قضايا وآراء

البنك الإثيوبي لتصدير مياه النيل لمصر!

1300x600
في ظل المناخ السياسي والاقتصادي الكئيب الذي تعيشه مصر، بداية من فضيحة زبيدة وحادث قطار البحيرة، ومرورا بتلوث مياه الشرب بالإسكندرية، وصولا إلى شهادة الولاء للمرشح الرئاسي موسى مصطفى موسى، غفل الشعب المصري عن ثلاثة أخبار هامة جدا سوف تحدد مستقبل الدولة المصرية على مدى المستقبل القريب.

الخبر الأول جاء ضمن حوار خاص للسفير الإثيوبي بالقاهرة السيد تايي أثقلاسيلاسي لجريدة الوطن التابعة للمخابرات المصرية يوم 28 شباط/ فبراير، حيث صرح بالتالي "سيكون لدينا "بنك مياه"، وامتلاكنا لخزان المياه سيسهم في تصريف المياه إلى مصر خلال المواسم غير المطيرة، وسيكون دائما هناك مياه بدون نقص".

الخبر الثاني نشر في جريدة الشروق يوم 28 شباط/ فبراير، حيث صرح السيد جديون أصفاو، ممثل إثيوبيا في اللجنة الفنية لمفاوضات سد النهضة، بأن بلاده سلمت مصر رسميا خطة الملء بسد النهضة، والتي تصل إلى خمس سنوات.

الخبر الثالث نشر بجريدة الخليج الجديد يوم 1 آذار/ مارس، حيث يقول إن مصر تتكتم عن خبر تمويلها لمشروع خط الربط الكهربائي بين إثيوبيا والسودان، والذي سيتم عبر مد خطوط ربط من أربع دوائر كهربائية على جهد 500 كيلوفولت وبطول 1600 كيلومتر، وأن شركة "سيمنز" الألمانية هي المعنية بتنفيذ المشروع.

وأضافت أن دولة الإمارات العربية ستشارك الحكومة المصرية في تمويل هذا المشروع المكلف جدا، وأن وزير الخارجية الإماراتي سوف يزور دولة إثيوبيا الأسبوع القادم لمناقشة تمويل هذا المشروع.

انشغال المواطن المصري بالأحداث اليومية السيئة؛ أسقط عنصر رؤية المستقبل من دائرة اهتمامه اليومي، دون أن يدرك أن ما يخطط له اليوم هو المستقبل الذي سيعيشه ابنه وأحفاده بعد عدة سنوات من اليوم. فتبعات سد النهضة غدا سيكون تأثيرها على الجيل الجديد من أبناء مصر أكثر قسوة عن مما نعانيه نحن اليوم.

فذكر السفير الإثيوبي لمصطلح "بنك المياه الإثيوبي"، ولأول مرة في حديث صحفي، يظهر بوضوح لماذا تبنت إثيوبيا منذ عام 2011 مبدأ التصميم العدائي لسد النهضة، حيث تم تعظيم أبعاد وحجم سد النهضة ليلتهم عدة فيضانات متتالية مع السماح بخروج كمية ماء قليلة جدا، ربما لا تكفي حتى الاحتياجات المائية السنوية لدولة السودان، مع حرمان مصر بشكل نسبي من فيضان النيل الأزرق أثناء فترة التخزين.

وذكر المندوب الإثيوبي في اللجنة الفنية لمفاوضات سد النهضة تغيير موقف الدولة الإثيوبية لموقفها بشأن ملء بحيرة سد النهضة؛ ليكون خمس سنوات بدلا من ثلاث سنوات، يعني ببساطة وجود صفقة (سياسية- اقتصادية) تمت وراء الأبواب المغلقة بين السيسي وديسالين والبشير الشهر الماضي، وأن أهم ملامحها هو "تأسيس البنك الإثيوبي للمياه، وإنشاء خط الربط الكهربائي بين السودان وإثيوبيا تمهيدا لربطها مع مصر".

فبحيرة سد النهضة ذات الــ74 مليار متر مكعب كسعة حجمية تعني 100 مليار متر مكعب كسعة عمليا، وذلك بعد إضافة فواقد التبخر وفواقد الرشح في الفوالق الجيولوجية. فإذا صدق هذا القول، فهذا يعني ضمنيا خصم قرابة 20 مليار متر مكعب من حصة مصر سنويا على مدار خمس سنوات، بدلا من 33 مليار متر مكعب على مدار ثلاث سنوات.

كما أن زيارة وزير الخارجية الإماراتي لدولة إثيوبيا يوم 5 آذار/ مارس الجاري لمناقشة استثمارات دولة الإمارات في شبكة الربط (الإثيوبية- السودانية- المصرية) يظهر بوضح موقف دولة الإمارات الداعم دائما لقرارات السيسي، والذي يتيح للاستثمارات الإماراتية التحكم بشكل كلي في مقدرات الدولة المصرية المستقبلية.

وهنا عدة أسئلة تفرض نفسها على واقع اليوم تتطلب إجابة واضحة جدا من الحكومة المصرية؛ قبل توريط الأجيال القادمة في قروض إماراتية، أو حلول انبطاحية مع الجانب الإثيوبي قد تؤدي يوما قريبا لفقدان الدولة المصرية لسيادتها على المياه والطاقة في آن واحد:

السؤال الأول بشأن إعلان السفير الإثيوبي بالقاهرة عن ما يعرف بـ"بنك المياه الإثيوبي"، والذي هو قادر على توفير المياه في حالة احتياج مصر للمزيد. فهل المقصود هنا موافقة السيسي ضمنيا خلال لقائه الشهر الماضي على شراء المياه من إثيوبيا مقابل زيادة فترة ملء خزان بحيرة سد النهضة من ثلاث لخمس سنوات؟ فما كان لسفير إثيوبيا أن يذكر أمرا خطيرا كهذا دون وجود موافقة ضمنية من نظام السيسي المنبطح دائما أمام إثيوبيا. ولهذا تم إرسال صحفي جريدة الوطن الاستخباراتية لمقابلته والتمهيد لأمر هذا البنك.

السؤال الثاني بشأن الدور المريب لدولة الإمارات العربية في إنشاء شبكة الربط (الإثيوبية- السودانية)، والتي ستربط كهرباء سد النهضة مع شبكة دولة السودان أولا ثم مصر ثانيا. فهل هذا الاستثمار الإماراتي هو مقدمة لتدخل صندوق أبو ظبي للاستثمار، ومن ورائه إسرائيل، للسيطرة على الكهرباء القادمة من سد النهضة، وبالتالي على تصريفات الماء المولدة لها. وهكذا يكون السيسي قد وضع مياه وكهرباء مصر بيد دولة الإمارات العربية، الممثل الشرعي لمصالح الدولة الإسرائيلية بالمنطقة.

السؤال الثالث والأهم: ما سبب رخاوة الدولة المصرية في عهد السيسي؟ فلم يحدث حتى في أسوأ فترات الانحطاط التاريخي للدولة المصرية أن تنازلت  مصر عن حقوقها بكل هذه السهولة لجيرانها. انبطاح لم يسبقه أي انبطاح وهزيمة من قبل، حتى تكالب عليها الجميع كما تتكالب الكلاب على قصعتها.

فمتى كانت الدولة المصرية تسمح ببيع أراضيها مثلما حدث اليوم مع تيران وصنافير؟ ومتى كانت الدولة المصرية مستعدة للتنازل عن حقها التاريخي في النيل، سبب وجودها، مثلما حدث اليوم؟ ومتى كانت الدولة المصرية متسامحة لدرجة العبط مع دول ساحلية مثل قبرص واليونان وإسرائيل لتتنازل لهما على خيرات أراضيها البحرية؟ ومتى كانت الدولة المصرية مستعدة لبيع سيناء لتحقيق أمن دولة العدو مثلما هو حاصل اليوم في صفقة القرن؟

واقع الأمر يؤكد أن مشاكل مصر الحالية مع النيل والكهرباء والغاز وتيران وصنافير وصفقة القرن والقروض الخارجية المرتفعة جدا، جميعها ليست إلا أعراضا للمرض وليست هي المرض بذاته، وأن البحث عن حل لتلك المشاكل دون التنقيب عن السبب الأساسي لتلك الأعراض يعتبر نوعا من الاختزال العبثي للقضية وللأزمة الحضارية التي تمر بها الدولة المصرية.

ربط تلك الأعراض بعضها ببعض وتحليلها تحت منظار واقعي سيؤكد بكل وضوح نجاح الكيان الصهيوني، وبشكل حضاري، في استعباد وسخرية الشعب المصري على المدي القريب والبعيد، وأنه قد نجح تماما في حكم مصر من خلال "إيلي كوهين" جديد حقق لهم ما لم يحققه لهم الآباء الأوائل المؤسسون للدولة الصهيونية.