قضايا وآراء

ما بعد الدعشنة

1300x600
حشدت أكثر من 60 دولة طاقاتها الإعلامية والسياسية والعسكرية بهدف القضاء على تنظيم الدولة، وكأن تنظيم الدولة دولة عظمى تمتلك إمكانيات عسكرية وعلمية لا يمكن القضاء عليها دون هذا الجمع الدولي.

ويغيب عن هذه القوى الدولية أن تنظيم الدولة يمثل حالة فريدة للتطرف الذي نما وترعرع في ظروف موضوعية سياسية واجتماعية تمر بها المجتمعات العربية، وتُوِّجت هذه الظروف مؤخرا بحوادث عنيفة عصفت بالمجتمع العربي عصفا حتى طفا على السطح ما يسمى "الطفرة الداعشيّة".

وتتوهم هذه القوى - لا ندري عن حسن أو سوء نيّة - أن ظاهرة التطرف المتمثلة بداعش يمكن القضاء عليها عسكريّا، بينما تشير حركة التاريخ لخلاف ذلك، إذ إنّ النظامين السوري والعراقي الاستبداديين وممارساتهما الطائفية كانا البذرة الرئيسة للتطرف الداعشي، وتصدع هذان النظامان لاحقا نتيجة الثورة الشعبية، وغياب القبضة الأمنية ساعد على علو كعب التطرف.

وتتجاهل القوى الدولية حقيقة أنَّ التطرف استثمر هذا الاستبداد السياسي والقمع الدموي ضد المكوِّن السني، إذ دفع الاستبداد الصراع عن عمد نحو الهاوية الطائفيّة كملاذ أخير للخلاص من مطالب الثورة الشعبيّة، ووجد عدد من أبناء السنة أنفسهم مدفوعين دفعا نحو التطرف، وأمام الوضع السوداوي وجدوا ضالتهم المنشودة في تنظيم الدولة، إذ اعتبروه ملاذا للخلاص، ولا سيما أن كافة الانفراجات السياسية بدت محكمة الإغلاق.

وتتضاءَلُ أمام هذه الحقائق إمكانيةُ تجفيف البذور الداعشيّة بالقوّة العسكريّة وحدها، فبإمكان هذه القوى الدوليّة القضاء على تنظيم الدولة دون كل هذه الحشود، وبإمكانها محاصرته أمنيّا لحين، لكن من المُحال القضاء على الفكر الداعشي دون القيام بعمليّة إصلاح سياسيّة حقيقيّة ترتكز على رفع المظلوميّة التي شكّلت حاضنة وأرضية خصبة للتطرف.

ويؤكدُ هذه الحقيقة كل مُتَتبع للخطاب الداعشي، سواء كان على المستوى الديني أو السياسي الممتزجين حد التماهي، فآلية التفكير الداعشي، والعناصر المنضوية في داعش تتغذى من المظلومية التي يتعرض لها العرب السنّة.

فتنظيم الدولة نتيجة طبيعية لحالة اليأس والإحباط للشباب العربي السني، وأسهم الغرب ويساهم بدفع العرب السنّة نحو هذا المنزلق عندما يركز على معالجة النتائج دون العمل على إزالة ومعالجة الأسباب التي أفضت لهذه النتائج، فاليأس الذي أصاب الشباب العربي لا يتعلق بهزيمة سياسيّة، إنما يتعلق بمسألة وجوديّة.

فيؤمن جل المنتسبين لتنظيم الدولة أن صراعهم يأخذ طابعا وجوديا، فالأمر الآن تجاوز قضية المظلومية والاستبداد السياسي، فبات قسم - لا بأس به - من العرب السنة في سوريا والعراق يتوجس من ضياع هويته، بل يذهب قسم منهم للاعتقاد أن هناك مؤامرة تشارك فيها قوى إقليمية ودولية تستهدف الوجود السني.

وساعد على هذه النظرة السوداوية انسداد الأفق السياسي وتخبط المجتمع الدولي في ترسيخ وتجذر هذه القناعة عند أهل السُّنة، حقيقة جعلها تنظيم الدولة عند عناصره يقينا لا يقبل الشك.

ومن هذا الواقع المُرّ نرى عبثيّة هذا الحشد العسكري الدّولي على المدى البعيد ما لم يتزامن بانفراجات سِياسيّة تستند لمشاركة كل المكونات في الحكم دون إلغاء، فضلا عن محاسبة المجرمين الذين أججوا الصراعات الطائفية بجرائمهم ومظالمهم.

ومما لا شك فيه أن القضاء على داعش عسكريا قادم، وسيكون أسهل مما تتصوره القوى الدولية التي تؤخره حتى الآن لغاية في نفس يعقوب، لكن ذلك - بلا شك أيضا - لن يؤدي لفناء الفكر الداعشي، بل سيمهد، إن استمر سالكا هذا الدرب، لولادة حركات وتنظيمات جهادية أشد تطرفا من تنظيم الدولة، ليس في سوريا والعراق وحسب.

وبالتالي تقف المنطقة أمام خيارين: خيار تزامن العملية العسكرية مع عملية سياسية تفضي لإنهاء الظلم وبالتالي تجفيف ينبوع التطرف الرئيس، أو خيار الحل العسكري مع الإبقاء على الوضع الراهن وعندها سنترحم على تطرف داعش، ونقول: رحِم الله النباش الأول.