كتاب عربي 21

تصريحات أردوغان ومستقبل العلاقات التركية الإسرائيلية

1300x600
العلاقات التركية الإسرائيلية التي تأزمت بعد أن أخفت الحكومة الإسرائيلية نيتها واستعدادها للعدوان على قطاع غزة في ديسمبر/ كانون الأول 2008 حينما كان رئيسها آنذاك إيهود أولمرت يقوم بزيارة تركيا ويجري فيها مباحثات في ظل وساطة أنقرة في المفاوضات التي كانت تجري بين تل أبيب ودمشق للوصول إلى اتفاق السلام، وشعرت الحكومة التركية بأن أولمرت قام بخداعها وأنه كان يتظاهر في مباحثاته مع المسؤولين الأتراك كزعيم يسعى لتحقيق السلام في المنطقة ولكنه في الحقيقة كان يخطط لضرب القطاع بعد عودته من تركيا بعدة أيام. وأدانت أنقرة الهجمات التي أطلقت عليها إسرائيل "عملية الرصاص المصبوب" بشدة ووصفتها بــ"إرهاب الدولة". 

انسحاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من إحدى جلسات منتدى دافوس في 29 يناير / كانون الثاني احتجاجا على عدم إعطائه الوقت المماثل للرد على الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز إثر مشادة حادة معه على خلفية العدوان الإسرائيلي على غزة، أخذ مكانه في صفحات التاريخ كمنعطف في العلاقات التركية الإسرائيلية، ثم جاءت بعدها حادثة الاعتداء الإسرائيلي الدموي على سفينة مرمرة الزرقاء في المياه الدولية في فجر 31 مايو / أيار 2010 ومقتل نشطاء أتراك خرجوا لكسر الحصار المفروض على غزة، لتعمق الأزمة في العلاقات بين الدولتين. 

وفي أول رد على الاعتداء، قامت تركيا بطرد السفير الإسرائيلي وتخفيض تمثيلها الدبلوماسي في إسرائيل إلى مستوى السكرتير الثاني وتجميد الاتفاقيات العسكرية وإلغاء كافة المناورات العسكرية معها. ومنذ ذلك اليوم سعت الإدارة الأمريكية عدة مرات إلى تطبيع العلاقات بين أنقرة وتل أبيب إلا أن تركيا اشترطت ثلاثة مطالب لعودة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل الاعتداء على سفينة مرمرة، وهي: تقديم الاعتذار الرسمي إلى تركيا ودفع التعويضات إلى أسر الضحايا ورفع الحصار عن قطاع غزة. 

الشرط الأول تحقق واتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأردوغان لتقديم الاعتذار تحت ضغوط الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وكانت هناك مفاوضات ومؤشرات ولو كانت ضئيلة تشير إلى قرب الوصول إلى الاتفاق لدفع التعويضات لأسر الضحايا، ولكن تركيا أصرت على الشرط الثالث أيضا وأكدت أنه لا عودة للعلاقات الدبلوماسية ما بقي قطاع غزة تحت الحصار. 

العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة أعاد العلاقات التركية الإسرائيلية إلى ما بعد الاعتداء على أسطول الحرية، وقال أردوغان إن إسرائيل اعتذرت من تركيا على ما قامت به خلال تصديها لسفينة مرمرة الزرقاء قبل أربع سنوات، وأضاف: "اقتربنا من إعادة العلاقات معهم في حال تنفيذ مطالبنا الثلاثة إلا أنها غير صادقة ولا يمكن أن تعود العلاقات إلى وضعها الطبيعي طالما واصلت إسرائيل سياساتها العدوانية على فلسطين". وواصل أردوغان تصعيد لهجته ضد إسرائيل واتهمها بأنها تجاوزت هتلر في الهمجية خلال هجماتها على قطاع غزة، مشدِّداً أنه لن يكون هناك تحسن في العلاقات التركية الإسرائيلية ما بقي في السلطة.

تصريحات أردوغان ومواقف الحكومة التركية من إسرائيل تعكس إلى حد كبير المزاج العام ونبض الشارع التركي الذي انتفض لنصرة غزة في مظاهرات احتجاج على العدوان الإسرائيلي، وهي حالة طبيعية في بلد مسلم محكوم بالديمقراطية والإرادة الشعبية، كما أن البيان المشترك الذي أصدرته أحزاب "العدالة والتنمية" و"الشعب الجمهوري" و"الحركة القومية" و"السلام والديمقراطية"، وهي الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان التركي، لإدانة العدوان الإسرائيلي على القطاع يدل على هذه الحالة التوافقية. بالإضافة إلى ذلك، أصدر رؤساء 87 جامعة تركية الاثنين الماضي بيانا مشتركا للتنديد بالهجمات الإسرائيلية التي تستهدف قطاع غزة وأعلنوا مقاطعة الجامعات الإسرائيلية حتى يتم رفع الحصار عن القطاع.

وفي ظل المزاج العام التركي وموقف الحكومة التركية وتصريحات أردوغان الأخيرة والسلوك العدواني الإسرائيلي المستمر لا يبدو في المستقبل القريب تحسن في العلاقات التركية الإسرائيلية. ومن المتوقع أن تظل العلاقات الدبلوماسية في مستواها المنخفض، حتى تغيِّر إسرائيل تعاملها مع الفلسطينيين وتتخلى عن سياسة العدوان متى ما تشاء وكيف ما تشاء. أما العلاقات التجارية التي يقوم بها القطاع الخاص فستستمر، وقد يزيد حجمها أو ينقص، ولا يمكن أن تتدخل فيها الحكومة، كما أن التبادل التجاري مع الفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة يسجل ضمن التبادل التجاري مع إسرائيل، وترى أنقرة استمراره لصالح الجانب الفلسطيني.