قضايا وآراء

أين ستذهب حصة الدولة المصرية بعد استكمال سد النهضة؟

1300x600

في نهاية العام الماضي، وقف وزير الكهرباء الإثيوبي أمام البرلمان؛ يشرح للمتسائلين من أعضاء البرلمان عن أسباب تأخر استكمال سد النهضة، الذي كان من المتوقع تشغيله مع بداية عام 2017، حيث وضع سيادته كل اللوم على شركة التصنيع العسكري الإثيوبية، لعدم قدرتها على تركيب التروبينات طيلة السنوات الثلاث الماضية. إلا أن أعضاء البرلمان اتهموه بعدم الشفافية، ورفضوا تلك الحجة (المعلبة)، وشككوا في متانة بنيان سد النهضة وخاصة طبقة الأساسات، مما أغضب وزير الكهرباء لدرجة التشابك لفظيا مع عدد من أعضاء البرلمان. إلا أن تزايد الضغط عليه من قبل البرلمانيين جعله يعترف بأهم "سر" تخشي الحكومة الإثيوبية إبلاغه للشعب الإثيوبي، ولدول الجوار المتأذية من بناء سد النهضة، مثل دولتي مصر والسودان، أيضا.

فقد أعلن سيادته أن السبب الحقيقي لتأخر بناء سد النهضة؛ هو وجود أودية عميقة تم اكتشافها أثناء تحويل مجري النيل الأزرق في نهاية عام 2015، والتي تسببت في تعطيل البناء لقرابة ثلاث سنوات. إلا أنه أضاف أن إدارة سد النهضة قد ضخت كميات ضخمة من الخرسانات لإغلاق تلك الوديان العميقة.

منذ أيام مضت، وصلتني صورة لأحد تلك الوديان العميقة التي تحدث عنها وزير الكهرباء الإثيوبي، والتي هي عبارة عن تشقاقات أرضية كانت مغطأة بغطاء أخضر من الأعشاب، أو بطبقة من التربة الطينية غير المغمورة، والتي تمت إذابتها بعد تعرضها لعملية غمر المياه أثناء التخزين التجريبي ببحيرة سد النهضة، والذي حدث خلال فيضانات أعوام 2015 و2016 و2017 و2018.

ذوبان الغطاء الطيني الذي كان يخفي تلك الفجوات العميقة، والموجودة سواء في قاع بحيرة التخزين وتم الكشف عنها مؤخرا أو في مناسيب أعلى بالجبال والهضاب المحيطة ببحيرة التخزين، والتي لم يكشف عنها حتى اليوم، سوف يزيد كثيرا من حجم التسريبات الأرضية، والتي لا يعرف حتى اليوم حجمها بسبب عدم دراسة تلك الوديان العميقة، لكونها أحد الأسرار الجيولوجية التي ترفض الحكومة الإثيوبية إظهارها للعالم. والصورة رقم (1) الملحقة هنا توضح الطبيعة الطينية لتلك الوديان العميقة، والمنتشرة بكثرة في قاع بحيرة التخزين.


الصورة رقم (1)

توضح الطبيعة الطينية لتلك الوديان العميقة والمنتشرة بكثرة في قاع بحيرة التخزين

 


بينما الصورة رقم (2) الملحقة هنا؛ توضح بعض الوديان العميقة في أعلى الجبال المحيطة ببحيرة التخزين، والمنتظر وصول المياه لمستوها عند بدء التخزين وارتفاع عمود المياه أمام البنيان الخرساني بقرابة 145 مترا، حيث سيتم إغراق معظم تلك الجبال، والتي تحتوي كل منها على العشرات من الوديان العميقة، والتي سوف تتسرب منها مياه البحيرة بكميات ضخمة، لتتجمع مرة أخرى في قنوات أرضية جيولوجية عميقة، تمثل شبكة عنكبوتية لمسار المياه الجوفية، ومنها ما سيذهب لدولة كينيا أو دولة جنوب السودان.


الصورة رقم (2)

توضح بعض الوديان العميقة بأعلى الجبال المحيطة ببحيرة التخزين

 

على مدار الأعوام الأربعة الماضية، حاولت الحكومة الإثيوبية احتجاز قدر من مياه الفيضان أمام السد، لتسمح للطمي المنجرف مع مياه الفيضان بالترسيب على قاع البحيرة، في محاولة من الحكومة الإثيوبية في إطماء تلك الوديان وإغلاقها تماما، إلا أن التجربة فشلت بسبب ضخامة تلك الوديان، وتسربت المياه والطمي معا بداخلها دون حدوث أي انسداد لها. كما أن مساحة الإطماء السطحية التي تم اختبارها لا تزيد عن 40 كيلومترا مربعا فقط، من إجمالي مساحة سطحية لبحيرة التخزين تعادل 1874 كيلومترا. الصورة (3) الملحقة هنا توضح محاولة إطماء الوديان العميقة بقاع بحيرة التخزين.



الصورة (3)

توضح محاولة إطماء الوديان العميقة بقاع بحيرة التخزين


والسؤال الذي يفرض نفسه علينا هنا اليوم: لماذا ترفض الحكومة المصرية مواجهة إثيوبيا بكل تلك الحقائق الفنية والهيدروجولوجية، وتتغاضي بشكل متعمد عن كل تلك المخالفات، والتي سيدفع ثمنها الشعب المصري بعد استكمال تشغيل سد النهضة؟ فالوقت المتبقي على بدء التخزين قرابة العام، ومن المستحيل علاج تلك الأمور الفنية بعد ملء البحيرة، حيث سيكون من الصعب جدا تحديد موقع تلك الوديان لكونها مغطأة بطبقة تربة سطحية تذاب تدريجيا مع غمرها بمياه البحيرة. وهذا الأمر معروف جيدا لعلماء الجيولوجيا المتابعين لخواص موقع سد النهضة، والذي يتكون من طبقة صخرية بازلتية مفككة وغير مستقرة، بسبب كثرة الفوالق الأرضية فيها.

وعلى الرغم من إصرار الحكومة الإثيوبية على ملء بحيرة التخزين بقرابة 100 مليار متر مكعب من تدفقات النيل الأزرق على مدار ثلاث سنوات فقط، بداية من آب/ أغسطس 2020 حتى ديسمبر 2022، إلا أن وجود تلك الوديان العميقة قد يفسد مخطط الحكومة الإثيوبية تماما، ويصبح من الصعب عليها تحقيق بناء عمود هيدروستاتيكي أمام السد بارتفاع 140 متر، هذا على الرغم من حجزها لكامل تدفقات النهر، وذلك بسبب زيادة حجم التسريبات في تلك الوديان العميقة.

ومع وصول عدد من الشركات الصينية لموقع سد النهضة منذ بداية هذا العام، للإسراع في استكمال الإجراءات الميكانيكية والكهربائية لسد النهضة، ومع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة والبرلمان الإثيوبي خلال شهر أيار/ مايو 2020، فإنه من المرجح جدا أن لا تنتظر الحكومة الإثيوبية حتى وصول فيضان آب/ أغسطس 2020 لتبدا في التخزين، وربما قد تبدأ في التخزين خلال فيضان آب/ أغسطس 2019، أي بعد عدة أشهر، وذلك لأهمية ورقة سد النهضة في حشد الأصوات الإنتخابية للرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، الذي يراهن على تلك الورقة ليكسب مزيدا من المقاعد البرلمانية لجبهة "الأورومو" على حساب خسائر أحزاب قبيلة "التيجراي".

وإن إعلان بدء التخزين في سد النهضة قبل بدء الانتخابات ستكون دفعة معنوية هائلة لرئيس الوزراء، وذلك لما يمثله من انتصار نفسي وتاريخي للمواطن الإثيوبي، والذي يري في رئيس وزراء إثيوبيا الحالي أنه "أحمس إثيوبيا" الذي قطع يد "الهكسوس المصريين" الممتدة على نهر آباي (أي النيل الأزرق).

أخيرا، إنني كمواطن مصري متخصص في هندسة السدود، أطالب الحكومة المصرية، وخاصة وزير الري الحالي، بتصعيد ملف سد النهضة لمستويات سياسة أعلى من اللجنة الثلاثية لبلدان شرق النيل، وعرض الأمر برمّته أمام المحكمة الدولية لأخذ قرار سريع بتشكيل لجنة فنية دولية للتقيم المشاكل الفنية بسد النهضة قبل بدء التخزين. فلعلنا يمكنا إنقاذ ما أفسده السيسي بتوقيعه اتفاقية التنازل عن حصة مصر، في آذار/ مارس 2015. فالقضية اليوم ليست السيسي أو من يحكم مصر، بل "لب" القضية هو بقاء الدولة المصرية ككيان حضاري وهبه النيل للإنسانية، فالنيل للدولة المصرية هو قضية "وجود" وليست "حدود".