كتاب عربي 21

إعادة التموضع الأمريكي في الشرق الأوسط

1300x600
لا تزال سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط تدفع شعوب المنطقة العربية إلى الحيرة والدهشة، فضلا عن الكراهية العميقة بسبب التزامها على مدى عقود بدعم الأنظمة الاستبدادية وحماية أمن المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية في فلسطين، وقد تضاعفت مشاعر الاستياء من السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط عقب بروز النزعة الإمبريالية الجديدة التي برزت بعد نهاية الحرب الباردة وهيمنة المنظور الاستراتيجي للمحافظين الجدد التي توجت باحتلال أفغانستان والعراق تحت ذريعة حرب الإرهاب، وعلى الرغم من خلع الرئيس الأمريكي باراك أوباما مؤقتا للوجه الأمريكي الامبراطوري الإمبريالي الذي تسبب بأضرار فادحة لصورة أمريكا في الخارج والتقنع بالوجه الحقوقي الإنساني المدني، الأمر الذي أدخله في حظيرة الحائزين على جائزة نوبل للسلام، إلا أن الطبع غلب التطبع، إذ لم تكن خطاباته البلاغية الرثة في القاهرة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان سوى محاولة ترويجية بائسة كشفت بصورة واضحة جلية عن خرافة الالتزام بحماية قيم الحرية والديمقراطية، حيث تولى الربيع العربي فضح الأساس اللا أخلاقي لسياسة الولايات المتحدة الخارجية، فقد برهنت الثورات العربية السلمية عن التزام أمريكي بالاستبداد تحت ذريعة الاستقرار.  

مع قرب موعد انتهاء حقبة ولايتي الرئيس الأمريكي باراك أوباما، سوف تتذكر الشعوب العربية والإسلامية فشل السياسات الخارجية الأمريكية في المنطقة ولا أخلاقيتها، إذ لم يتحقق أي تقدم في المسألة الفلسطينية، وأصبحت شريكة في قمع تطلعات شعوب المنطقة بالحرية والديمقراطية والعدالة، لكن ذلك لم يكن سوى نتيجة مؤكدة لسياسات أوباما الخارجية التي تبنت منذ وصوله للبيت الأبيض منظورا استراتيجيا يقوم على مفهوم "إعادة التوازن الاستراتيجي" من خلال التحول نحو آسيا ــ المحيط الهادي، والتي استندت إلى إعادة النظر في تحديد أولويات أمريكا بنقل الثقل الاستراتيجي نحو المناطق الأكثر نموا  ووضع صراعات الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة.

لقد حافظت الولايات المتحدة لمدة طويلة على زعامتها في منطقة آسيا ــ المحيط الهادي، ومنذ قدوم  الرئيس أوباما شدد على أن الولايات المتحدة تنوي بكل إصرار مواصلة دورها القيادي في هذا الطرف من العالم، حيث أعلن في شهر تشرين ثاني/ نوفمبر 2011 عن "تحول" سياستها الخارجية إلى التركيز على آسيا، وكانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلنتون قد صرحت بالقول: "مثلما كان القرن العشرون هو قرن المحيط الأطلسي، فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن المحيط الهادي، بالنسبة  للولايات المتحدة"، وقد عبرت السياسات الخارجية الأمريكية عن تحول استراتيجي أميركي واضح باتجاه آسيا والشرق الأدنى من خلال شراكات أميركية آسيوية جديدة، الأمر الذي أثار قلقا بالغا حول نتائج هذا التحول على منطقة الشرق الأوسط عموما والخليج العربي خصوصا.

على الرغم من معرفة وإدراك دول العالم العربي بهذا التحول الاستراتيجي، إلا أنها تصرفت دون مبادرة تذكر، بينما استثمرت بعض دول الشرق الأوسط هذا التحول الكبير بالانكفاء، حيث قامت إيران بالاسراع بانجاز اتفاق نووي مع أمريكا والغرب، وأخذت بالتمدد، أما الولايات المتحدة فقد تعاملت مع سائر قضايا المنطقة بالحد الأدنى، باستثناء تحقيق الاتفاق النووي مع إيران، وهو الأمر نُظر إليه من جميع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين وخصوصا دول الخليج وإسرائيل باعتباره كارثة أسوأ من إعادة التوازن الآسيوي ببروز قوة إقليمية معادية.

لم يقرأ العالم العربي جيدا طبيعة التحول الأمريكي نحو آسيا ــ المحيط الهادي، لمحاصرة القوة الأكثر نموا في العالم ممثلة بالصين، مع أن الولايات المتحدة أكدت على جوهرية التحول الاستراتيجي الأمريكي في وثائق عديدة، ففي وثيقة "استراتيجيّة الأمن القومي" الأميركية التي صدرت في شباط/ فبراير 2015 وتوجّهاتها السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة، بيان واضح عن الانكفاء عن الشرق الأوسط والتركيز على أسيا، وهي الوثيقة الثانية خلال ولايتَيْ أوباما،  حيث صدرن الأولى عام 2010، وهي تستخدم مصطلحيْ "إعادة توازن" و"تركيز" على منطقة شرق آسيا ــ المحيط الهادي، ويقتصر حضور الشرق الأوسط على "الإرهاب" و"النفط والأمن والاستقرار"، لكنها حدّدت الأولويات الخارجيّة الأمريكية أولا. 

بالدفع نحو إعادة التوازن في آسيا ــ الهادي إلى الأمام، ثم التأكيد على العلاقات مع أوروبا وحلف الناتو.
خلاصة القول أن الشرق الأوسط لم يعد أولوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي بدا واضحا عبر بوابة الثورة السورية، فالانكفاء الأمريكي أفسح المجال واسعا للتدخل للاعبين أساسيين كروسيا وإيران، وهو أمر أدركته هذه القوى جيدا، بينما تردد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وأحجموا عن التدخل بانتظار قرارات أمريكية لن تأتي، وإذا كانت الولايات المتحدة قد حددت أولوياتها في المنطقة بحرب الإرهاب العابر لحدودها، وتأمين الاستقرار فلن يعدو تدخلها في المنطقة عن دعم أي قوة استبدادية قادرة على المشاركة في حرب ما يرهب أمريكا ويهدد مصالحها، وهي الآن ــ هنا تنظيم الدولة الإسلامية لا غير.