كتاب عربي 21

حكومة تبّولة لإخراج لبنان من الملحَمة

1300x600
لعل أسوأ ما في لبنان هو أجمل ما فيه.. المبالغة الإكسترا شوفينية التي تجعل السياسيين فيه يكذبون بوقار على أنفسهم قبل غيرهم، فيصدّقون أنهم مسؤولون عن بلورة توازنات المنطقة، ومؤثّرون في اتجاهات المواقف الدولية حيال حوض المتوسط. تساعدهم على امتلاك هذه الروح المعنوية جموع "الزقّيفة" و"القوّيصة" الذين جُبِلوا على الاستزلام بشموخ، فهُم تبَع لِتَبَع التَّبع، لكنهم ينفشون بريشهم يوميا في المقاهي الرخيصة – نظرا لتفشي البطالة – ويتذمرون من كامل الطبقة السياسية التي نقلت البلاد من الحافة إلى ما تحت تحت الحافة.

اجتمعت معظم الأحزاب السياسية في حكومة سعد الحريري تحت شعار "استعادة الثقة"، فنالت ثقة مجتزأة بداعي سفر بعض النواب لقضاء عطلة أعياد رأس السنة خارج البلاد، أو لتعمد بعض آخر التغيب عن الجلسة لتفادي إحراج عدم منح الثقة. مع أن توليد الحكومة استوجب أسابيع عديدة من العمل المضني والمشاورات الساخنة لتقاسم الوزارات العاجز معظمها عن العمل.

البيان الوزاري للحكومة الذي نالت على أساسه الثقة لم يترك طرفا محليا إلا وأرضاه ولم يستفز أي طرف خارجي، باستثناء الاحتلال الإسرائيلي طبعا، "فإننا لن نألو جهدا ولن نوفر مقاومة في سبيل تحرير ما تبقى من أراضٍ لبنانية محتلة وحماية وطننا من عدوٍ لمّا يزل يطمع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعية" قال البيان.  

الحكومة أكدت حرصها على "متابعة مسار المحكمة الدولية الخاصة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري"، مع أن هذه المحكمة اتهمت أشخاصا من حزب الله المشارك في الحكومة، فاقتضت الحكمة إتباع فقرة المحكمة الدولية بعبارة "بما لا ينعكس سلبا على استقرار لبنان ووحدته وسلمه الأهلي". وشدد البيان الوزاري على "ضرورة ابتعاد لبنان عن الصراعات الخارجية"، لكنه لم يشرح للبنانيين توصيفه لمشاركة حزب الله القتالية في حروب سوريا والمنطقة.

وفي جريمة إخفاء الإمام موسى الصدر في ليبيا، أكدت الحكومة أنها "ستدعم اللجنة الرسمية للمتابعة بهدف تحريرهم وعودتهم سالمين"، مع يقين الجميع بأن انهيار النظام الليبي عقّد مسألة كشف الحقيقة بشكل أكبر مما كان عليه. ولطمأنة المسيحيين شدد البيان الوزاري على سعي الحكومة بالتعاون مع البرلمان للعمل لإقرار قانون جديد للانتخابات النيابية، يراعي المناصفة بين المسلمين والمسيحيين ويؤمّن صحة التمثيل.

وهذا الأخير، إقرار قانون الانتخاب، هو الشغل الشاغل للطبقة السياسية والحوارات المفتوحة في الوقت الراهن، باعتبار أن الانتخابات هي التي تبقى أو تقصي الأطراف عن المشهد السياسي، وهي التي تدفع معظم الأطراف اللبنانية إلى تجميد ثوابتها السياسية، وربما الوطنية، في ثلاجة صندوق الاقتراع مرة كل أربع سنوات، مع ما يسبق الاستحقاق الديمقراطي من تعديلات قوانين ونسج تحالفات غير منطقية في الأغلب. 

أسموها حكومة استعادة الثقة، وتصح فيها تسمية حكومة "التبّولة" المتشكلة من ألوان شتى. وهذا التوصيف في وجهٍ آخر قد يختصر حسناتها كونها استطاعت أن تجمع هذه الخلطة في طبق واحد، علّ صحن التبولة هذا أن يجعل لبنان نباتيا خارج حفلة أكل اللحوم وشوائها من حوله.. علما أن البيان الوزاري، بدا كأن له ملحقا ضمنيا يغض الطرف عن لبنانَين متوازيَين أحدهما داخلي "تبّولة" وكأس خمر، والآخر خارجي "كبّة نيّة" في مَلاحم سوريا.