قضايا وآراء

إدلب.. مكاسرة الإرادات

1300x600

تشير معطيات الميدان العسكري في منطقة إدلب بين فصائل المعارضة السورية والتنظيمات الإسلامية المتطرفة من جهة وقوات النظام وروسيا من جهة أخرى، على أن ما يجري ليس سوى مكاسرة إرادات سياسية بين موسكو وأنقرة، ألبست لباسا عسكريا.

فعلى سبيل التذكير والتنويه، لم تطلق روسيا العملية العسكرية في إدلب، لأنها اعتقدت متأخرا أن اتفاق سوتشي كان خطأ، أو اعتقدت متأخرا أن هذه الاتفاق لا يمكن تطبيقه بكامل حذافيره، وبالتالي فإن العملية العسكرية ليست سوى تصحيحا للأمور.

 

تركيا أصبحت معادلا قويا في الساحة السورية بغض النظر إن كان دخولها قد جاء من البوابة الروسية أم لا،


ولا تتعلق العملية العسكرية بمجرد رفض فصائل المعارضة لتسيير دوريات تركية ـ روسية مشتركة في المنطقة العازلة.

إن السياسة الروسية ذات الإرث الكبير، لا يمكن أن تقع في هذا الخطأ والسذاجة السياسية، فتعتقد أن توقيعها على اتفاق سوتشي لم يكن في محله.

بل على العكس إن توقيع الروس على الاتفاق لم يكن من أجل تمرير مرحلة مؤقتة، بقدر ما كان ناجما عن تفاهم استراتيجي مع أنقرة بأن منطقة إدلب يجب أن تُحيد عن الصراع لوقت غير معلوم، استجابة للمصالح التركية العليا، ولضمان حصول الروس على تعاون تركي في ملفات أخرى.

أسئلة تستحق الطرح

إذن، ما الذي حدث؟ هل أن روسيا حصلت أو توصلت إلى تفاهمات سرية مع الولايات المتحدة حيال الملف السوري، وبالتالي ضعفت مصلحتها في تقديم التنازلات لتركيا؟ أم أن العملية العسكرية، هي بالعكس محاولة ضغط روسية على تركيا لإبقائها ضمن المحور الشرقي وعدم إلهاب إلى المحور الغربي الذي تمثله الولايات المتحدة، بعيد خروج تصريحات إلى العلن قبل نحو شهرين تؤكد اقتراب الجانبين التركي والأمريكي من التوصل إلى اتفاق في شرق الفرات، لن يكون للروس فيه أي حضور؟

قد تكون كل هذه التساؤلات تعبيرا عن معطيات حقيقية، وليست القمة الثلاثية المقررة في فلسطين المحتلة، والتي تضم مستشاري الأمن القومي لأمريكا وروسيا وإسرائيل، بعيدة كثيرا عما يجري في إدلب والشمال السوري بشكل عام، وليس فشل الروس والأتراك في إخراج اللجنة الدستورية إلى العلن بعيدا ايضا عما يجري في إدلب.

لكن المهم في كل ذلك، أن تركيا أصبحت معادلا قويا في الساحة السورية بغض النظر إن كان دخولها قد جاء من البوابة الروسية أم لا، ذلك أن الاعتبارات الاستراتيجية لدخول تركيا الأراضي السورية تختلف اختلافا جذريا عن الاعتبارات الاستراتيجية التي ستجعلها لاحقا تغادر هذه الجغرافية.

جو سلبي

هنا مفترق الطرق الاستراتيجي بين البلدين حيال سورية، فتركيا لن تكون مطواعة بيد الروس، وهذا ما يفسر الحضور العسكري التركي غير المباشر في المعركة، الذي لولاه لما صمدت فصائل المعارضة حتى هذا الوقت، في ظل قصف جوي مخيف.

بل على العكس، إن قدرة فصائل المعارضة على شن هجمات مضادة يؤكد العزم التركي عن عدم التخلي عن هذه المنطقة، وهي مستعدة للمضي قدما إلى الأمام لإطالة المعركة ومنع النظام السوري من تحقيق أهدافه.

وهذه التطورات كشفت ارتباك المحور الروسي ـ السوري، فدفع الأولى إلى اقتراح هدنة ثانية، ودفع الثانية إلى ضرب بعض النقاط العسكرية التركية.

 

قد يحصل اتفاق مفاجئ ينهي العمليات العسكرية في أي لحظة، لكن ليس قبل أن تتبلور بعض التفاهمات التي تتجاوز الثنائي الروسي ـ التركي


ويبدو واضحا أن المعارك لن تضع أوزارها قريبا، فلن تقبل روسيا إنهاء المعركة دون الحصول على شيء عسكري ملموس لحفظ ماء وجهها، وبالمقابل لن تسمح بإطالة عمر المعركة خشية أن يؤدي ذلك إلى تهديد مساري استانا وسوتشي.

بالنسبة لتركيا، قد تقبل ـ على غير ما تعلن ـ القبول بسيطرة النظام على المناطق التي استولى عليها، وربما تقديم بعض التنازلات على المستوى السياسي، مقابل إعادة تطوير اتفاق سوتشي بما يسمح لإدلب أن تبقى تحت العباءة التركية.

والواقع إن تصريحات البلدين لا توحي بأنهما بصدد تدمير التفاهمات التي جرت بينهما خلال الأعوام الأربعة الماضية، وتصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل أيام واضحة في هذا الشأن، حين قال إنه يجب "تماشيا مع مذكرة سوتشي، العمل على فصل المعارضة المسلحة عن إرهابيي جبهة النصرة.. وأن آليات خاصة أُنشئت للاتصال بين الرئيسين الروسي والتركي، وبين مسؤولي الدفاع في البلدين لمراقبة تنفيذ المذكرة".

ليست موسكو وأنقرة في وارد الوصول إلى مرحلة الصفر الاستراتيجي بينهما، فما يزال كل طرف بحاجة إلى الآخر في ضوء المشتركات التي تجمعهما، وفي مقدمتها الوجود الأمريكي في سورية.

بناء على ذلك، قد يحصل اتفاق مفاجئ ينهي العمليات العسكرية في أي لحظة، لكن ليس قبل أن تتبلور بعض التفاهمات التي تتجاوز الثنائي الروسي ـ التركي، لتشمل الثنائي الآخر، الأمريكي ـ الإسرائيلي، فكل صراع عسكري في سورية مهما كانت حدوده الجغرافية ضيقة يندرج ضمن معادلة إقليمية دولية أوسع.

*كاتب وإعلامي سوري