مقالات مختارة

«المالكي رئيسا» يعني دولة كردية وتمددا لـ «داعش»

1300x600
كتب حازم الأمين: المحضر المُسرّب عن لقاء رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بوزير الخارجية الأميركي جون كيري في بغداد كاشف للمستوى الذي وصلت إليه السلطة في العراق. ففي المحضر يمكن أن نستبدل اسم نوري المالكي باسم بشار الأسد من دون أن يتغير عنصر واحد في اللغة التي اعتمدها المالكي في مخاطبة ضيفه. مشكلة العراق الوحيدة هي الإرهاب. الإرهاب الذي ولد لأسباب خارجية، والذي أرسلته دول عدوة.

الأزمات الداخلية كانت في طريقها إلى الحل، ولا مشكلات طائفية، بدليل حضور وزير الدفاع العراقي سعدون الدليمي (السنّي الأنباري) الاجتماع مع كيري، وأيضاً حضور وزير الخارجية هوشيار زيباري (الكردي، وخال مسعود بارزاني) الاجتماع أيضاً.

إيران دولة صديقة ولا دخل لها بما يجري، وما تلميح المالكي لإمكان تدخلها، في حال لم تتدخل الولايات المتحدة لمصلحة حكومته، سوى سوء فهم لغوي سيتم توضيحه في ترجمة أخرى لكلام الرئيس.

ليس جوهرياً أن الأنبار والموصل اندفعتا وراء «داعش»، أمام حقيقة حضور وزير سنّي اللقاء. وليس ذا قيمة أن الأكراد يهددون بالانفصال إذا بقي المالكي في السلطة، فها هو ممثلهم في الحكومة المركزية يجلس إلى جانب المالكي. لا أزمة وطنية، فالمهم أن يُسمى المالكي رئيساً للحكومة لدورة ثالثة. الإرهاب وحده المشكلة. الضباط العراقيون السابقون الذين يقودون «داعش» غرباء عن العراق، أوفدتهم دول لزعزعة أمن دولة المالكي، وفي إيران ملائكة وليسوا حكاماً.

هذا هو الخطاب الرسمي العراقي في مواجهة الأزمة الوطنية الكبرى التي تُهدد مستقبل البلد. وقد يفهم المرء أن يكون هذا خطاب النظام في سورية، ذاك أن جعبة نظام «البعث» في دمشق خاوية، وتجربة حكمه لم تُبدِ على مدى أربعين عاماً أي ميل إلى مخاطبة العقل. كانت تقول إن سورية «البعث» أعظم دولة في العالم، وكانت تعرف أن السوريين، وأن العالم كله معهم، يعرفون أن الدولة في سورية من أسوأ دول العالم، لكنها لم تكن تُبالي. فمن غير المهم أن يُحب السوريون رئيسهم أو ألا يحبونه، المهم أن يرفعوا صوره.

المالكي استنسخ تجربة «البعث» في سورية، على رغم أن السلطة التي في حوزته لا تسعفه في تسويق التجربة. ففي العراق مراكز قوى موزعة بين طوائف وأحزاب ومناطق، والسلطة ليست مطلقة على نحو ما هي مُطلقة في سورية. للمالكي منافسون شيعة وخصوم أكراد وأعداء سنّة، وجميع هؤلاء يقيمون في العراق. هوشيار زيباري ليس وليد المعلم ويمكن أن يُسرب محضر اجتماع كيري مع نوري المالكي، والثمن الذي يمكن أن يدفعه سعدون الدليمي، نتيجة تلبيته رغبة المالكي في أن يحضر الاجتماع، كبير. ولكن، على رغم كل هذه المعطيات، يُمعِن رئيس الحكومة في خطابه الهزيل.

يُهدد الأكراد بأنه سيؤدبهم في حال لم ينسحبوا من كركوك، ملوّحاً بجيش من مئات آلاف المتطوعين هم أنفسهم مَنْ انهزموا أمام بضع مئات من مقاتلي «داعش» في الموصل. وهو، اذ يُطالب الأكراد بالانسحاب من المدينة النفطية، يوحي بأنه يُفضل عليهم «داعش»: ذاك أن انسحابهم منها هو بمثابة هدية نفطية كبرى للجماعة الإرهابية.

كل هذا لا يهم، فالمهم أن يبقى المالكي رئيساً للحكومة. ويجري ذلك بحد أدنى من الذكاء ومن الرغبة في مخاطبة العقول. فقوة المالكي اليوم ليست في الجيش ولا في حكومته غير المتماسكة، ولا في التفاف الأحزاب الشيعية العراقية حوله. قوته فقط في «داعش» وفي بعثها عصبية شيعية حوله. قوته في الغوغاء الطائفية، وفي تحويله الخطاب الرسمي الى خطاب هو منتهى الطائفية، تماماً مثلما هي «داعش» منتهى الطائفية أيضاً.

من يُشاهد التلفزيون الرسمي العراقي («العراقية») يدرك مستوى الجنون الذي بلغته الطائفية المالكية في خطابها. التلفزيون الرسمي الذي يُفترض أن يتوجه الى كل العراقيين صار بوقاً لأئمة المساجد الذين يستقبلون المتطوعين الشيعة في الجيش الرديف. المرجعية الشيعية هي الأيقونة الوطنية، والأناشيد الدينية مدبجة بأشرطة يستعرض فيها رجال دين شيعة قدراتهم العسكرية. هذا هو التلفزيون الوطني العراقي، المصنوع وفقاً لما يفترضه المالكي الوطنية العراقية الجديدة. لا يمكنك وأنت تشاهد «العراقية» إلا أن تشعر بأن تقسيم العراق حصل، وأنك حيال عراق شيعي فقط.

وحدة العراق هي ثمن بقاء المالكي في السلطة. لا شيء أقل من هذا الثمن يُمكن أن يُدفع مقابل هذا البقاء. سورية تدفع ثمناً أكبر ربما في مقابل بقاء بشار، لكن النظام كله هناك مهدد وكله يُقاتل، وإذا كانت طهران وراء صمود الرجلين، فإن خياراتها السورية منعدمة في حال تخليها عن بشار، أما في العراق فالخيارات كثيرة أمامها وجميعها لن ينتقص من نفوذها فيه. هنا يكمن الهُزال، فالثمن الذي سيُدفع لصمود المالكي في منصبه غير مبرر، إلا إذا كان الثمن هو المطلوب، وليس بقاء المالكي رئيساً.

صارت لدى طهران منظومة من الأقنعة تستعين بها في مد عمر الأزمات وإطالة أمد الفراغ الذي يتيح لها مزيداً من النفوذ في معظم دول الاقليم. المالكي رئيس غير مجدد له بانتظار تسوية أو حرب، وبشار الأسد رئيس «منتخب» لبلد صار مقسّماً، ولبنان بلا رئيس بذريعة واهية تتمثل في «ميشال عون أو لا أحد». و «الرؤساء» الثلاثة على تفاوت ظروفهم ليسوا الخيار الفعلي والحقيقي، فالمهم أن تبقى السلطة معلّقة، فهذا يتيح مزيداً من النفوذ.

الخطِر في هذا أن العالم بدأ يقبل بهذا الستاتيكو القاتل. سورية بسلطة ضعيفة ومعارضة عسكرية عاجزة صارت أمراً مطلوباً، والعالم بدأ يتعامل مع حقيقة أن لبنان بلا رئيس. العراق ربما شكل استثناء، فتحول الواقع هناك الى ستاتيكو سيعني الاعتراف بـ «داعش» كحقيقة قابلة لمزيد من التوسع، وسيعني أيضاً دولة كردية مستقلة.

(الحياة اللندنية)