كتاب عربي 21

أنقرة وواشنطن وأزمة الصواريخ: هل تصلح S-400 ذات البين؟

1300x600

تحدثت الصحف الغربية مؤخرا عن شراء تركيا لمنظومة الصواريخ الدفاعية الروسية S-400، باعتباره موضوعا غامضا يشكل جزءا من أجندة سرية لدى تركيا. إلا أن هذا الموضوع في واقع الأمر موضوع قديم وكان معروفا منذ سنين. 

لقد جرت الاتصالات بين تركيا وروسيا لما يقرب من عامين بهدف توفير احتياجات تركيا من الصواريخ الدفاعية، علما بأن تركيا ما فتئت تبحث عن مثل هذه المنظومة منذ أواخر عام 2011. 

مطالب غير مستجابة

إن الذين ينتقدون شراء تركيا لمنظومة S-400 من روسيا – سواء في واشنطن أو في عواصم الناتو الأخرى – هم أنفسهم الذين لم يستجيبوا لمطالب تركيا في الفترة من 2011 إلى 2017. 

حددت تركيا ثلاث أولويات في النقاشات التي أجرتها بشأن احتياجاتها للصواريخ الدفاعية، وهي تتعلق بالأبعاد التكنولوجية للمنظومة والتكاليف وفرص الإنتاج المشترك. 

في العطاءات التي انطلقت بعد عام 2012، بدأت تركيا بالنظر في عطاء تقدمت به الصين، ولكنها ما لبثت في الأعوام التالية أن تلقت عطاءات أخرى من يوروسام، وهي مؤسسة صناعية إيطالية فرنسية، وكذلك من رايثيون، وهي مؤسسة صناعية أمريكية. 

لقد أثارت تركيا حفيظة واشنطن التي عبرت عن قلقها الشديد بسبب بحث تركيا عن عطاءات خارج تحالف الناتو، ثم بعد انتهاء عملية استقبال العطاءات في عام 2015 أعلنت تركيا انسحابها من العرض الصيني، معتبرة إياه "الأعلى تكلفة من بين جميع العطاءات." 

وعندما جذبت منظومة S-400 الروسية اهتمام وسائل الإعلام في أواخر عام 2016، كانت وزارة الدفاع الوطني التركية مازالت تعلن أنها على استعداد لشراء منظومة الصواريخ من دول الناتو. ولكن، في نهاية الأمر دخلت الصفقة مع الروس عملية الشراء، وبحلول شهر تموز/يوليو كانت المنظومة جاهزة للشحن إلى تركيا. 

النفاق الأمريكي

حينما يتعلق الأمر بتركيا، فإن من أهم الجوانب المتعلقة بهذه الملحمة هو أن إدارة ترامب – التي كانت نفسها قد ألقت بالشكوك حول الهدف من وجود الناتو – تذكرت فجأة أهمية هذا الحلف، وتذكرت دور روسيا، وتذكرت حتى الحرب الباردة. وإذ تفرض الولايات المتحدة عقوبات على تركيا لمجرد قيامها بشراء منظومة دفاع صاروخية، فإن هذا لعمرك هو النفاق بعينه. 

والحقيقة هي أن واشنطن بدأت بالنأي عن تركيا مباشرة بعد انتفاضات الربيع العربي، وزادت الهوة بين الطرفين بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016. ثم فاقم من هذه الهوة أكثر فأكثر دعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية YPG داخل سوريا، التي تعتبرها تركيا امتدادا لحزب الشعب الكردستاني PKK. 

لقد عمق تركيز واشنطن على أمر منظومة S-400 من الأزمة بين الطرفين، مما ترك تركيا أمام ثلاثة خيارات. 

أولا، بإمكان تركيا أن تتخذ قرارا راديكاليا بالتخلي عن الشراء، وهذا لن يكلفها أكثر من التزاماتها المالية إزاء الإخلال باتفاقيتها مع روسيا. وإذا ما أخذنا بالاعتبار التطور السريع في العلاقات السياسية والتجارية والعسكرية بين البلدين، فإن من الممكن أن يتعاون الطرفان على إدارة هذه المسألة بشكل عقلاني. 

المسار نحو الأمام

يتمثل الاحتمال الثاني في اتخاذ واشنطن لخطوات راديكالية توقف بموجبها أشكال التعاون الأمني كافة مع أنقرة. يذكر في هذا الصدد أن رد فعل الولايات المتحدة على شراء تركيا لمنظومة S-400 كان صارخا، وتضمن الإعلان عن منع تسليم طائرات F-35 التي اشترتها تركيا ودفعت ثمنها. إلا أن مثل هذا التطور لن يؤدي فقط إلى إشعال فتيل أزمة سياسية خطيرة مع تركيا، بل وسيؤدي كذلك إلى خلق حالة من عدم الثقة لدى جميع البلدان التي تشتري السلاح من واشنطن. 

وأما الخيار الثالث، الذي يبدو أكثر احتمالا من الخيارين السابقين، فهو المضي قدما في شراء تركيا لمنظومة S-400، شريطة أن تجد حلا تقنيا للتوفيق بين أنظمة الناتو ومنظومة S-400 الروسية لحماية العلاقات الجيوسياسية والعسكرية. 

يوم الخميس، أعلن رئيس هيئة الأركان الجنرال جوزيف دانفورد ما يلي: 

"أعتقد أنه سيكون صعبا على السلطة التنفيذية في حكومتنا وعلى السلطة التشريعية لحكومتنا التوفيق بين وجود منظومة S-400 والطائرات المقاتلة من طراز F-35 الأكثر تقدما في العالم. ولذلك وضحنا موقفنا بشكل لا لبس فيه لتركيا، ويحدونا الأمل في أن نتمكن من إيجاد سبيل للخروج من هذه الأزمة. ولكنها تبقى مسألة صعبة."

إذا ما أخذنا بالاعتبار أن إدارة ترامب لديها خطاب حاد مقابل سجل سيئ في إدارة الأزمات، فيبدو أن السبيل ممهد نحو نزع فتيل الأزمة، وتخفيف حدة التوترات التي شهدتها العلاقات بين أنقرة وواشنطن. 

ومع ذلك، من الصعب التنبؤ إلى أين ستقود هذه الملحمة بالنظر إلى شغف الرئيس دونالد ترامب باتخاذ القرارات المفاجئة والراديكالية، ومنها على سبيل المثال تغريدته التي طالب فيها بالانسحاب من سوريا.