مقالات مختارة

الليكوديون العرب

1300x600
كتب فهمي هويدي: من الغرائب التي اكتشفناها في الأسبوع الأخير أننا وجدنا أناسا في مصر وبعض الأقطار العربية أصبحوا يكرهون حماس بأكثر مما يكرهون إسرائيل. وأن رصيد مصر إزاء القضية الفلسطينية الذي راكمته طوال الستين عاما الماضية نفد تقريبا، حتى اختزل في الموقف المصري إزاء معبر رفح. أما أم الغرائب فهي تلك التي عبرت عنها بعض التعليقات التي انطلقت من أن مصر وإسرائيل أصبحتا «يدا واحدة» في مواجهة حماس!

لا يواسينا إلى حد ما ويخفف من وقع تلك الغرائب سوى المفاجآت التي شهدناها خلال الأسبوع وأهمها القدرة العسكرية التي أظهرتها المقاومة الفلسطينية والتي لم تتمثل فقط في الإصرار على الرد والردع للإسرائيليين. وإنما تبدت أيضا في مستوى التسليح الذي كشفت عنه الصواريخ بمداها الذي وصل إلى 160 كيلومترا، حتى أصبح بمقدورها أن تقصف تل أبيب والمدن والمواقع العسكرية المختلفة. كما تمثلت في الطائرات بدون طيار التي تم تصنيعها محليا وحققت نجاحا مدهشا في كفاءة أدائها.

الخطأ الجسيم الذي وقع فيه كثيرون تمثل في الخلط بين حماس والإخوان وغزة والقضية الفلسطينية، واعتبار كل ذلك شيئا واحدا. ومن ثم إسقاط العداء لحماس ومخاصمة الإخوان على غزة وعلى القضية. وكان ذلك الخطأ وراء الموقف المفجع والكارثي الذي عبر عنه البعض في كراهيتهم لحماس إلى الحد الذي دفعهم إلى تبنى الموقف المشين المتمثل في موالاة الإسرائيليين، ولا يستطيع المرء أن يتجاهل أن العداء لحماس متأثر أيضا بحملة الشيطنة والأكاذيب التي نسبت إليها خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وهي التي اعتمدت على تسريبات مسمومة لم يثبت أن لها أصلا من الحقيقة. فتقرير أول لجنة شكلت لتقصي حقائق أحداث الثورة في عام 2011 التي رأسها رئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق المستشار عادل قدره لم يشر إلى أي دور لحماس في أحداث تلك المرحلة، وهو التقدير الذي دفن وأعيدت صياغة أحداثه بواسطة الأجهزة الأمنية بحيث أقحمت حماس فيها لتبرئة الشرطة التي أدانها التقرير الأصلي صراحة. وقتل الجنود المصريين في رفح الذي ألصق في حماس لم يثبته أي تحقيق رسمي، ولا يزال الطرف القاتل مجهولا حتى اللحظة الراهنة. وحكاية التنازل عن جزء من سيناء لصالح حماس لكي يتمدد فيها سكان القطاع أسطورة وأكذوبة كبرى لم يقم أي دليل عليها.. وقس على ذلك بقية الأحداث التي أقحمت فيها حماس لشيطنتها وتلويث صورتها ضمن حملة تصفية الصراع مع الإخوان.

صحيح أن حماس فرع عن الإخوان لكنها ليست نسخة منها، علما بأن شيطنتها خدمت إسرائيل ولم تخدم مصر في شيء. وإنما أساءت إليها وصغرت من حجمها، وسحبت من رصيدها إزاء القضية الفلسطينية. الأمر الذي انتهى إلى قطيعة عزلت الموقف المصري عن القضية، وكانت النتيجة أن مصر حين أرادت أن تغطي موقفها وتصور للرأي العام أن لها دورا في القضية فإنها أعدت مبادرة من جانبها لم تتشاور فيها مع قيادة حماس في القطاع.

من المفارقات أن الحملة التي استهدفت حماس وأسقطت الخصومة معها على القضية الفلسطينية تجاهلت أنها لم تكن الطرف الوحيد في معادلة المقاومة في غزة، بل إنها لم تعد تمثل السلطة في القطاع حيث استقالت حكومتها بعد المصالحة مع فتح، ناهيك عن أنها لم تكن طرفا في عملية خطف المستوطنين الثلاثة وقتلهم. فدور حركة الجهاد الإسلامي وسرايا القدس التي تمثل ذراعها العسكرية، لم يكن أقل فاعلية في مشهد المقاومة الأخير. ذلك إلى جانب مناضلين آخرين في القطاع كانوا يدافعون عن وجودهم وقضيتهم وليس عن حماس.

بل أزعم أن أي عقل رشيد وأي ضمير وطني وقومي لم يمت ليس له أن يتردد في الاختيار حين تكون المواجهة بين أي طرف عربي حتى إذا كانت حماس في السلطة وبين إسرائيل، باعتبار أن الصراع مع إسرائيل هو مصيري واستراتيجي بالدرجة الأولى، ليس بالنسبة للقطاع أو الفلسطينيين وحدهم، ولكن بالنسبة للعرب أجمعين.

أدري أن أصوات موالاة الإسرائيليين وكراهية حماس تظل استثناء يستوجب الخجل ويجلب العار لأصحابه. وإذ أراها وجها دميما لواقعنا إلا أنني لا ألوم أصحاب تلك الأصوات وحدها، لأن اللوم الأكبر ينبغي أن يوجه إلى البيئة السياسية المسمومة التي سمحت لتلك الأصوات بأن تسمع خصوصا في وسائل الإعلام التي ينبغي أن نستريب في الأطراف التي تقف وراءها. وهي ذات البيئة التي فرضت لنا تلك النماذج المشوهة التي أصبحت تمثل ما وصف به صهاينة أو ليكوديون عرب.

هو أمر محزن حقا أن يحدث ذلك بعد ثورة 25 يناير التي ظننا أنها طوت صفحة «كنز إسرائيل الاستراتيجي»، إلا أن الرياح أتت بما لا يخطر لنا على بال حتى اختزلت القضية في معبر رفح، وقرأنا ما كتبه إعلاميون إسرائيليون (روبن بن يشاي وجدعون ليفي) عن أن مصر وإسرائيل أصبحتا يدا واحدة في مواجهة حماس. لقد انتقدت قبل أيام ما بدا أنه موقف محايد لمصر إزاء ما جرى، لكنني أعجز عن أي قول إزاء حكاية «اليد الواحدة» هذه. وسأظل أعتبرها دسيسة إسرائيلية غير قابلة للتصديق، حتى إذا ثبتت صحتها!.

(عن الشروق المصرية)