كتاب عربي 21

ثوار متقاعدون

1300x600
صدر عفو رئاسي عن 100 من الشباب المعتقلين، من بينهم سناء سيف ويارا سلام وهاني الجمل.
ماذا يعني ذلك؟

يعني أن ما زال لنا عندهم حوالي 39900 سجين، غالبيتهم محتجزون على ذمة قضايا، أو محبوسون بأدلة ملفقة، أو دون أدلة أصلا، ورغم ذلك يطلب منا ثوار سابقون ومناضلون متقاعدون أن نوجه الشكر للنظام ونشيد بالرئيس ونعتبر العفو جميلا معلقا في رقاب الثوار، وهم من كانوا في السابق يقولون إن شرعية الرئيس تسقط مع أول نقطة دم وأول اعتقال جائر.

هناك نقاط مبعثرة يجب أن تأخذ مكانها فوق الحروف لتصبح قراءة الواقع أيسر، نعلم أن الثوار المتقاعدين الراضين الآن بفتات الظالمين يعرفونها، لكننا مضطرون لأن نذكّرهم بها، لأن الجلوس على مقاعد "الاتحادية" الوثيرة، والبحث عن مكان في قائمة في حب مصر، وانتظار مكالمة من "private number" تحمل دعوة مشاركة في افتتاح أو حضور إفطار في "الماسة" يُنسي الكثير من الأشياء.

1-

اتخاذ قرار بالعفو عن مساجين صادرة ضدهم أحكام قضائية نهائية يعني أحد خيارين: 

الأول: أن الرئاسة اقتنعت بأنهم مظلومون، وبأن الأحكام الصادرة ضدهم جائرة، وهذا يستدعي أن تتخذ الرئاسة إجراءات لمنع تكرر الظلم مرة أخرى، وإصلاح الخلل الموجود في ميزان العدالة، وهو ما لم يحدث حتى الآن ولا يبدو حتى أنه سيحدث قريبا.

أما الخيار الثاني: فهو أن يكون الرئيس مقتنعا بأن هؤلاء مذنبون ومدانون، وأنه اضطر لاتخاذ هذا القرار استجابة للضغوط الدولية، ولتفادي الانتقادات الموجهة لحكمه، وهذا ينسف ادعاءات دراويش النظام بأنه لا يهتم بالضغوط الخارجية، ولا يتخذ قرارا إلا من تلقاء نفسه، وقد يكون هذا الخيار هو الأقرب لاتخاذ قرار العفو قبل ساعات من سفر السيسي إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة.

انتقى النظام أسماء يعرفها المجتمع الدولي جيدا ليصبح العفو عنهم مؤثرا، وأخرج متهمي ما يسمى "خلية الماريوت"، بعدما تسببت في إحراج دولي للنظام يتجاوز ما سببه اعتقال 40 ألفا الآخرين، وقتها يمكن أن يقول لمنتقديه إنه يتبنى سياسة إصلاحية، ويصلح ما يفسده القضاء، وعليهم أن يثقوا به عندما يقول لهم إنه قادر على تسوية قضية مرسي بعد صدور حكم نهائي بشأنها.

2-

في يوليو 2015، قدرت منظمة العفو الدولية عدد المعتقلين في مصر بـ41 ألفا، وهو الرقم ذاته الذي أعلنته منظمة هيومان رايتس مونيتور، بينما يرتفع الرقم في تقديرات أخرى إلى 50 ألف معتقل.
سيردون عليك فورا بأنه لا يوجد في مصر معتقل واحد، وأن من في السجون إما محتجزون على ذمة قضايا، أو محبوسون بأحكام قضائية، وهذا أسوأ بكثير، لأن الاعتقال يعني أن الشرطة في مصر جائرة، أما تغليف الاعتقال بغطاء قانوني عبر تجديد الحبس أو المحاكمات يثير الشبهات حول الشرطة والقضاء معا.

ولو أخذنا الرقم الأقل "41 ألفا"، وافترضنا في أحسن الأحوال أن خمسة آلاف منهم يواجهون اتهامات حقيقية في جرائم تتعلق بالعنف والإرهاب، فهذا يعني أن لدينا 36 ألف سجين على الأقل محبوسين على ذمة التحقيقات لشهور، أو صدرت ضدهم أحكام غليظة في قضايا دليل الإدانة الوحيدة فيها تحريات الشرطة وشهادة الضباط.

بهذا المعدل الذي يبدو أن نظام السيسي يحرص عليه، وهو العفو عن 100 سجين كل عيد، نحتاج 360 عيدا للإفراج عن المظلومين، أي أن آخر مظلوم في سجون السيسي سيخرج بعد 180 سنة!

3-

الإفراج عن معتقلين مظلومين لا يعني شيئا دون تغيير السياسة القمعية التي أدت لظلمهم أصلا، وهذا التغيير له أمارات، أهمها أن تتوقف الدولة عن ملاحقة المختلفين معها واعتقال كل ساع للتغيير.

هل فعل النظام أي شيء من ذلك؟

الإجابة واضحة وسابقة حتى لقرار العفو، فقبل 24 ساعة من الإفراج عن الشباب اعتقلت أجهزة الأمن عمرو علي منسق حركة شباب 6 أبريل من المنوفية، وحتى الآن وبعد أربعة أيام لا يعرف أحد مكانه، لم يقف أمام نيابة، ولم تعلن الداخلية عن القبض عليه أصلا.

في اليوم ذاته لخطف عمرو علي، كانت نيابة أمن الدولة العليا تجدد حبس المصورة إسراء الطويل للمرة الثامنة بعد خطفها لمدة 10 أيام بالطريقة ذاتها، حيث تواجه الفتاة نصف المعاقة اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية، والدعوة لتعطيل القوانين، ومنع مؤسسات الدولة من ممارسة أعمالها، والاعتداء على الحرية الشخصية للمواطنين، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وإشاعة أخبار كاذبة.

إذن، فالأمر لا يتجاوز إخلاء بعض الأماكن لمعتقلين جدد، ولا أظن أن هذا شيء يستدعي أن نشكر النظام عليه.

4-

أكبر الأخطاء التي وقع فيها الثوار كان اختزال الثورة في أشخاص، يسهل تشويههم، فتتشوّه الثورة بالتبعية، والآن هناك سعي محموم لتكرار الخطأ ذاته، اختزال القضية في أشخاص تفتر القوى بتحريرهم، ونسيان أن السجون مليئة بآلاف المجهولين يجب أن يتحرروا، وحتى بعد تحررهم يجب أن يستمر الحراك لتحقيق الأهداف التي فقدوا حريتهم لأجلها.

يجب ألّا ينتهي الأمر بخروج سناء ويارا وهاني وحاذق الآن، وخروج علاء وماهر ودومة وعادل في مرات قادمة، قضيتنا قضية عدل وحرية وحكم رشيد، قضايا المعتقلين طرأت فيها، لكنها يجب ألّا تطغى عليها، يجب أن يستمر الحراك حتى خروج آخر معتقل، ومواصلته حتى تحقق آخر مطلب.

يريدنا الثوار المتقاعدون أن نشكر السيسي، وندين للنظام بالعرفان، ونكف عن انتقاده في انتظار عطايا جديدة، تراجعوا عن قناعاتهم السابقة بأن الحقوق تُنتزَع ولا تُمنَح وباتت قناعتهم الجديدة: "اللي يقعد ساكت هياخد حاجة حلوة"!

نعم، سنفرح لمن خرجوا ونفرح معهم، لكننا لن ننسى أن سنوات عمرهم التي راحت ظلما لن تعود، وأن زهورا أخرى ما زالت تذبل في سجون القهر، وأن المسؤول عن كل ذلك لا يمكن أن يقود حكما رشيدا.