كتاب عربي 21

ليس دفاعا عن من قال بموت السيسي!

1300x600
كثيرة هي الموضوعات التي كلما هممت بالكتابة عنها، تراجعت إيماناً مني بأننا ونحن نواجه عملية السطو المسلح على الحكم في مصر، فإنه يعد من الجهل بفقه الأولويات أن ننشغل بأنفسنا، وبقضايا ينبغي شغل القارئ بها في أوقات الفراغ، التي كانت دافعاً لي أن أكتب سلسلة مقالات عن زيارتي للندن، وهي انطباعات زائر لمدة عشرة أيام فقط، فكرت أن يحتويها كتاب اخترت عنوانه: "لا أحد يكح في لندن"، فجاء ما يشغلني بوقوع الثورة، والتحديات التي واجهتها، فلم يطبع ولم ينشر.

ما كتبته، كان سبباً في سخرية ابنتي الطالبة في كلية الإعلام، والتي رأت أن الزيارة لو امتدت عاماً، لأمكن لي أن أكتب عنها مجلدات. لكن عذري أنه عندما يجد الكاتب فراغاً فانه يستغله في "تسلية قرائه"، وهو أمر، بالمناسبة، يدخل ضمن اهتمام وسائل الإعلام، منذ اختراعها، وفقاً لبعض النظريات الإعلامية!

بيد أننا الآن لا نملك بعد هزيمة الثورة المصرية على يد العسكر، هذا الترف، ليس فقط للترفيه عن القارئ، وإنما للدفاع عن أنفسنا، لولا أن الهجوم على الزميل "أحمد الشرقاوي"، الصحفي المصري اليساري، قد تجاوز حد النقد المباح، إلى محاولة التدمير المعنوي، بسبب ما أعلنه في وقت سابق عن وفاة عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب. 

ولو كان الهجوم من القوى المنحازة للعسكر، لما استحق مجرد الاهتمام، لكن الأمر تجاوزه إلى هؤلاء الذين هم كمن يعبد الله على حرف، فقد ظنوا أن الانقلاب سيسقط سريعاً، فقرروا حجز موقع في قطار الثورة، فلما استمر أكثر مما توقعوا، لم يجدوا ما يفعلونه سوى تسفيه من اتخذوا موقفهم ضد الانقلاب مبكراً، وعن إيمان، حسداً من عند أنفسهم، وتأكيداً على أن هؤلاء احتلوا مواقع متقدمة في مواجهة الانقلاب لا يستحقونها، مع أنهم عندما اتخذوا هذا الموقف لم يبالوا، بما نالهم، ولو كانوا يريدون سفراً قاصداً وعرضاً قريباً، لوقفوا مع العسكر، ولديهم ما يقولونه، ولتحقق لهم الحضور الإعلامي "الآمن"، وهم يحسدون الآن على الحضور الذي دفعوا ثمنه من استقرارهم وعافيتهم!

لقد حدث أن اختفى السيسي لأكثر من شهر، قبل ترشحه للانتخابات الرئاسية، وإذا كان هناك من أرجعوا هذا إلى أنه نصيحة من شركة العلاقات العامة "اليهودية"، التي تم التعاقد معها للترويج للانقلاب غربياً على أنه ثورة شعبية، فقد كان هناك من يبررون هذا الغياب بأنه نتيجة لموت عبد الفتاح السيسي، وأعتقد أن من تواصلوا مع زميلنا "أحمد حسن الشرقاوي"، قد تواصلوا معي، ومع غيري، ولم يكن هناك مصدر واحد لهذا الكلام، ولولا أن هناك من أعرفهم بشكل شخصي قد قاموا بالتأمين على هذا الكلام، لقلت إن من وراء الترويج له هو أجهزة استخبارات، لكن وجود من أعرف لم يمنع "الفأر من أن يلعب في صدري"، كناية عن القلق والريبة!

لأن من "لسعته الشوربة" ينفخ في "الزبادي"، فإن بداية عملي الصحفي في صحيفة معارضة، يجعلني لا أسلم بما أسمع، أو أقرأ، حتى وإن كان في حوزتي تقارير رسمية، فمبكراً كتبت عبارة "المستندات حمالة أوجه"، وقد تصل إلي الصحفي تقارير بفساد جهة ما أعدها جهاز مسؤول، كالجهاز المركزي للمحاسبات، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها صحيحة، فقد تكون الجهة المعنية قد ردت على ملاحظاته، فجعلت من اتهاماته أثراً بعد عين.

في بداية حياتي الصحفية تعرضت لموقف تعلمت منه كثيراً، إذ كنت قد التقيت بوكيل لهيئة قضايا الدولة، ربما كان اسمه المستشار "فكري السيد"، أو شيء من هذا القبيل، والذي أخبرني بأن مصر قد خسرت كل قضاياها في الخارج بسبب مكتبين للمحاماة في لندن ونيويورك تم التعاقد معهما، وتقريباً أن المكتبين جرى اختيارهما في عملية فساد وسمسرة، وقد أعددت تحقيقاً صحفياً عندما نشر، كنت في بلدتي بالصعيد، لأعود من هناك فأجد رئيس التحرير يبحث عني، فمصدر الخبر نفى علاقته به، كما نفى أنه يعرفني، وأرسل رداً بهذا المعنى، هدد فيه برفع قضية على الصحفي والصحفية!

كنت في موقف لا أحسد عليه، فليس معي دليل على أنه قال هذا الكلام، وقد اعتمدت كشاب صعيدي على أن الرجل "يربط من لسانه"، ثم إن هيئة "المصدر"، وحمله للقب المستشار لا يجعلني أتصور أنه يمكن ان ينكر ما قال، وتذكرت على الفور أن زميلاً يعمل في جريدة "الوفد" كان حاضراً المقابلة، والذي أكد لرئيس تحريري صحة ما نشرته، وعند مواجهة المسؤول اضطر أن يعترف بأن ضغوطاً مورست عليه فأرسل الرد العنيف!

وكانت هذه الواقعة درساً بليغاً في ضرورة توثيق المعلومات، حتى وإن تسبب التوثيق في ضياع جهدي سدى. وأذكر بعد ذلك بسنوات، أن قدم لي أحد أقباط المهجر شكوى للنشر ضد أحد رجال الأعمال المسيحيين، الذي قام بأكبر عملية نصب على مسيحيي الخارج بعد أن طمأنهم بعلاقاته بقيادات الكنيسة، وأخبرهم أنه أسس شركة لتوظيف الأموال حتى لا يستأثر بذلك المسلمون من خلال ظاهرة هذه الشركات ومن الريان إلى السعد.. الخ ..الخ!

لقد تبين لهم أنهم وقعوا ضحية لنصاب، ولأن الأمر كله كان قائماً على الثقة، فلم يكن لدى الرجل وغيره ما يفيد بأنهم مودعون في شركاته، وكان علي أن أخوض أنا معركة التوثيق بجهدي الخاص، وهناك خطأ قانوني يقع فيه كثير من الصحفيين، عندما يظنون أنهم في مأمن من العقوبة القانونية، إذا قام مواطن بالتوقيع على كلامه وطلب أن ينشر على مسؤوليته الخاصة، ليصبح هو وحده المسؤول.

 مع أن التوقيع لا يعفي الصحفي من المسؤولية لأنه الجريمة اكتملت بالنشر!

لقد عرضت الشكوى على صاحب الشركات، وكان من الطبيعي أن يرد بأنها كيدية، وأن مشروعاته تحظى بثقة مسؤولين في الدولة، وأطلعني على ملف هو عبارة عن إشادة بعض المسؤولين بدوره في "خدمة الاقتصاد القومي"، بكلمات كتبوها في سجلات شركاته بخط أيديهم بعد زيارتهم لبعض مشروعاته، وأتذكر منهم المستشار السياسي لمبارك أسامة الباز، ومصطفى الفقي إبان توليه منصب مدير مكتب الرئيس للمعلومات، ومصطفى كمال حلمي رئيس مجلس الشورى!

وأفهمت "النصاب" بأهمية هذه الشهادات، التي تعد دليلاً على أنه رجل وطني لا يشق له غبار، وأن رئيس التحرير الذي كلفني بهذه المهمة سوف يعرف قدره بمجرد الاطلاع عليها، وسيوقف النشر ضده، وأسرع لتصويرها ليعطيني نسخة منها، ولم يكن يعلم أنها دليل إدانة، لأن من تعرض للنصب قال إن هذه الشهادات استخدمت للضحك على الذقون، ولإثبات مصداقيته!

وبينما كنت أجهز مدفعيتي الثقيلة، استعداداً لقيامي بسبق، قامت جريدة "الشعب" بنشر قصة هذا النصاب، وسألت من كتب التحقيق عما إذا كان في حوزته المستندات التي تؤكد صحة كلامه، فأجاب: بالتأكيد، وشعرت أنني خسرت موضوعاً مهماً، إذ كان المتبع أن الصحف لا تنشر ما نشرته صحفا منافسة، وهو التقليد الذي انتهى الآن، فلا مانع من أن تنشر "المصري اليوم" تحت عنوان "انفراد"، مذكرات مفتي الجهاد، بل وتشتريها منه، مع أنه سبق لجريدة "الأحرار" أن نشرتها قبل عدة شهور.

توقفت عن متابعة الموضوع.

وذات ليلة تلقيت اتصالاً هاتفياً من الزميل يخبرني بأن رجل الأعمال هذا أقام ضده وضد "الشعب" قضية، وأنه لا يوجد لديه مستندات على ما نشر، وأن أول جلسة لها هو باكر. فقد كان يعلم من صاحب الشكوى أنه دفع بها للنشر في أكثر من صحيفة فقرر أن يفوز بالسبق، ولم يهتم بتوثيق الجرائم.

كان يطلب مني أن امده بما عندي من مستندات، ومبكراً سلمتها له، ولم تكن كافية، لكن وجود أسماء "كبيرة" في الموضوع، كانت محرضاً لمن أقام الدعوى ضد "الشعب" للتنازل عنها.

وبعيداً عن هذا، فإن العمل في الصحف الحزبية، كان دائماً يجعل الصحفي لا يمنح ثقته في مستند، أو شكوى، بسهولة، لاعتقاد الصحفي بأنه مستهدف في شخصه وفي مصداقية صحيفته.

وفي حملتها على وزير الداخلية الأسبق حسن الألفي، قال القاضي الذي عرضت عليه القضية بعد ذلك في ندوة بنقابة الصحفيين المستشار محمود مكي، أنه فوجئ بأن الجريدة قد نشرت عشرة اتهامات بمستندات صحيحة، لكنها تعرضت لخدعة عندما نشرت ثلاثة اتهامات أخرى بمستندات مزورة، دست على الزملاء فيها!

وعندما تلقيت كلاماً متواتراً عن وفاة عبد الفتاح السيسي لم أسلم به، فقد قلت إننا مستهدفون في مصداقيتنا أمام الرأي العام، حتى وإن كانوا من يتصلون بنا في هذه القضية وغيرها ينشئون صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي يدافعون من خلالها عن الشرعية، ومنهم ظالم لنفسه، ومنهم من يريد الانتصار لقضية الشرعية ولو بالتأليف والفبركة.

بيد أن زميلنا "الشرقاوي" لم يسبق له العمل في صحيفة معارضة، لكي "ينفخ في الزبادي"، فقد عمل في وكالة أنباء الشرق الأوسط، وهي الوكالة الرسمية للدولة المصرية، حيث ممارسة العمل الصحفي في أمان، فأعلن أن السيسي مات، وما يؤخذ عليه، هو حماسه في إعلان ذلك.

لكن الزميل "الشرقاوي" كانت لديه بعض القرائن ولا أقول الأدلة التي تعزز تصديقه لما وصل لعلمه، فمن أثق فيه أخبرني بأنه كان في المستشفى لحظة هبوط طائرة قيل إن من بداخلها هو السيسي، وعقب ظهوره بعد غياب بتغير في ملامحه قلت إنه ربما كان يقوم بعملية تجميل، دفعت البعض للقول بأنه ليس هو!

وأعتقد أنه بعد إعلان السيسي نفسه أنه تعرض لمحاولتي اغتيال قبل ترشحه للانتخابات الرئاسية، فإن هناك ما يدفع للقول بأن "الشرقاوي" لم يكن يتحدث من فراغ.

"إعلان الشرقاوي" خطأ مهني، لكن من يتربصون بعثرات الرجال، يمسكون في هذا الخطأ بأيديهم وأسنانهم. ككلب عقور وقع على جيفة!

إنه سوء القصد، وقصد السوء.

azouz1966@gmail.com