر المنشورة فى الخارج تتحدث عن «دويلة سيناء» وعن «الشعب السيناوى» مثلما تتحدث عن «دويلة النوبة» وبالشعب النوبيب.

من المسئول عن تراخى مصر طيلة أربعة عقود مضت عن مواجهة مخطط التقسيم والتفكيك للوطن الواحد وللشعب الواحد؟ ولمصلحة من جرى إهمال المحافظة على التماسك والتكامل الوطنى إلى هذا الحد الذى انفجرت به فى أسوان؟

صدمة أسوان أزمة سياسية وأزمة اجتماعية وأزمة ثقافية وهى أيضاً أزمة لها أبعادها الاقتصادية، وفى الإجمال هى أزمة أمن قومي، والتعامل معها من خارج هذه الدائرة تفريط فى ثوابت الأمن القومى المصري، وعجزنا عن إدراك هذه الحقيقة هو الوجه الآخر لغياب العقل الاستراتيجى المصري، وقبله لغياب المشروع الوطنى المصرى الذى لم يتبلور بعد، ولم تتحدد معالمه وأبعاده بعد، ولن يحدث ذلك إذا لم يكن الشعب طرفاً أصيلاً مشاركاً فى صياغته وبلورته، وهذه هى قضية مصر الأساسية، وهذا هو التحدى الحقيقى الذى يواجه رئيس مصر القادم، والذى عليه أن يعطيه كل أولوياته.

(الأهرام)