كتاب عربي 21

من الفرعونية إلى العروبة والإسلام

1300x600
في المسيرة الفكرية لطه حسين تطورات ومتغيرات تبدلت فيها آراؤه، بل وانقلبت من النقيض إلى النقيض، وكان ذلك دليلاً على حيوية فكر الرجل، وبعده عن التحجر والجمود.

وعلى سبيل المثال: فلقد كان الرجل – في بداية ثلاثينيات القرن الماضي – ينكر عروبة مصر والمصريين، ويتعصب للفرعونية، فكتب في مجلة "الهلال" عدد إبريل عام 1931م يقول: "إن مصر اليوم هي مصر بالأمس، أي مصر الفراعنة، والمصري فرعوني، فلا تطلبوا من مصر أن تغير فرعونيتها، وإن مصر لن تدخل في وحدة عربية ولا إتحاد عربي، وهي ليست مستعدة للمساهمة في الوحدة العربية أو القومية العربية".

ولكن طه حسين بعد ارتباطه بثورة يوليو، غير موقفه هذا مائة وثمانين درجة، فكتب في نفس المجلة – "الهلال" عدد يناير 1959م – عن عروبة مصر، وعن القومية العربية التي صاغها الإسلام والتي كان رسول الإسلام – صلى الله عليه وسلم – قائدها، التي كان قانونها وقانون أمتها القرآن الكريم، نعم، غير طه حسين موقفه من هذه القضية المحورية، فكتب يقول: "إن القومية العربية – إذا أردنا أن تعرف متى تكونت – فينبغي أن نرد هذا إلى ظهور الإسلام، فالمكون الحقيقي للوحدة العربية بجميع فروعها السياسية والإقتصادية والإجتماعية واللغوية – إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم – هو الذي جاء بالقرآن ودعا إلى الحق، واجتمع حوله الأقلون من أصحابه، وجعل الأقلون يكثرون شيئا فشيئا حتى كانت الهجرة، وحتى أسس أول مدينة إسلامية هي مدينة "يثرب" التي تكونت فيها النواة الأساسية للقومية العربية، ولم ينتقل النبي إلى جواره ربه إلا وقد تمت وحدة الجزيرة العربية، ووجدت قومية عربية منظمة لها قانونها وهو القرآن ولها نظامها السياسي الذي يقوم على ما دعا إليه القرآن من العدل والإنصاف والمساواة بين الناس، ولها حكامها الذين هم خدم للأمة العربية، ينشرون بينها العدل، ويعلمونها شرائع الدين، ويهيئونها لأداء واجبها الإنساني العظيم.

ولقد تجاوزت هذه القومية العربية الجزيرة العربية إلى الأقطار الأخرى، وأغرب ما تمتاز به هذه القومية العربية أنها لم تخضع الناس بالسيطرة وإنما كانت غايتها أن تمتلك القلوب وأن تدخل في أعماق الوجدان، في البلاد التي تفتحها وتستقر فيها، دون إكراه أو عنف، فالمسلمون لم يفرضوا على بلد من هذه البلاد لغتهم و يفرضوا عليها دينهم، ولم يأت أواخر القرن الثاني الهجري إلا وقد تركت اللغات القديمة أماكنها من ألسنة الناس وعقولهم وقلوبهم للغة العربية، التي أصبحت لغة السياسة ولغة الثقافة ولغة العلم أيضا.

هكذا تكونت قومية عربية جديدة أنشأها الإسلام ولم تكن تأتلف من عنصر عربي خالص، وإنما كانت تأتلف من جميع هذه العناصر التي كانت تسكن كل هذه البلاد.

وأنشأ الإسلام أمة جديدة وجعل هذه الأمة عربية اللغة والتفكير والشعور والحضارة والعلم والثقافة
والأدب، وألغى الإسلام فيها الفروق بين الأجناس، وألغى أن يكون لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى.

وكل هذا إن دل على شئ فإنما يدل على قوة اللغة العربية وقوة الطبيعة العربية وقوة هذا الدين الإسلامي الذي كان هو العامل أو المؤثر الأول في إنتشار العرب خارج جزيرتهم، ثم في تكوين هذه الأمة العربية الجديدة التي كونها الإسلام، وكونها دون إكراه أو إرغام أو عنف، فتكونت بهذه الوسيلة وبهذا اليسر.

وأخص مزايا هذه القومية العربية أنها حرة ومتسامحة، وأنها مفتوحة الأبواب لا تغلقها، وأنها متعاونة مع الذين يحبون أن يتعاونوا معها.

هذه هي القومية العربية التي حاول الشعر تكوينها أول الأمر، ثم كونها القرآن آخر الأمر، ثم جعلت تفرض نفسها في غير عنف، ولا إكراه على العالم القديم حتى احتلت مكانة الإمبراطورية الرومانية واحتلت مكان الدولة الفارسية.

ولقد ظلت رغم الخطوب والكوارث التي لحقت بها محتفظة بلغتها وعقليتها وشعورها وكل ما يميزها، وستظل واحدة في الشعور، وواحدة في التفكير، وواحدة في الآلام، وواحدة في الآمال".

وهكذا كتب طه حسين، وهكذا تطور فكره مائة وثمانين درجة من الفرعونية الرافضة للعروبة، إلى القومية العربية التي صاغها الإسلام وقادها رسول الإسلام، وجعل قانونها القرآن الكريم، فهل يعي هذه الحقيقة أصحاب "الحول الفكري" الذين يتجاهولن التطور الفكري لعميد الأدب العربي؟!.