قضايا وآراء

تسريبات السفينة الغارقة

1300x600
تفرغت المخابرات المصرية بشقيها العام والعسكري، ووحدت كل جهودها لمواجهة العدو الذي يسكن على ضفاف النيل ويشرب من نهره، ذلك الشعب المسكين الذي يحلم بوطن بلا قهر بلا عصابات تنهب أمواله وتهدر مقدراته وتتلاعب بأصواته وتهون من شأنه وإرادته، تمثل ذلك في الاعتراف الشهير لوكيل المخابرات الذي تم حبسه عاما لاعترافه بأن المخابرات لم تعطي الرئيس الشرعي الذي اختاره الشعب (العدو) أي معلومات في الوقت الذي تمد الصديق الصهيوني بكل المعلومات المتاحة في تعاون ظهر جلياً في خبر نقلاً عن القناة الثانية بالتليفزيون الإسرائيلي عن حادث مهاجمة (اللنش) في مياه البحر المتوسط وذكرت تفاصيله الدقيقة من تحريات المخابرات المصرية والتي لم تخبر شعبها حتى الآن بمصير الثمانية المفقودين ومن وراء الحادث، هذه المخابرات تتحفنا كل يوم بمستواها الذي فاق التصور
من خلال تسريبات تخرج من مكتب مديرها السابق وقائد الانقلاب الحالي.

فهذا التسريب الجديد الخارج من مكتب قائد الانقلاب والذي أوضح أن مصر تديرها عصابة العسكر والتي تفعل ما تشاء كما تشاء بلا قانون ولا قضاء، ولا يملك الجميع سوى التنفيذ والإذعان بداية من النائب (الخاص) وزمرته من أعضاء النيابة، ووزارة الداخلية والقضاة الذين يشار إليهم فيفهمون بالإشارة ولا يحتاجون العصى ليس لوجودهم في زمرة النبهاء بل في زمرة العملاء ولعل لهم تسريبات وملفات يتم نشرها لاحقاً، هؤلاء القضاة الذين يحكمون بالإعدام بالجملة في عملية قتل جماعي دون ارهاق أنفسهم بقراءة الأسماء في حين يستفرغون الطاقة في كتابة مسودة قرار تزيد عن ألف صفحة لتبرئة كل القتلة وعلى رأسهم الرئيس المخلوع.

هذا التسريب من وجهة نظر الكاتب لا يقدم جديداً في قضية الرئيس مرسي فالعالم كله يعرف أن الرئيس تم خطفه منذ انقلاب 3 يوليو وظل محتجزاً شهراً كاملاً بلا توجيه تهم، وأن هذه المحاكمات هزلية ولم تكن زمرة العصابة حريصة على تزوير الأوراق لخوفها من القضاء النزيه بل لحسن إخراج المشهد وحتى تكون وثائق الثناء مستحقة عن جدارة، ولكن من المستفيد من هذه التسريبات؟ ومن الذي يورط الجميع بتسجيل مكالماتهم؟ وعلام يدل ذلك؟.

وإذا بدأنا من التساؤل الأخير فهو يكشف عن صراع بين أعضاء العصابة في المجلس الانقلابي، فلا يملك أحد تسريب هذا المقطع الصوتي سوى أحد أعضاء المجلس العسكري، ولا يملك أحد الأمر بالتسجيل لأعضاء ذلك المجلس والتجسس على مكالمتهم سوى صاحب الهاشتاج الذي كان يشغل وظيفة مدير المخابرات ثم وزيراً للدفاع فقائداً للانقلاب، فمن المؤكد أنه يمتلك تسجيلات لجميع العصابة وستخرج تباعاً في أي لحظة وفقاً للمتغيرات وفي حالة الشك في نقص الولاء أو صحوة الضمير من أحدهم، فهو يورط الجميع ويرسل لهم برسالة تحذيرية عبر هذا التسريب الخطير.

 فمن المؤكد أن النتيجة المباشرة للتسريب هي حرق ورقة اللواء ممدوح شاهين بصورة كبيرة فهي تضع حبل المشنقة فوق رقبته، وتمنعه من القفز من المركب الغارق إذا فكر في ذلك، فإذا علمنا أن هذا اللواء كان حلقة وصل المجلس العسكري مع القوى السياسية طوال الفترة الانتقالية وأثناء وضع الدستور، فهو المرشح  الأول للاتصال بهم في أي وقت للبحث عن خروج من الأزمة، ويعلم قائد الانقلاب جيداً أن أي مخرج ستكون بدايته  التخلي والتضحية به بصورة أو بأخرى، ولعل زيارة مدير المخابرات السعودي لمصر ولقائه بالأخير قبل هذا التسريب بيوم واحد فقط كان من بنوده كيفية ابطال هذا التصور المطروح أو لعل لديهم معلومات عن ذلك.

فالمستفيد الأول من التسريب من وجهة نظر الكاتب هو قائد الانقلاب، فهذا الفيديو لن يزيد الأمر سوءا بالنسبة له، فجرائمه ضد الانسانية وقتله للآلاف تفوق جريمة التلاعب بالقوانين والقضاء، فليس لديه شيئاً يخسره، في حين أن التسريب يصب في صالحه للتأكد من تورط الجميع في الجرائم ليستمر النائب العام ووزير داخليته ومن ظهرت أصواتهم بالتسريب في سفينة الانقلاب التي توشك على الغرق.

جاء هذا التسريب أيضاً ليضيف أبعادا أخرى عن هذا الشعب القاصر الساذج من وجهة نظر الثوار (الكيوت) كما اطلقت عليهم الثائرة آيات العرابي والذي لا يعرف مصلحته ويختار دائماً عكس ما تراه نخبته التي اتصفت بالرشد والنظرات العميقة والرؤية الثاقبة في جدلية فاضحة بين الشعب الواعي ونخبته التي هي سبب نكبته. فقد جاء التسريب ليضع سبباً جديداً لتمسك الشعب برئيسه الشرعي والذي ثارت ضده النخبة عندما أقال النائب العام والذي تلاعب في أدلة قضايا قتل المتظاهرين، فكانت النتيجة البراءة ووثائق الثناء والتكريم، ورقصت مع العسكر في سهرة 30 يونيو، والتي ترفض الآن عودته وتملي شروطها البغيضة من وراء الشاشات على الواقفين في الشوارع منذ أكثر من سبعة عشر شهراً، والتي ارتفع صوتها أيضاً عندما تم نقل مصطفى خاطر المحامي العام بنيابة مصر الجديدة عندما أخلى سبيل قتلة الثوار في الاتحادية.

فبعد هذا التسريب يحتاج الشعب ورئيسه الشرعي لاعتذار من النخبة التي أضاعت مصر بتحالفها مع العسكر ضد الشعب وإرادته، ثم بمحاولة حصر وقصر قضية الانقلاب في تعديل قانون للتظاهر وإعادة محاكمة مبارك ووضع الشروط وتوزيع صكوك الثورة والغفران على من تريد، وتوزيع وثائق التهم وإقصاء الآخرين في فاشية فاقت فاشية هتلر وستالين.