كتاب عربي 21

ليس بطلا!

1300x600
ليس عندي مشكلة، في وصف "أحمد ماهر"، أحد مؤسسي حركة "6 أبريل" بـ "البطل"، شريطة أن يكون هذا بهدف المكايدة السياسية للسلطة التي اعتقلته لمدة ثلاث سنوات، والحكم بوضعه تحت المراقبة لثلاث سنوات أخرى، فهذا أمر يمكن أن أتفهمه في سياق الدعوة للاصطفاف، فضلاً عن أنني لا أنافسه على البطولة ولا أنتوي هذا!

المشكلة في أن يصدق من أطلقوا وصف "البطل" أنفسهم، ويتمادوا في الأمر على نحو يجعل الموصوف وغيره يفلتون من مجرد الحساب البسيط، فمن يمكنه أن يحاسب من تم وصفه بـ "البطل"، على نحو كدت في هذه "الزفة" أعتقد أن من مات دون أن يصف عضو حركة "كفاية" بـ "البطل"، بُعث يوم القيامة وقد كُتب على جبينه آيس من رحمة الله، فحتى صديقنا الدكتور طارق الزمر، "أخذته الجلالة"، وزف إلى الأمة خبر أن "البطل على الإسفلت"!

وفي "الزفة المنصوبة"، لا صوت يعلو على صوت "الزعيم الضرورة"، فمن يطلب بوضع النقاط على الحروف، لا يريد أن يخرج من "عقدة 30 يونيو"، وهو يعطل المراكب السائرة، ويعوق مسيرة الاصطفاف، وهو يمد في أجل الانقلاب، دون أن تصلنا إشارة من "أحمد ماهر" ورفاقه بأنهم مع الاصطفاف، أو أنهم مع وحدة الثوار!

واللافت، أن الذين يقفون في وجه من يعلو صوته على صوت الزفة، يقدمون أنفسهم كما لو كانوا في احتفائهم بـ "البطل"، يقفون في وجه الاستبداد، في حين أنهم لا يدافعون عن حرية، ولا يستنكرون اعتقالاً، ولا يقفون في وجه السلطة، إلا إذا كان الضحية من شيعتهم، وشاهدنا هذا مع النفر الذي تم اعتقاله من فريقهم القومي، دون أن نجد لهم وجوداً يُذكر في ساحة الدفاع عن الحرية بشكل عام، وقد كادوا أن يقتلوا أنفسهم لسجن إسلام البحيري بتهمة ازدراء الأديان، في حين أن متهماً بنفس التهمة لا يزال إلى الآن في السجن؛ هو مجدي أحمد حسين رغم أن له قدم صدق في النضال، ورغم أن سجنه جاء انتقاماً من عبد الفتاح السيسي، في حين أن سجن البحيري لم يكن لأنه ضد النظام المستبد، وإنما لأن السيسي لم يعد يريد أحدا بجواره منهم وفي النهاية شمله العفو الرئاسي!

لن أتحدث عن آلاف المعتقلين من الإخوان، ولا عن النساء والأطفال في سجون الانقلاب العسكري، فهؤلاء خصوم سياسيون باعوهم في "محمد محمود" وتحالفوا مع العسكر، فهل تحالف مجدي أحمد حسين مع العسكر؟، وهل تحالف حازم أبو إسماعيل مع الجنرالات؟، وهل باعتهم أسماء البلتاجي في محمد محمود؟!

لا شك أن الحكم بوضع "أحمد ماهر" تحت المراقبة، هو حكم قاس ومتعنت، لكن الدكتور مجدي قرقر، خرج من سجنه أيضاً تحت المراقبة، ولم نر منهم هجوماً، ولم يكتبوا ولو الخبر المجرد ويعقبونه بعلامة تعجب، على هذه العقوبة القاسية ضد هذا المعارض الجاد، والأستاذ الجامعي!

فالحديث عن أن الدوافع وراء الوصف الذي جاء في أجواء احتفالية، محركها رفض السلطة، والهجوم على ممارساتها القمعية، أو للدفاع عن الحريات بشكل عام، هو كلام للاستهلاك المحلي، فليس لهم سابقة أعمال في مجال الدفاع عن الحريات العامة، فهو احتفاء بـ"الأهل والعشيرة"!

وخطورة هذه الأجواء، أنها تعفي من المساءلة السياسية، وقد تدفع بالموصوف "بطلاً" أن يظن أن بإمكانه أن يتعامل على أنه بات مغفوراً له وأنه فوق المحاسبة السياسية، على أداء ألقي بالوطن في التهلكة، وكان من جرائه هو هذا الحكم القاسي الذي صدر ضده، فلو كان الحكم المنتخب هو القائم في مصر لما تجرأ وحبس النشطاء السياسيين، لكن هذا حدث في عهد الانقلاب العسكري، وفي ظل حكم الثورة المضادة، التي تماهى معها "البطل" ورفاقه، فكان من الطبيعي أن تنتقم منهم، وتضع كل من شارك في ثورة يناير في خانة العدو!

وقبل أن يلجأ أحد من الذين يقومون بإحياء الليلة وينصبون حلقة ذكر للبطل، إلى الحل السهل والحديث عن أن من يقودون الحملة على الفتى هم الإخوان، فقد كان بيني وبين الإخوان ما صنع الحدادون في مصر والشرق الأوسط، وبيني وبين الدكتور محمد مرسي وعامله على مجلس الشورى قضية تتداول أمام المحاكم، بينما كان "أحمد ماهر" حليف هذا الحكم، والعلاقة بين الإخوان وبينه جيدة، ويقال أن الحكم الإخواني عرض عليه منصب وزير الشباب في رواية، وفي رواية أخرى أنه من طلب المنصب لكنهم ضنوا به عليه، لكن ظلت علاقتهم  إلى قبل وقوع الانقلاب بأسابيع قليلة كالسمن على العسل، وكان هو نجم فضائية "مصر 25" المحطة التلفزيونية للجماعة، التي لم أظهر على شاشتها مرة واحدة، وإذ حاول الزميل أحمد عطوان إقناعي بقبول دعوته بالظهور عليها، فقد اختفي في ظروف غامضة!

دعك إذن من فيلم الإخوان، الذين يكيدون للبطل كيدا، ولنبق مع البطل ذاته، وقد انحاز للانقلاب العسكري، وإذا كان هناك ممن مثلوا غطاء ثورياً للثورة المضادة، انخرطوا فيها بحسن نية وسلامة طوية، فإنه لم يكن من هؤلاء، وكتب: "نعم كنا نعلم"!

ومع هذا فقد كان من الوفد الشبابي، الذي التقى مع "المؤقت" عدلي منصور، واقترح عليه أن يسافر للخارج لإقناع الأمريكيين والأوربيين بأن ما جرى كان ثورة وليس انقلاباً، وقد دب الخلاف بينهم كما هي العادة، عندما تكون هناك دعوة للسفر،  وقد بدأت الخلافات بتشكيل حركة (6 أبريل) ومع أول دعوة وجهت لإسراء عبد الفتاح من السفارة الأمريكية، وعلى ذكر المذكورة فقد كانت من أول الداعين لاستبعاد "أحمد ماهر" من معسكر 30 يونيو، والآن وقد ألقى بهم العسكر عند أول منعطف، كتبت تزف البشرى العطرة بأن البطل أحمد ماهر على الإسفلت!

لقد طلب النشطاء البواسل السفر، لإقناع الغرب بأنها ثورة، ورفض الإنقلابيون أنفسهم هذه الخطوة فقد كانوا يريدونهم لمسافة السكة، ولمهمة محددة، ثم كانت قضية التمويل الأجنبي التي ترعب الكثيرين منهم، مع التهديد بفتحها في أي وقت!

ومع قوله "نعم كنا نعلم"، فقد استهل يوم 3 يوليو ، وهو يوم الزينة، وظهور السيسي ببدلته العسكرية متصدرا المشهد، بالكتابة على صفحته على "الفيس بوك" معلناً أنها الثورة، وأنه التحرك الذي جاء ليحمي مكتسبات ثورة يناير!

لقد كانت بداية انتهاء المهمة عندما أقر الانقلاب قانون تنظيم التظاهر فكانت الدعوة لمظاهرة أراد بها القادة المشاركون ذر الرماد في العيون، وهم الذين يعتبرون أنفسهم ممثلين لثورة يناير، لكن لأن النظام العسكري غشيم بالفطرة فقد تم القبض على عدد من صغار المتظاهرين، وهنا تحرك القادة ليقدموا أنفسهم على أنهم متهمون مثلهم، وكانوا يظنون أنها حركة ستغلق الملف، فرصيدهم عن العسكر يسمح، لكن كان التصرف غير المتوقع هو إخلاء سبيل الصغار وتقديمهم هم للمحاكمة، وهو تصرف لا تقدم عليه سلطة رشيدة، لكن الأنظمة العسكرية تفتقد بطبيعتها للرشد، وكان شهدي عطية في سجون العسكر يظن أن عبد الناصر سيأتي إلى السجن ليخرجه منه ويؤدب الذين اعتقلوه، وقد تعرض للتعذيب وهو الذي كان يرى أن حركة الضباط هى ثورة تقدمية ضد الإمبريالية، ومات تحت السياط ولم ينقذه عبد الناصر، الذي كان مؤيداً لاعتقاله بطبيعة الحال!

لقد شارك "أحمد ماهر" ورفاقه في الانقلاب على أهم ثورة حدثت في مصر في التاريخ الحديث، بانتهازية كاشفة عن افتقادهم للاستقامة السياسية، ولا يجوز لنا أن نقف عند ذلك لأن السيسي ليس فقط حاكماً عسكرياً مستبداً، ينتمي للثورة المضادة بالممارسات والموقع الوظيفي، ولكنه خطر على الأمن القومي المصري، ومن هنا فلابد من الالتفاف لعودة الجيش لثكناته وهذه المهمة لن تقوى عليها قوى بمفردها، لكن لابد من ذكر الجريمة على قواعد استخلاص العبر، فلا مستقبل لمصر إلا بإقامة حياة ديمقراطية سليمة، ولا أمان للمستبد ولو صفا. ولا بد  كذلك – من ذكر كل من أجرم في حق الثورة بجريمته، ومن أجرم لا يمكن أبداً أن يوصف بـ"البطل"، فلم يكن فيما فعله بطولة، فقد أدخل على الثورة كل زناة الليل، وكان يعلم!

ومهما يكن فقد فعل "أحمد ماهر" السوء بجهالة ثم تاب من قريب، والجهل يختلف عن الجهالة.
فعود حميد لمعسكر الثورة، لكنه ليس بطلا!

سطور أخيرة:
كانوا يقولون أن من يحكم مصر هو عدلي منصور، وكنا نرد عليهم بأن الحاكم هو السيسي، وكانوا ينفون ذلك، الآن يقولون في دعايتهم أن عبد الفتاح السيسي هو من سجن "أحمد ماهر"، مع أنه سجن قبل أن يحكم السيسي وفي ظل عدلي منصور. إذن قل سجنه عدلي منصور، ولا تقل سجنه السيسي؟!