قضايا وآراء

الرقة عنوان الصراع الحالي

1300x600
تحولت محافظة الرقة إلى ساحة اشتباك محلي ـ إقليمي ـ دولي تتنازعه خمس قوى عسكرية (روسيا / النظام، قوات سوريا الديمقراطية / الولايات المتحدة، تركيا).
 
بين هذه القوى إجماع على محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، لكن بينهم خلافات حادة وتناقضات تجعل الحلفاء أعداء والأعداء حلفاء وإن بشكل مؤقت.
 
لقد قررت القوى الأربع تحييد الطرف الخامس من معركة الرقة كل لأسبابه، والمقصود بالطرف الخامس تركيا التي تبدو بعيدة عن المشاركة في المعركة.
 
بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها ليست في وارد الانقلاب على حليفهم المحلي "قوات سوريا الديمقراطية" في هذه المرحلة، لسببين اثنين: الأول أن هذه القوات حققت إنجازات عسكرية واضحة على الأرض، والثاني أنها القوة الوحيدة في سوريا التي تحظى بإجماع كافة الفرقاء، الأمر الذي يجعل التعاون معها أسهل من التعاون مع الأتراك.
 
والأهم من ذلك استراتيجيا، أن تكلفة التحالف مع "قوات سوريا الديمقراطية" ذات تكلفة أقل بالنسبة لواشنطن من التحالف مع تركيا، فالأكراد الذين يشكلون عماد هذه القوات ليس لهم طموحات محلية سوى تحقيق الفدرالية، وهذا مطلب يبدو معقولا لواشنطن وجزء من الحل السياسي في سوريا وفق القراءة الأمريكية ـ الروسية.
 
أما التحالف مع تركيا فسيكون له تكاليف كبيرة، فتركيا داخل العمق السوري في شمالي حلب أولا والرقة ثانيا إن حصل، يعني وفق القاموس الجيو استراتيجية هيمنة تركية قوية على الثقل العسكري في الشمال، الأمر الذي قد ينسحب على البعد السياسي، وبالتالي تحول تركيا إلى رقم صعب في المعادلة السورية، وهو ما لا تقبل به واشنطن وموسكو بسبب اختلاف أهدافهما عن تركيا في سوريا.
 
ولذلك تعمد واشنطن إلى توسيع القوى العسكرية العربية للمشاركة في تحرير الرقة في محاولة لتطمين العشائر العربية في الرقة من جهة والأتراك من جهة ثانية.
 
وليس صدفة أن يتم الإعلان عن تشكيل جسم عسكري عربي عماده "ثوار الرقة"، ويتولى مهمة اقتحام المدينة وإدارتها بشكل مؤقت.
 
وبالنسبة لروسيا، فهي تخشى أن تدفع التطورات المتغيرة في سوريا الأتراك إلى الانقلاب على التفاهمات التي جرت معها، أو على الأقل الانزياح قليلا عنها والمضي في تحقيق مشاريع وأهداف خاصة بها، في ظل وجود تباينات واضحة بين الجانبين حول مستقبل سوريا ودور القوى المحلية والإقليمية اللاعبة فيها.
 
لا تريد موسكو توسيع الهيمنة التركية في الشمال السوري أكثر من ذلك، وتعتقد أن الأتراك أخذوا حصتهم الكافية بما يلبي أهدافهم، ولذلك دفعت النظام السوري و الـ YPG إلى الاتفاق على تسليم المناطق الغربية المحيطة بمنبج لقوات النظام لمنع "درع الفرات" من التوجه إلى منبج.
 
أما النظام السوري، فلا يقبل على الإطلاق بهيمنة تركية في الشمال، وهو يعتبر تركيا أكثر الأطراف خطرا عليه بسبب العمق الجغرافي المتداخل بين البلدين، وهو إن قبل بـ "درع الفرات"، فذاك بسبب الضغط الروسي، والضمانات الروسية بألا تتحول منطقة "درع الفرات" إلى قاعدة عسكرية لمهاجمة النظام وحلفائه.
 
وبالنسبة لـ "وحدات الحماية الكردية"، فإن دخول تركيا المعركة يعني تحويل الرقة إلى اسفين جغرافي بين المناطق الكردية في الحسكة شرقا وحلب غربا.
 
وإذا كانت مسألة مشاركة الأتراك لم تحسم بعد في معركة الرقة، على الرغم من أن كافة المعطيات العسكرية والسياسية تؤكد عدم مشاركتهم، فإن المماحكات العسكرية الآن ترتبط بمحاولات النظام المشاركة في معركة الرقة، ليس لأسباب عسكرية أو جغرافية متعلقة برغبته في السيطرة على أراض جديدة، وإنما مرتبطة برغبته القوية المشاركة إلى جانب الولايات المتحدة، في خطوة سياسية هدفها تعويم نفسه على الساحة الدولية كمحارب لتنظيم "الدولة الإسلامية".
 
وهذا ما يفسر انطلاق قوات النظام خلال الأيام الماضية نحو شرق الباب، والسيطرة على قرى عدة وعلى مطار الجراح الذي يبعد نحو 100 كيلومتر إلى الشرق من مدينة حلب ويشرف على بلدات دير حافر ومسكنة.
 
ويستغل النظام عدم قدرة "قوات سوريا الديمقراطية" السيطرة على سدي الفرات والبعث، وبالتالي المضي قدما إلى الضفة الجنوبية الغربية لنهر الفرات في الجنوب الشرقي لحلب.
 
ويسعى النظام إلى السيطرة على بلدة دير حافر ومن ثم مسكنة في أقصى الجنوب الشرقي لحلب، كخطوة أولى للانتقال إلى مرحلة الهجوم على قرية دبسي فرج التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة الرقة، تمهيدا لإطلاق معركة مدينة الطبقة، وبالتالي دخول معركة الرقة بفرض الأمر الواقع.
 
إنها معركة أدواتها القوى المحلية، لكن في خلفياتها تحمل بصمات الصراع الإقليمي ـ الدولي على محافظة الرقة.