قضايا وآراء

معركة التنوير.. زليخة.. مروان.. الجمعية وآخرون!!!

1300x600
ليس مجرّد فزعة ولكنها استراتيجية ممنهجة، تواطأ عليها العلماني، والقومجيك، واليسار كله، مع الاستبداد والفساد، في عقابيل ثورات الربيع العربي، وما أفرزته قوى المجتمع، وما عكسته نتائج الصناديق، من إبراز للروحيّة الإسلامية، وجاء الاستنتاج الرسمي للديمقراطية بناء عليها ملخصا بالقول:

"إن الأمة رغم ما يزيد على مئة عام من النخر والهدم والإفساد والسلخ، ما زالت تنبض بالإسلام، وتتنفس بالدين، وتهوي مكنوناتها النفسية نحو تقريرات السماء، لا اقتراحات التراب". فكان مكر الليل، بدءا بانقلاب السيسي في مصر، والحوثي في اليمن، والحفتري في ليبيا، والفوضوي الداعشي في العراق، والمتواطئ في سوريا، والقانوني في الأردن!!

وصف السيد مروان لزليخة، بأنها كاتبة تنويريّة ومربية فاضلة، يعبر عن رأيه، وهو محل احترام، لا محل تسليم، إذ لغيره الحق في تقييمها من زاوية نظره المختلفة، ولربما عكس تقييمه اتجاه الحكم، أو ألغاه من الأساس!!

ليس من حق السيد مروان المعشر ولا زليخة، ولا بسام حدادين، ولا خالد الكلالدة، ولا أشياعَهم، أن يفرضوا على الناس مفهومهم الخاص للتنوير، وهم لا يملكون التأهل الواجب الذي يسمح لهم بتقديم تعريف جديد للإسلام، فمرجعيتنا –كمجتمعات- مسلمة في تعريف المصطلح وتوليده، نصوص الشريعة القطعية، لا أهواء وأمنيات مبعثرة، في رؤوس البعض هنا وهناك!!

السيدة زليخة التي ينتصر لها السيد مروان، لم تُوجِّه نقدها للتفسيرات الضيقة للدين -كما يزعم- ولم تتناول نصًّا بعينه هو محل خلاف، لتُقدّمَ فيه قراءتها العصرية، مَشفوعة بالبراهين والأدلة المنطقية أو الشرعية، ولكنها عمدت إلى عنوان النص وواجهته، ودمغته جملة بالإرهاب والانغلاق والتعصب.

فالقرآن كوحيٍ، معجزٌ مبدعٌ محفوظٌ من التحريف، وهي حقيقة لا يختلف عليها اثنان في الأمة -ولا ينبغي ذلك- لكن هذا الوحي لا يوجد في فراغ، ولا يتجلّى في العدم، ككل الأشياء والأفكار والمبادئ والتعاليم، ولابد له من إطار حافظ، وبيئة تجسيد، ولم يوجد في تاريخ الأردن بيئة أصفى وأنقى من بيئة جمعية المحافظة على القرآن الكريم.

الفرق شاسع جدا بين التّبرُّم بالفهم الضَّيق للدين، وبين الدعوة إلى الفهم الخاص الواسع الفضفاض، والمسافة كبيرة بين مفهوم الانفتاح المزعوم، والانفلات المطلوبُ وترعاه، مؤسسات وقوىً باسم التنوير والحداثة.

وإن كان السيّد وزليخة وأشياعهم -ممن يتوهَّمون أنهم نُخبة- يتبرَّمون بالاحتكار المزعوم للدين، من فئات معينة هي محل استهدافهم، فإن من حق قطاعات المجتمع الواسعة الأخرى، أن تتبرّم منهم، وأن ترفض الاعتراف لهم بالنُّخبوية، وتعترض على احتكارهم -وهم باعترافه الأقلية- لحق تعريف الدين والجهاد والتنوير والحداثة!!

الفهم القاصر المُجتَزأ للنص الصريح -وهو محل رفض من الأمة- هو الذي أنتج الفكر الداعشي بصورة منهجية، وقذف به في وجه المجتمع، تحت رعاية رسمية، لقوى محلية وإقليمية وعالمية، لتحقيق مكاسب سياسية، تخدم المشروع الاستبدادي، الذي يقف في صف الخدمة للوجود الصهيوعلمني في المنطقة! وهو ذاته الذي أنتج الداعشية العلمانية، والتي تجمع القومجيك واليسار كله، والفساد المتحالف مع الاستبداد ذاته، لخدمة المشروع ذاته الذي يستهدف هوية الأمة السُّنية -تحديدا- من خلال استهداف النص الأصيل وواجهاته!!

ولم يُخفِ السيد المعشر تأييدهُ لزليخةَ في أن مراكز التحفيظ هذه، هي التي تحتضن خطاب الكراهية ضد الآخر، لمجرد أنه مختلف في الدين أو العرق أو الجنس أو الإقليم أو البلد أو اللون أو الطائفة، مع أن هذه المراكز تصرف جهدها لحفظ النص مجرّدا، وتهذيب السلوك على أساسه، وهو الذي ينص صراحة على احترام الآخر، وتأكيد حريته المطلقة في الاعتقاد والسلوك، وتلقين النشء بالحرف أمثال هذه النصوص: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)}، وقوله: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}، وقوله: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ، فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}.

هل يسمح لي السيد المعشر أن أسأله، ولا أحب الاسترسال في الاستدلال وإيراد النصوص: هل تملك العلمانية وقيم الديمقراطية التي يؤمن بها هذه المرونة؟ وهذا الانفتاح الذي جاءت به النصوص الصريحة؟! وهل أطاقت قيم الحداثة التي يدعو لها، اختيارات الشعوب في دول الربيع المُنْقَلَبِ عليه؟!

وهل يملك أن يقدّم لنا بالأرقام عدد ضحايا الإكراه في التاريخ الإسلامي مقارنا بالتاريخ الصليبي، في العصور الوسطى، أو محاكم التفتيش في الأندلس؟ وهل يملك أن يقدم لنا أعداد ضحايا الكراهية الدينية طيلة الحقبة العثمانية، مقارنة بالحقبة الاستعمارية، رغم الفارق في المدى الزمني بينهما؟ أو أعداد ضحايا الإرهاب الداعشي، مقارنة بضحايا الداعشية الديمقراطية العلمانية الحديثة، عربية أو غربية، طيلة حقبة ما بعد الاستقلال إلى اليوم، مرورا بأفغانستان والعراق والصومال ومالي وبورما، وسوريا والجزائر.. إلخ؟!!

لقد تعرضت المناهج التربوية تحت ضغط الإرهاب والتضليل الفكري، الذي تمارسه القوى العلمانية الداعشية -وهي المتحكم الحصري بإدارة الدولة منذ نصف قرن تقريبا- للكثير من التشويه والعبث والتفريغ من القيم، لكن هذا -كما يبدو- ما زال لا يرضي غرور هؤلاء، وهم يأملون لو استطاعوا إلغاء تدريس التربية الإسلامية والتاريخ والسيرة من أساسه، وفي هذا السياق يأتي هذا الهجوم السافر الممنهج، على أنزه مؤسسة وطنية تعمل الترشيد الجيل وتنقية الفكر، وتعزيز قيم الإسلام التي طالما تشدّق هؤلاء بتبجيلها واحترامها وتقديرها، وهم في الحقيقة يعملون لهدمها، باستهداف كل مؤسساتها الراعية لها، حتى التي يشرف عليها النظام نفسه!!

ما ينبغي أن يفهمه دعاة العلمانية الذين يجزمون أن مفاهيمهم ستنتصر في النهاية، أن هناك جزما مقابلا، يؤكد أن روح الأمة ستنتصر، وستعلو قيم الشريعة، وستفرض قيم الوحي التعريفات الصحيحة للمصطلحات، وستعطي الحداثة والتنوير والعصرية معانيها الحقيقية، بعيدا عن الشذوذ والارتكاس والانحطاط الأخلاقي.

إن تعريف التنوير والحداثة على أنها الإباحية وتشييع ثقافة البكيني والملاهي والسفور والاختلاط والمثليّة، والهتك المتعمد لقيم الفضيلة بذريعة الحرية والتسامح تعريف يصادم ثقافة الشرق وثوابت الأمة، وقطعيات الدين، وتشريعات السماء في كل الأديان السماوية لا الإسلامية وحدها، وهو ما تأباه الأمة، ويستنكره وعيها العميق، وتشمئز منه طهارتها الروحية، ولن يُكتب له الفلاح أبدا، وفي السياق التاريخي لهذا الصراع العبثي الذي استنزف الأمة، والمفروض بالإرادة الغريبة والمتواطئة معها، خير دليل وبرهان على ما ذهبنا إليه!!