قضايا وآراء

حوار فلسطيني عقيم في روسيا

1300x600

جاءت النتائج الصادرة عن جلسات الحوار الفلسطيني المنعقد برعاية روسية في العاصمة موسكو؛ لتؤكد ما كتبناه وذهبنا إليه سابقاً، وفحواه أن الحوار لن يخرج بنتيجة إيجابية تجاه الملف الفلسطيني الأكثر حساسية وإلحاحاً؛ الخاص بالمصالحة وإنهاء الانقسام الذي لم يناقش أصلاً، نتيجة تفاهم ثنائي بين السلطتين في رام الله وموسكو، بينما تم التركيز على رفض صفقة القرن وكل الخطط الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية بما يتناقض مع القرارات الدولية ذات الصلة، وهو أمر لا يحتاج للسفر واللقاء في روسيا كونه محل إجماع من حيث المبدأ، مع خلاف معتاد طبعاً حول كيفية فعل ذلك.

الحوار عقد أصلاً نتيجة تلاقي الرغبات لأهداف خاصة بين السلطتين الروسية الفلسطينية، مع ترحيب وعدم ممانعة لحماس التي اعتبرته اعترافا بدورها وحضورها المركزي فلسطينياً، وأخيراً الحكومة المصرية التي تواجدت دائماً في الصورة، وفي خلفية المشهد الفلسطيني بروسيا، وأثّرت بالتأكيد ولو عن بعد وبشكل غير مباشر على حيثياته ونتائجه.

 

الحوار عقد أصلاً نتيجة تلاقي الرغبات لأهداف خاصة بين السلطتين الروسية الفلسطينية، مع ترحيب وعدم ممانعة لحماس

في السياق العام، دعت روسيا للحوار لتأكيد حضورها ودورها في المنطقة، مع الانتباه دائماً إلى أن ذلك حصل بضوء أخضر أو برتقالي أمريكي، وعبر احتلال وتدمير نصف سوريا على الأقل، وارتكاب جرائم حرب بشكل مباشر ضد المدنيين السوريين وممتلكاتهم، واستهداف منهجي للمؤسسات التعليمية الصحية الاقتصادية، وغير مباشر عبر دعم النظام في جرائمه الموصوفة، بما في ذلك استخدام السلاح الكيماوي ضد الثوار وبيئتهم الحاضنة، والذي تم بتغطية سياسية وعسكرية روسية واضحة علنية وغير مخفية.

أمن إسرائيل والحفاظ على مصالحها واستقرارها؛ مثّل كذلك أولوية للدور الإقليمي الروسي المستجد، هو ما عبر عنه صراحة الرئيس الروسي بوتين في مؤتمره الصحفي مع الرئيس الأمريكي ترامب في هلسنكي (تموز/ يوليو الماضي)، وهو الموقف عينه الذي تردد مراراً تكراراً على ألسنة المسؤولين الروس، وآخرهم نائب وزير الخارجية سيرجي ريابكوف أثناء زيارته الأخيرة لتل أبيب.

 

إسرائيل والحفاظ على مصالحها واستقرارها؛ مثّل كذلك أولوية للدور الإقليمي الروسي المستجد، هو ما عبر عنه صراحة الرئيس الروسي

في السياق الفلسطيني، دعت روسيا أولاً إلى حوار فلسطيني إسرائيلي، ووجهت دعوة شخصية إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للاجتماع برعايتها في موسكو، ومناقشة كيفية استئناف عملية التسوية وحلحلة الجمود في الملفات العالقة بين الجانبين. نتنياهو رفض الفكرة رغم علاقته الحميمة مع بوتين؛ لأنه ليس بوارد التقدم في العملية وإدخال أي طرف للوساطة خلاف الحليف الأمريكي، بينما رحب عباس بحرارة، أملاً في عودة المفاوضات وللخروج من الرعاية الأمريكية الحصرية، لكن القصة كلها تعثرت أمام الرفض الإسرائيلي، دون أي ردّ فعل من القيادة الروسية الحساسة جداً تجاه أمن إسرائيل ومصالحها.

مع فشل الدعوة للقاء الفلسطيني الإسرائيلي، وفشل وتعثر حوارات المصالحة الفلسطينية في القاهرة، ووصولها إلى طريق مسدود، فكرت موسكو في الدخول على الخط، فدعت أولاً وفدا رفيعا من حماس برئاسة رئيس المكتب السياسي لزيارتها، في سياق التمهيد للقاءات فلسطينية جامعة، ثم تراجعت عن الفكرة واكتفت بجلسات نقاش عامة برعاية مركز الدراسات الشرقية التابع لوزارة الخارجية، في محاولة لإبقاء الحوار في الجانب الأكاديمي مع إطار سياسي يتمثل باستقبال وزير الخارجية لافروف للمشاركين واستثماره ضمن الهدف العام المتمثل بتأكيد وتوسيع الدور والحضور الروسي في المنطقة.

هذا السبب تحديداً (أي الدور الروسي) يقف خلف تحديد توقيت الحوار أو النقاش المتزامن مع مؤتمر وارسو حول الاستقرار والأمن في المنطقة، والذي اعتبرته موسكو تهميشا أمريكيا لها، حتى مع تحفظها على السياسة الإيرانية في سوريا تحديداً.

السلطة الفلسطينية رحبت بالتدخل الروسي بعد القطيعة المحقة مع واشنطن، وللردّ على حضور عرّاب صفقة القرن وصائغها برنارد كوشنير (مؤتمر وارسو)، رغم أن صفقة القرن ليست الملف الرئيسي على أجندته، كما أنها (أي السلطة) نجحت في جعل هذا الملف بنداً وحيداً للنقاش في موسكو وإزاحة ملف المصالحة الذي تعتبره منتهيا بالنسبة إليها، مع رفضها القاطع لأي حوار مع حماس حول الملف، وهي أصرت على ذلك ليس فقط تعبيراً عن موقفها المعلن بطي الملف، إنما لمراعاة القاهرة الرافضة لتدخل أي طرف في المصالحة باعتبارها الراعي الحصري لها.

 

مصر لم تتحمس للدعوة الروسية، إلا أنها لا تستطيع خوض معركة سياسية أو خلق خلاف مع روسيا التي يحتاجها النظام الاستبدادي لدعم سياساته القمعية

في ما يخص مصر، فهي لم تتحمس للدعوة الروسية، إلا أنها لا تستطيع خوض معركة سياسية أو خلق خلاف مع روسيا التي يحتاجها النظام الاستبدادي لدعم سياساته القمعية، بعيداً عن طرح ملفات حقوق الإنسان والديمقراطية، إلا أنها سعت في المقابل لإفراغ الحوار من مضمونه، وعدم طرح ملف المصالحة باعتباره تحت إشرافها ووساطتها الحصرية، وهو ما كان فعلاً، مع الدعم الكبير للفكرة - كما قلنا - من قبل الرئيس عباس وفتح.

حركة حماس من جهتها رحبت بالدور الروسي باعتباره اعترافا بدورها وعاملا لتخفيف العزلة الإقليمية والدولية ضدها، بعد وضع القاهرة العراقيل أمام جولة سياسية رسمية لقيادتها. ورغم تراجع موسكو عن دعوة وفد الحركة بشكل سياسي ورسمي، ونقل الحوار إلى مركز الدراسات لوضعه في السياق الأكاديمي ضمن إطار سياسي ما، إلاّ أنها (الحركة) سعت لإعطائه بُعدا سياسيا عبر المطالب أو النقاط الثلاث التي طرحها القيادي موسى أبو مرزوق، والمتعلقة بالتصدي لمشاريع تصفية القضية والمصالحة وترتيب البيت الفلسطيني والحصار المفروض ضد غزة.

 

لا شيء يعبّر عن الحوار/ النقاش العقيم جملة وتفضيلاً أكثر من الخلاف والسجال حول بيانه الختامي الهامشي غير المؤثر في كل الأحوال. وأسوأ ما جرى كان استبعاد ملف المصالحة

المعطيات السابقة كلها فرضت نفسها على مجريات حيثيات الحوار ونتائجه. فمع استبعاد المصالحة رغم أنه الملف الأكثر إلحاحاً، وبدونها لا يمكن مواجهة صفقة القرن، كما رفع الحصار عن غزة بات النقاش روتينياً بلاغياً خطابياً.. ففي المحصلة استفادت منه روسيا ولو بشكل خجول ومحدود للرد على استبعادها من مؤتمر "وارسو"، بينما استغلته القيادة الفلسطينية لتأكيد سلطتها وإمساكها بكافة الملفات وتوجيه رسائل ضاغطة باتجاه بولندا لعدم التجاوب مع كوشنير وصفقته التي سيطرحها، ولو بشكل عام وغير رسمي، على هامش المؤتمر. يجب عدم التهويل أو الاستلاب أمام موقف وزير خارجية الروسي الرافض لصفقة القرن، وهو يتماشى مع المزاج في أوروبا والغرب والعالم بشكل عام، حتى أن أيرلندا ستعقد مؤتمرا خاصا لدعم السلطة وتنسيق المواقف الرافض للصفقة الكارثية، والتي لا تملك أي فرص للنجاح.

عموماً؛ لا شيء يعبّر عن الحوار/ النقاش العقيم جملة وتفضيلاً أكثر من الخلاف والسجال حول بيانه الختامي الهامشي غير المؤثر في كل الأحوال. وأسوأ ما جرى كان استبعاد ملف المصالحة، بحجة أنه مجيّر حصرياً للقاهرة التي أبلغت وفد حماس الرفيع الذي يزورها حالياً بأنها لا تستطيع الضغط على عباس، أو القيام بخطوات جدية وجذرية لتحسين الأوضاع في غزة بعيداً عنه وعن سلطته، رغم أنه رفض حتى إرسال وفد للقاهرة، كون الملف مطويا ومغلقا بالنسبة له.