كتاب عربي 21

رُبَّ يومٍ بكيت منه...

1300x600
الجمهوريون سيطروا على مجلسي الكونغرس في الولايات المتحدة، مما يعني أن الرئيس عن الحزب الديمقراطي، باراك أوباما، سيقضي السنتين المتبقيتين من ولايته طرطورا لا يحل ولا يربط، واعتبر الجمهوريون فوزهم في الانتخابات الجزئية قبل أربعة أيام استفتاء على حكم أوباما، بمعنى أنه مؤشر على ان الناخبين يريدون أن يروا قفاه، وعموما فالأمريكيون شعب غير مسيس، ولا يعرف كثيرون منهم ما إذا كانت عاصمة البلاد الرسمية هي واشنطن أم هوليوود، والجاهل في اي أمر من الأمور عدو نفسه، فأوباما نجح في منع انهيار النظام المصرفي الأمريكي ومن ثم العالمي، ووفر الضمان الصحي لملايين الفقراء، وأعاد الروح لصناعة السيارات، وأدخل ملايين المواطنين سوق العامل خلال العامين الماضيين، وسوق الأوراق المالية الأمريكية تشهد حاليا انتعاش لم تعرفه منذ عشر سنوات، ودعم إنتاج النفط من الجروف الصخرية البحرية حتى صارت بلاده في طليعة منتجيه.

وأنجز أوباما كل ذلك بعد أن ورث خزينة منهكة بسبب الحماقات العسكرية لسلفه الجمهوري الدرويش جورج دبليو بشبوش، ولكن كل ذلك لم يعن شيئا للناخبين الأمريكيين، ففي بلادهم فإن من ينفق أكثر على الحملات التلفزيونية "يكسب"، والجمهوريون مسنودون بصناعة السلاح والتبغ وشركات النفط والشفط، وفوق هذا كله فإن نقطة قوة الجمهوريين كانت نقطة ضعف الديمقراطيين، وهي أن الرئيس الحالي أسود، في بلد يتحكم فيه البيض في مفاصل الاقتصاد والإعلام، ولكن وبالمقابل فإن أوباما لم "يفرد عضلاته" كما يفعل الرؤساء الأمريكيون عادة، فصارت صورته في المخيلة الشعبية باهتة.

وعلى حال فالأمريكيون أحرار في أن ينتخبوا من يشاءون، ولكن ما أود التنبيه اليه اليوم هو أن المواطنين العرب يعتقدون أن سعيد (الديمقراطي) ليس أفضل من سعيدة (الجمهورية)، طالما أن جميع الرؤساء الأمريكان يؤيدون إسرائيل، ولكن تأييد عن تأييد "يفرِق"، فآخر ثلاثة رؤساء ديمقراطيين حكموا أمريكا (كارتر وكلينتون وأوباما) كانوا أكثر توازنا ووسطية في نظرتهم للقضية الفلسطينية من اي رئيس جمهوري منذ عام 1948، والجمهوريون والمحافظون في بريطانيا والأحزاب اليمينية الأوربية عموما، كانوا عبر التاريخ الحاضن لل"دواعش" الغربية، اي التنظيمات المتطرفة التي تمارس الاستعلاء  على الشعوب الأخرى، وتدعو الى البطش بها، بل وتمارس عضويتها البطش بأبناء وبنات تلك الشعوب في الشوارع والأماكن العامة، وفي بريطانيا أجاز البرلمان قرارا غير ملزم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية ولكن حزب المحافظين الحاكم قال "على جثتي".

وآخر تجليات ضعف إدارة أوباما في نظر الجمهوريين هو أنه أكتفى – وبعد طول تردد – بتوجيه ضربات جوية لقوات الدولة الاسلامية في سوريا والعراق، بينما كان المطلوب منه – حسب رؤية الجمهوريين – إرسال قوات برية إلى البلدين للقضاء على "داعش"، وغايتهم من ذلك أن تسترد بلادهم دور الشرطي الدولي، ولا يهمهم أن التاريخ المعاش يثبت أنه ما دخلت قوات أمريكية أرضا إلا وجعلت شعبها عليلا كليلا ذليلا، تنقلب فئة فيه على الأخرى، ولو - لا قدر الله - جلس في البيت الأبيض رئيس جمهوري بعد سنتين، فسيحل بسوريا المارينز والسيلز، ليسحلوا الأخضر واليابس، ثم يسلموا الأمور ل"نوري شافعي" واستخدم كلمة "شافعي" هنا بمعناها العامي السوداني فالشافع في السودان هو الطفل الصغير الغرير، بل لا استبعد أن ينزلوا مظليين في سيناء بزعم أن الحكومة المصرية عاجزة عن مكافحة الارهاب فيها، ثم يسلمون أجزاء منها إلى إسرائيل كي تضع غزة بين "قوسين".

وغالبية قادة الحزب الجمهوري الأمريكي مسيحيون- صهاينة Judo-Zionists، ويؤمنون بأن مهديهم المنتظر سيأتي لتخليصهم بعد قيامة كبرى "أرماغيدون Armageddon"، ويعتقدون أن عليهم التعجيل بأرماغيدون ، لينالوا ثواب الدنيا والآخرة، وبما أن أمريكا لم تخض قط حربا على أرضها فإن العرب، سيكونون كالعادة الملطشة والميدان المقترح ل"قيامتهم"، وبوصول رئيس أمريكي جمهوري إلى واشنطن، سنتذكر أوباما الذي يا ما قلنا إنه "مثل غيره" رغم أن الحكومة الإسرائيلية تكرهه أكثر من كراهية القاعدة له، لأنه قال إنه لا سبيل للسلام في الشرق الأوسط إلا بقيام دولة فلسطينية مستقلة، وسنتذكر قول أبو الحسن بن بسام: رب يوم بكيت منه/ فلما صرت في غيره بكيت عليه، كما بكينا على كارتر وكلينتون الديمقراطيين.