مقالات مختارة

هدية من الشعب العراقي: ثلاثة ملايين متطرف!

1300x600
كتبت هيفاء زنكنة: ثلاثة ملايين طفل عراقي وما يقارب ثلاثة ملايين طفل سوري محرومون من التعليم. مليونان في ليبيا و3.1 مليون في السودان و 2.9 مليون في اليمن. الفروق بين الذكور والإناث، ضمن البقية من المتعلمين، كبيرة. 36 في المئة فقط من الفتيات في اليمن، على سبيل المثال، حصلن على قدر من التعليم الأساسي، حسب تقرير "التعليم في خط النار"، الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، 3 أيلول/ سبتمبر 2015. 

أي مستقبل ينتظر هؤلاء الأطفال ومجتمعاتهم وبلدانهم؟ 

ينص ميثاق حقوق الإنسان على أن تعليم الأطفال حق من حقوق الإنسان الأساسية، ولا يحق حرمانهم من التعليم حتى أثناء الحروب والنزاعات. وتقدير قيمة التعليم في تطور الفرد سبقت الميثاق بفترة طويلة.

يقول الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو "من يفتح باب مدرسة يغلق سجنا"، وطور الكاتب الأمريكي مارك توين، ذات الفكرة، قائلا: "كلما تغلق مدرسة، تفتح سجنا. ما تربحه في المكان الأول ستخسره في الثاني". مئات التقارير والدراسات المجتمعية، والنفسية، والاقتصادية، تؤكد أهمية التعليم في بناء الشخصية، وتطوير الفكر، ونقل المعرفة، ناهيك عن بناء وتنمية البلد واعتبار التعليم مصعدا للرقي الاجتماعي والحضاري. كيف تنعكس هذه المؤشرات على مستقبل أطفالنا وبلداننا؟ ماذا عن النازحين والمهجرين قسرا؟ ما هي مساحة التعليم المتوفرة للطفل/ المواطن في بلد كسوريا مثلا، بعد أن قدم رئيس البلد مفهوما جديدا للمواطن كمبرر لحملات التهجير والنزوح والقتل. والعراق؟ ما هي الفسحة المتوفرة للتعليم للأطفال، في بلد يحكمه ساسة، لا يتورعون عن سرقة حتى خمس مرجعيتهم، وألحقوا الخراب ببلد كانت البلدان العربية تفتخر بمستوى التعليم فيه، ومساهمته برفع مستوى التعليم في البلاد العربية، عن طريق إيفاد المعلمين والأساتذة وكتب التعليم المجانية المختومة بختم "هدية من الشعب العراقي"؟ 

والآن، ما الذي ستكون عليه "هدية الشعب العراقي" للدول القريبة والبعيدة، وملايين أطفاله بلا تعليم ولا بيوت يقطنونها، ولا يرون في المستقبل غير اليأس؟ أليس الواقع الحالي أفضل مؤشر لما نخشى أن يكونوا عليه؟

أثبتت سنوات الاحتلال وحكوماته العراقية الفاسدة أن قضية التعليم ليست أولوية، بل إن سياسة التجهيل هي الأولوية. وإذا كانت سياسة المستعمر مبنية، عادة ،على قلة الوعي لإحكام سيطرته، واصلت الحكومات العراقية المتعاقبة ذات السياسة، فالجهل هو درع الساسة الفاسدين من وعي الشعب الذي يعرف حقوقه ويدرك معنى أن يكون مواطنا. 

ولا يقتصر الأمر بالعراق على غياب السياسة التعليمية، وخراب المباني المدرسية، وقلة الميزانية المكرسة للتعليم، واستهداف المعلمين بحملات اغتيال وتهديد أجبر الكثيرين على الهجرة، بل امتد إلى جانبين عمقا حجم المأساة، وهما حملات التهجير وتكريس الطائفية المدرسية.

من أوائل الخاسرين في حملات التهجير هم الأطفال والنساء، وبالتحديد من ناحيتي الصحة والتعليم. إذ يؤدي النزوح القسري والهجرة إلى تغيير الأولويات ليصبح إرسال الأطفال إلى المدارس في المرتبة الرابعة بعد تأمين المأوى والطعام والصحة. وبانعدام فرصة الذهاب إلى المدرسة، يفقد الطفل الإحساس بالأمان ولقاء الأصدقاء، بالإضافة إلى حرمانه من أدوات التعليم الأساسي، كالقراءة والتعبير اللفظي والحساب وحل المعضلات، وفحوى التعليم الأساسي كالمعرفة والقيم والسلوك، التي يحتاجها المرء ليكون قادرا على البقاء وتطوير قدراته. والمعروف أن فقدان سنة مدرسية واحدة يعادل انخفاض مستوى الذكاء بدرجتين مئويتين بالنسبة للمعدل، وبالتالي فإن فقدان 5 أو أكثر من سنوات الدراسة تعني انخفاض المستوى الذهني لنسبة كبيرة من الأطفال العراقيين إلى ما يسمى في الغرب بمستوى الحاجات التعليمية الخاصة، مقارنة بالتفوق الذي عرف به الشباب العراقي، على مد العصور، في المجال التعليمي.

إن موجة الهجرة الجماعية الجديدة هي الرابعة في أقل من نصف قرن، فقد البلد خلالها الشرائح الأكثر حيوية وتمكنا حتى بالمستوى المتوسط، وتشمل عوائل شابة بأكملها. ويشكل القلق على تعليم الأطفال أحد أسباب الهجرة. وليس حال النازحين من مناطق القتال أفضل، خاصة، بعد تشديد القيود على دخولهم بغداد والمحافظات القريبة، فصارت الهجرة حلما يسعون إليه مع كل من تأقلم مع وضع ما بعد الاحتلال، رضوخا للأمر السياسي والطائفي الواقع أو لاستفادة ما، وكان يعول على استقرار الوضع. 

أما تكريس الطائفية المدرسية، فقد تبدى بتغيير أسماء المدارس والتعليم بشكل طائفي ومحاولة تحويل المدارس إلى باحات لممارسة طقوس اللطم ومسيرات العزاء. وقد شهدت، شخصيا، كارثة التكريس الطائفي بين الأطفال في المدارس العراقية الموجودة بلندن، وكيفية رفع رايات العزاء وحث الأطفال على ارتداء السواد حزنا على معركة تمت منذ ما يزيد على الألف عام. فما بالك بداخل العراق ووزارة التعليم ومؤسساتها خاضعة للمحاصصة الطائفية؟

إن نثر وزرع هذه البذرة، يشكل خطرا حقيقيا على بنية المجتمع ومستقبل البلد كله. وعلى من يشكك بمدى الخطورة، أن ينظر إلى مثال إيرلندا ليرى كيف نجح الاستعمار الانكليزي في تفرقة وتقسيم الشعب الإيرلندي. وما كان لبذرة التفرقة أن تنجح لولا تقسيم المدارس إلى كاثوليكية وأخرى بروتستانتية وعدم تشجيع الاختلاط. ولعل ما يبقي الأمل حيا في النفوس بالنسبة إلى التعليم، هو أن خزين المعرفة والثقافة الذي تحمله الأجيال السابقة، لايزال حيا وقد ساعد، حتى الآن، على تعويض الأطفال عن فقدان المدارس وضعف المعلمين وخراب التعليم عموما. إلا أن هذا الخزين يتضاءل بمرور السنين ما يعني أن إنقاذ التعليم هو إحدى المهام التاريخية لكل مشروع تغيير حقيقي. كما أن بذرة الطائفية بالمدارس، وإن وجدت، لم تنتشر انتشارا كبيرا بعد، وإهمال المشكلة يؤشر إلى أن الآتي، إن لم نتدارك الأمر، سيكون أعظم وسيكون الخراب البشري أعمق من أن يتم إصلاحه في بضع سنوات مقبلة أو عبر تغيير عدد من المسؤولين الفاسدين.

(عن صحيفة القدس العربي اللندنية)