مقالات مختارة

تقرير ستورا.. خطوتان إلى الوراء

عمار يزلي
1300x600
1300x600

كما كان متوقعا، لم يُحدث تقرير “ستورا” حول ما يسميه الجانب الفرنسي بـ”الذاكرة”، عندما يتحدَّث عن جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر طيلة 132 سنة، أيَّ اختراق، بل زاد من الحرق إحراقا.

لقد بات اليوم معروفا أن التاريخ السياسي لا يكتبه المؤرخون بطلب سياسي. الفرق كبيرٌ بين كتابات “بنجامين ستورا” التاريخية حول الجزائر والحركة الوطنية، وهو اليهودي اليساري وليد الجزائر ما قبل الاستقلال، وما بين تقريره السياسي حول تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر.. كالفرق بين “بن يامين” و”إستورا”.

ما تسرَّب للإعلام من التقرير الذي طالما بشر به “ماكرون” الجزائر واليمين الفرنسي أنه سيساهم في حل القضايا العالقة من “الذاكرة” بين فرنسا والجزائر، لم يعمل سوى على مقاربة “صلح بالتراضي”: أن تقبل الجزائر بنسيان مطالبة فرنسا بالاعتراف بجرائمها، ليس لأن فرنسا لا تملك ما تعوِّض به الجزائر في حال الاعتراف، حتى وإن كان ذلك صحيحا، بل لأن الاعتراف يقضُّ مضجعها وماضيها التاريخي والجغرافي وهي الحاملة للواء “الحرية والعدالة والأخوَّة”.. هذه الصورة ستنمحي إلى غير رجعة عندما يعود الأرشيف كاملا، إن عاد، وسيظهر وجه فرنسا البشع الذي يحاول اليمين وحتى اليسار “برنقته” وتزيينه بمسحوق تجميل لجراحة تجميلية قبيحة.

تقرير ماكرون، حتى لا نقول تقرير ستورا، محاولة لإرضاء اليمين الفرنسي أكثر من محاولة الاستجابة للمطالب الجزائرية: أربعة عناصر منه تؤكد كم أن التقرير كان عبارة عن مطالبة الجزائريين نسيان مطالبهم، والركون إلى “صلح بالتراضي” يكون فيه الطرف الفرنسي هو الراضي والطرف الجزائر هو القابل: الطرف الأول يرضى بقبول القليل من التنازلات، ويقبل الطرف الثاني بالتنازل عن الكثير إن لم يكن الكل. أربعة عناصر توضح كم هو غامض تقرير ستورا.. وكم أنه كلما رمينا خطوة للأمام، عادت بنا خُطى فرنسا خطوتين إلى الوراء.

ـ ما تضمنه التقرير إياه، هو وضع الحركى: منح الحركى وعائلاتهم حق التنقل بين البلدين: هذا الإصرار على معالجة ملف خونة الثورة من زاوية إنسانية، ليس مشكلا لو توفرت الإرادة السياسية الفرنسية، لكن عندما تُجتزأ الأمور ويصبح مطلب بسيط أمرا ملحّا عندهم، فهذا يعني أنهم يبحثون عن شكليات للحل فقط لا جوهر المسألة.

ـ تحديد 25 سبتمبر يوما سنويا لتكريم الحركى: من جديد.. ملف الحركى.. تركيز عليه وكأنما هو مطلب باعتراف الجزائر بـ”جرائمها” ضد فرنسا وضد المتعاونين معها ونسيان جرائم فرنسا ضد شعب بأكمله.

ـ تنصيب لجنة من مؤرِّخين حول عمليات اغتيال فرنسيين بعد الاستقلال. يعني أن المتهم هو الجزائر والمعتدي هو هذا البلد الذي فقد أكثر من 5 ملايين من شعبه طيلة الإبادة الفرنسية قرابة قرن وثلث قرن.

ـ ثم النقطة الرابعة: إعطاء مساحة أكبر لتاريخ فرنسا في المناهج الدراسية. هذه هي التي قالت لهم أرقدوا.. يعني أنه علينا كجزائريين أن ندرِّس التاريخ الفرنسي في الجزائر من وجهة نظر فرنسا التي تقول إن فرنسا جاءت لتُخرجنا من البربرية والتوحُّش ومن النور إلى الظلمات وأنه لولاها ما كنا لنكون.. هذا ما يريده التاريخ السياسي الفرنسي باسم المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا، الذي قدَّم التقرير بما تهوى أنفس اليمين والرئيس ماكرون: إنه إنكارٌ وإذلال جديد ألعن من السكوت.

للإشارة: الجزائر تحت حكم بوتفليقة/أويحيى، كانت قد شرعت في تجسيد هذه المطالب، خاصة ملف الحركى والأقدام السوداء والاحتفالات المشتركة والتعليم.. بن غبريط كانت العرّاب الفرنسي لدى حكومة عرب وبربر الجزائر.

 

عن الشروق الجزائرية

1
التعليقات (1)
ناصحو أمتهم
الأربعاء، 03-02-2021 01:35 ص
وما الذي يدفع المحتل للاعتذار عن اجرامه المتواصل طالما أعوانه يحكمون قبضتهم على البلد منذ انقلاب 07 رجب 1412 على الانتخابات ؟ إن فرنسة الأذهان والألسن والأذواق وتزييف الذاكرة بفرض العملاء أبطالا وطنيين للضحايا لهي جرائم أخطر من سفك الدماء والحرق الجماعي ونهب الثروات وتدمير البيئة. يوم يحكم الجزائر وكل المغرب العربي الأحفاد الأصلاء للمحررين تعطي فرنسا كل الحقوق عن يد وهي صاغرة. أما وكل النخب الحاكمة اليوم في دويلات المغرب العربي تتنافس و تتهافت بحنين اسطوري على حضن المحتل المجرم، فهذا الأخير ليس فقط لا يجد نفسه مضطرا لتقديم أي تنازل يخص جرائمه خلال مرحلة الاحتلال المباشر بل هو ماض في العقود الثلاث الأخيرة في العمل على محو الهوية الثقافية الحضارية العربية المسلمة لكل الإقليم.