ملفات وتقارير

ضغوط مجتمعية تدفع سيدة أردنية لقتل ثلاثة من أبنائها

الأمن ينقذ السيدة من الانتحار في آخر لحظة عقب قتلها أبناءها الثلاثة - أرشيفية
دفعت الضغوطات الاقتصادية والظروف الاجتماعية القاهرة، سيدة أردنية أربعينية إلى الإقدام على قتل ثلاثة من أبنائها (أعمارهم على التوالي 4 و5 و8 سنوات) شنقا حتى الموت؛ حيث استغرقها تنفيذ الجريمة حوالي ست ساعات، فيما نجت ابنتاها بالهروب وهما في حالة ذعر شديد خارج المنزل، وأخبرتا الجيران بالحادثة.

وفي تفاصيل الحادثة، أشار مقربون من السيدة إلى أنها انتقلت من منزلها إلى منزل آخر في منطقة طبربور شمال شرق العاصمة عمان حيث وقعت الجريمة، وواجهت السيدة ضغوطا اجتماعية في تربية أبنائها، خصوصا بعد سجن زوجها الذي يقضي محكومية في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل في الأردن.

الأمن ينقذ السيدة من الانتحار

وفي تصريح خاص لموقع "عربي21"، أكد الناطق الرسمي باسم مديرية الأمن العام الأردنية عامر السرطاوي أن أفرادا من البحث الجنائي والدفاع المدني أنقذوا المرأة من الانتحار في اللحظات الأخيرة، حيث كانت تحاول أن تنهي حياتها بعد قتلها أبناءها.

وبين السرطاوي أن السيدة بدت منهارة نفسيا وعصبيا، حيث تم القبض عليها وتحويلها للمستشفى وحالتها العامة مستقرة، ومن ثم سيتم تحويلها إلى محاكم الجنايات الكبرى للتحقيق في تفاصيل الحادثة.

وزارة التنمية الاجتماعية 


وصرح المستشار الإعلامي لوزارة التنمية محمود الطراونة لـ"عربي21" بأن أي عائلة يسجن معيلها، أي رب الأسرة، يتم صرف مبلغ شهري لها لا يتعدى مبلغ الـ 180 دينارا أردنيا (257 دولارا)، وهو مبلغ لا يكاد يغطي أجرة منزل في ضواحي عمان الفقيرة.

وأضاف الطراونة أن أي امرأة يقضي زوجها مدة محكومية في السجون الأردنية، عليها أن تتقدم للحصول على هذا المبلغ، وهو يعتبر معاشا وليس راتباً -حسب تعبيره- لمساعدة الأسرة على إعالة نفسها إلى حين خروج الزوج المسجون من سجنه.

وفي تعليقه على الحادثة، قال الطراونة إن هذه الحادثة مستغربة ولا يتوقع أن للحالة الاقتصادية دورا فيها، كما نشرت بعض المواقع الإلكترونية الأردنية، وخاصة أن الفقر منتشر في الأردن، ولم نسمع بأن السبب في مثل هذه الحوادث يعزى للعامل الاقتصادي.

علم الاجتماع 

أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة والمختص بعلم الجريمة الدكتور حسين محادين، اعتبر أن المجتمع يعيش حالة صدمة عندما ينهي شخص حياة شخص آخر، وخاصة في ظل غياب الأب أو "المعيل". 

ويضيف أن "التشابه في هذه الجريمة أن المعيل وهو الأب، يقضي مدة محكوميته في أحد مراكز التأهيل والإصلاح (السجن)، ما دفع الأسرة للخروج من المنطقة التي تسكن فيها إلى منطقه أخرى، خوفا أوهربا من سمعة السجناء (النزلاء) التي ينظر إليها المجتمع بنوع من النقص والشك والريبة".

وعليه، فإن حجم الضغط الاجتماعي والتفكك الأسري جراء غياب المعيل، إلى جانب عجز الأم عن أداء دورين متكاملين ومختلفين، يساهم في سعي الأم إلى كسر هذه الحلقة جراء عاملين، أولهما معاقبة الأب الذي تسبب بشكل ما في وصول العائلة لهذا الاحتقان، وثانيهما سعي المرأة إلى مغادرة حالة الحصار الاجتماعي والاقتصادي بتلك الطريقة (الجريمة). وهو ما يوحي لها بأنها تحمي أبناءها من التوتر حتى لا يظلّوا تحت طائلة المرض النفسي الاجتماعي الذي يمكن أن يفسر بمثل هذا السلوك المدان دينيا وإنسانيا وأخلاقيا، بحسب ما يرى محادين.

ولفت محادين إلى أن ضعف الخبرات عادة، من حيث المهارة في التعامل مع مشكلات الحياة المتوقعة، وتدني الدخول الاقتصادية التي تساعد الأسرة في الاستقرار رغم فقدان المعيل، هي التي تساعد على وقوع مثل هذا السلوك أو التصرف، أو الهروب من مشكلات الواقع إلى جرائم أكبر.


قصور في القانون والتشريع

المستشار القانوني للهيئة الوطنية للعدالة الجنائية المحامي الدكتور عادل عزام سقف الحيط، نوه في حديث خاص لـ"عربي21" إلى أن القصور في التنظيم الاجتماعي والتشريعي وعدم وجود رقابة، هو المسبب في حدوث متل تلك الجرائم "المستهجنة" في مجتمعاتنا.

ويرى سقف الحيط، أن من المفروض أن يكون في أقسام حماية الأسرة قسم خاص لزيارة ذوي الموقوفين والمسجونين والتأكد من سلامتهم الاجتماعية والصحية.

ولفت إلى أهمية وجود جمعيات مختصة لإعادة تأهيل زوجات المحكومين بأحكام طويلة وتدريبهن على الأعمال والمهن البسيطة، وتقديم دعم اقتصادي لهن، هو بدل إعالة لهذه الأسر إلى حين تمكين زوجات المحكومين من أن يكنّ قادرات على العمل وكسب الأجور.


حوادث مشابهة

يشار إلى أن تكرار الحوادث والجرائم "الطارئة" على المجتمع الأردني باتت تزداد في الآونة الأخيرة دون دراسة تبيّن فحوى انتشارها؛ حيث أقدم قبل عام مواطن أردني يتيم على إحراق نفسه أمام وزارة التنمية الاجتماعية احتجاجا على رفض وزيرة التنمية الاجتماعية ريم أبو حسان مقابلته، وكان قد تردد على الوزارة أكثر من مرة مطالبا بأن توفر له الوزارة عملا يحقق له معيشة كريمة.

ومن ضمن الجرائم أيضا، إقدام أحد الآباء على مقتل عائلته المكونة من طفلين وزوجة ومن ثم الانتحار نتيجة الظروف المادية والاجتماعية الضاغطة.

إلى ذلك، تظل التشريعات في الأردن التي من شأنها أن تحد من الفقر وتحاربه بشكل جدي، غير فاعلة في نظر بعض المختصين، وبخاصة أن بعضها تكتفي بصرف بعض المعونات النقدية البسيطة عن طريق صندوق المعونة الوطنية التابع لوزارة التنمية الاجتماعية للحد من آثار الفقر.