قضايا وآراء

شكرا دولة السودان الشقيقة!

1300x600

جاءت تصريحات وزير الخارجية السوداني السيد/ إبراهيم غندور، الاثنين الماضي، لشبكة أخبار "روسيا اليوم" لتضع بعض النقط على بعض الحروف التائهة في طبيعة العلاقة التاريخية بين شعب وادي النيل (مصر والسودان)، حيث أعلنها الرجل صراحة بأن دولة السودان مستفيدة تماما من بناء سد النهضة الإثيوبي، الذي سيمنع عنها فيضان النيل الأزرق الغاضب، والذي يغرق البلاد في كل موسم صيفي؛ مدمرا أمامه معظم البنية الأساسية والزراعية بمعظم الولايات الشرقية.

كما أن وقوع سد النهضة على مسافة لا تزيد عن 120 كم جنوب سد الرصيورص السوداني؛ سيمكن السودان من تخزين جزء من حصتها السنوية التي تبلغ 18.5 مليار متر مكعب؛ داخل بحيرة سد النهضة، بدلا من تقديمها كسلفة مجانية للدولة المصرية عن طريق تخزينها ببحيرة ناصر، مؤكدا أن دولة السودان تعودت على تفريغ سدودها على نهر النيل، بالإضافة لخزان جبل الأولياء، كل عام؛ قبل حلول أشهر الصيف، لتتمكن من استيعاب الفيضان الجديد القادم من إثيوبيا. وهذا يعني قرابة (5-6 مليار متر مكعب) تُستقطع من حصة السودان لصالح بحيرة ناصر سنويا.

وزير الخارجية السوداني أعلنها صراحة بأن دولة السودان مستفيدة تماما من بناء سد النهضة الإثيوبي، والذي سيمنع عنها فيضان النيل الأزرق الغاضب

رافقت تصريحات وزير خارجية السودان حملة إعلامية سودانية لشحن مزيد من الكراهية بين الشعبين، حيث ساد الإعلام السوداني مؤخرا اتجاه لشيطنة مصر، شعبا وحكومة، وطفا بين يوم وليلة "عمرو أديب السوداني" و"أحمد موسي السوداني" و"وائل الإبراشي السوداني"؛ على سطح الإعلام السوداني، مدافعين دفاع الأشواس عن حقوق السودان التاريخية المهدرة بسبب علاقة الجوار مع الجارة الشمالية (مصر).

جاءت الحملة الإعلامية السودانية لشيطنة مصر؛ كمبرر لحكومة عمر البشير ليفسر للشعب السوداني أسباب مساندة حكومة السودان للموقف الإثيوبي خلال كامل مسار المفاوضات الثلاثية، والتي ستؤدي حتما خلال المستقبل القريب لتعطيش مصر وإفقار شعبها. فبين يوم وليلة، بدأ التاجر المفلس يبحث في الكتب الصفراء عن أي شيء يساند ويبرر موقفه تجاه الجارة الشيطانة القابعة في الشمال؛ ليحلل لنفسه حق الارتماء في أحضان إثيوبيا أكثر وأعمق.

فشيطنة مصر، الشريكة الحضارية لأهل جنوب الوادي منذ بدء التاريخ الإنساني بهذه المنطقة؛ هو السبيل الأوحد لتمزيق كافة الوشائج الحضارية والثقافية المتجذرة في أعماق صدور أبناء الوادي بشماله وجنوبه، والتي من أجلها جاء السيسي في مصر والبشير في السودان ليتحالفا، بغبائهما، في إحراق ما تبقى من تلك الجذور، ونزعها من أعماق صدور أبناء وادي النيل.

انشغل السيسي وحكومة الانقلاب منذ وصوله لحكم مصر على ظهر دبابة؛ بمساندة أي حركة انقلابية ضد مصلحة السودان

فعلى الجانب المصري الحكومي، انشغل السيسي وحكومة الانقلاب منذ وصوله لحكم مصر على ظهر دبابة؛ بمساندة أي حركة انقلابية ضد مصلحة السودان، سواء من حركات دارفور أو جنوب السودان، حتى صارت العلاقات بين السيسي وسلفاكير ميارديت؛ أشد قوة ومتانة عن علاقته بالرئيس عمر البشير.

فمصر السيسي قدمت الكثير من الدعم الاستراتيجي لدولة جنوب السودان على مختلف المستويات؛ منذ نزع تلك الدولة عن الجسد السوداني العربي عام 2011، حيث بادرت القاهرة بإرسال أكبر قوة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة هناك، كما تولت تنفيذ مشروعات تنموية في مجالات التعليم والصحة والمياه والبنية التحتية، فضلا عن التدخل في ملفات أمنية وعسكرية عديدة. وأخيرا، عقدت جلسة صلح بين قيادات الفصائل المتناحرة من الحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة جنوب السودان؛ وإقناعها على توقيع وثيقة "إعلان القاهرة" لتوحيد الحركة وإعادة الأمن والاستقرار لدولة جنوب السودان.

ومع كل هذا الحب والعشق السيساوي لدولة جنوب السودان، نجده على الجانب الغربي للسودان؛ يدعم المتمردين بمقاطعة دارفور، حيث اغتنم الجيش السوداني عددا كبيرا من العربات المدرعة والمركبات المصرية التي استخدمها متمردو دارفور خلال هجومهم الفاشل على الجيش السوداني بولايتين بغرب البلاد، قبل عدة أشهر مضت، ثم تبين حصول هؤلاء المتمردين على تلك المدرعات المصرية عن طريق حكومة اللواء خليفة حفتر بليبيا، والذي يعمل كـ"كوبري" لإيصال الدعم السيساوي لمتمردي دارفوار. فالسيسي الذي يلعب دور حمامة سلام بدولة جنوب السودان، المعادية لدولة السودان العربية، نجده يلعب دور ثعبان متخف تحت رمال صحراء دارفور، منتظرا اللحظة المناسبة لطعن دولة السودان الشقيقة، وتمزيق أي وشائج تربط أبناء شعبي وادي النيل.

يعتقد السيسي أنه بطعن دولة السودان من جهة دارفور فإن هذا سيجعل السودان أكثر تضامنا معه في ملف سد النهضة، تضامنا ليس مبنيا على أساس الأخوة والوفاء بين شعبي وادي النيل، بل على أساس الخوف من غدر الجار الشمالي. وهذا هو الجوهر المجرد للفكر العسكري المصري الذي يجيد فن خطف المعارضين له داخليا وإخفائهم قسريا، وفي الخارج يجيد فن التآمر، حتى وصل تآمره إلى متمردي "البوليساريو"، ليكيد للمملكة المغربية مقابل الحصول على سفن الغاز الطبيعي من دولة الجزائر بسعر منخفض.. إنها العقلية العسكرية في قمة تخلفها الحضاري.

الموقف السوداني الحالي لا يخدم العلاقة الطيبة بين شعبي وادي النيل
ومن المؤكد أن الموقف السوداني الحالي لا يخدم العلاقة الطيبة بين شعبي وادي النيل، فسيسي السودان ليس إلا نسخة معدلة من سيسي مصر، وكلاهما ذات خلفية عسكرية لا تجيد غير التفريط في الأرض، سواء في تيران وصنافير، أو حقول غاز شرق المتوسط، أو التفريط في نصف مساحة الدولة لصالح متمردي جنوب السودان. عبد الفتاح السيسي وعمر البشير ليسا إلا وجهان لعملة الثقافة العسكرية العربية المتخلفة.

فكلاهما لا يجيد فن السياسية بالمجتمع المدني الحضاري، أو يتقبل فكرة التعايش السلمي مع الرأي الآخر، والعمل من خلال معادلة "مصلحتك هي مصلحتي"، بل وقعا ضحية مصيدة بطء الفكر وحدود الرؤية المستقبلية، والتخلف الثقافي والعلمي، وهي أهم الصفات الحاكمة للعقلية العسكرية العربية المتجمدة، والتي تحاول أن تلعب سياسية من خلال فوهة البندقية أو من خلال مؤامرات المخابرات.

على الجانب الآخر من الواقع المصري - السوداني "المر"، تستمر إثيوبيا في بناء سد النهضة، والذي سيحرم مصر بداية من الصيف القادم من كامل حصتها القادمة من نهر النيل الأزرق، والذي يمثل قرابة 65 في المئة من الـ55.5 مليار متر مكعب، أي نقص يزيد عن 30 مليار متر مكعب طيلة فترة التخزين، يضاف عليها "السلفة السودانية"، والتي كانت تتنازل عنها دولة السودان سنويا لصالح مصر أثناء تفريغ سدودها؛ استقبالا للفيضان الجديد، أي قرابة 36 مليار متر مكعب.

ولذا، لم يكن من المستغرب أن نقرأ الثلاثاء؛ خبر قيام والي ولاية النيل الأزرق السودانية بسحب 105 فدانات، عبارة عن استثمارات زراعية مصرية بالولاية التي تقع شرق مدينة الروصيرص، وتبعد 60 كيلو مترا فقط عن سد النهضة الإثيوبي، وذلك بحجة عدم قيام المستثمر المصري بتطوير تلك الأراضي على مدار الأعوام الثلاثين الماضية، وأن حكومة الولاية سوف تعرض تلك البقعة المصرية على مستثمرين أكثر جدية من المستثمر المصري غالبا (شركة أمطار الإماراتية). جاء هذا القرار ليخفي خشية الحكومة السودانية من قيام مخابرات السيسي باستغلال تلك الأراضي المصرية القريبة من سد النهضة الإثيوبي؛ في تنفيذ عملية تخريبية لسد النهضة انطلاقا من أراضيها، ما يجعلها في مواجهة عسكرية مع إثيوبيا.

وفي الوقت الذي تلعب فيه السياسة المصرية السودانية الإثيوبية أدوارا عدّة متناقضة ومتصادمة على سطح الخريطة الحدودية، حيث يقع سد النهضة، كان للجيولوجيا بالمنطقة قول آخر مختلف، حيث تأثرت المنطقة الحدودية الواقعة بين سد النهضة الإثيوبي وسد الرصيورص السوداني، الاثنين، بزلزال بقوة 4.3 درجة على مقياس ريختر؛ ليهز أساس تلك السدود، ولتعلن الأرض رفضها لما يحدث على ظهرها؛ من رغبة سياسية عنصرية إثيوبية في قتل الشعب المصري عطشا أو الشعب السوداني غرقا.