ملفات وتقارير

التحولات الدينية في السعودية.. ما موقف العلماء منها؟

السعودية تتجه نحو انفتاح أثار جدلا في المملكة من خلال دور للسينما والأوبرا وحفلات غنائية ورقص- أرشيفية
انتقد الفقيه والداعية السعودي المعروف، الشيخ عبد المحسن العباد، جملة من السياسات والقرارات الرسمية في بلاده باعتبارها مخالفات شرعية، تعجب "الغربيين، ولكنها لا تكفيهم"، على حد قوله.

وقال العباد في مقالة جديدة نشرها الأسبوع الماضي: "لن يُرضي الغربيين في هذا الزمان عن المسلمين في بلاد الحرمين إلا اتباع ملتهم لقول الله عز وجل (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)، وأما ما سوى ذلك من مخالفة لما في الكتاب والسنة، فإنه يعجب الغربيين، ولكنه لا يكفيهم". 

وأضاف في مقاله المعنون بـ"اتباع بلاد الحرمين ملة الغربيين يرضيهم وما سواه يعجبهم ولا يكفيهم": "فيعجبهم ولا يكفيهم تعيين امرأة عميدة لكلية الطب في جامعة الطائف تكون مرجعا للرجال موظفين وأساتذة وطلابا"، مشيرا إلى أنه كتب كلمة سابقة بعنوان: "كارثة أخلاقية تحل بالشعب السعودي، بقرار جائر من وزير التعليم". 

وتابع العباد حديثه بالقول: "ويعجبهم ولا يكفيهم إعلان مديرية الأمن العام عن وظائف نسائية عسكرية برتبة جندي، تتقدم النساء بطلب شغلها في الفترة من 9 إلى 13 جمادى الآخرة/ 1439 هـ". 

وحذر العباد في مقاله من السياسات والقرارات التي تشيع مظاهر وصور الاختلاط بين الرجال والنساء في الوزارات والدوائر الحكومية، ووسائل الإعلام الرسمية، والمحلات التجارية. 

وانتقد الفقيه السعودي بشدة قرار إنشاء هيئة عامة للترفيه، لافتا إلى أنه كتب كلمة سابقة بعنوان "احذروا تدمير أخلاق الشعب السعودي أيها المسؤولون في الهيئة العامة للترفيه" بين فيها بعض منكرات الهيئة.
 
ويُنظر في هذا السياق إلى انتقادات العباد لتلك السياسات والقرارات على أنها لا تتوافق مع المنهجية الدينية السائدة في أوساط العلماء والمؤسسة الدينية، والمتمثلة باتباع المناصحة السرية لولي الأمر والمسؤولين، وعدم إشاعة تلك الانتقادات علانية أو نشرها في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة بحسب باحثين. 

لكن أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله في جامعة أم القرى السعودية، محمد السعيدي وصف انتقادات الداعية والفقيه العباد بأنها تتماشى "مع نسقه المعتاد، ولم يتحول إلى رأي جديد، بل هذا هو المعروف عنه منذ ما يقرب من 15 عاما، وهو ما يمكن الوقوف عليه بمراجعة موقعه الإلكتروني".

وأضاف لـ"عربي21": "وما فعله الشيخ العباد لا يخالف النصيحة بالسر، لأن المنكر إذا خيف من افتتان الخلق به يتم إنكاره علانية وفق أسلوب لا يعتمد صاحبه الإثارة والتهييج، وقد فعل بعض أئمة الحرم ذلك مرات عديدة، وكذلك سئل بعض العلماء عن بعض المنكرات في برامج تلفزيونية فأنكروها علانية كالشيخ صالح اللحيدان, والشيخ سعد الشثري". 

وتابع حديثه بالقول: "فالمنكر لا يسكت عن بيان حرمته في أي وقت، بل من راجع فتاوى اللجنة الدائمة وهي منشورة في الإنترنت يجد أنهم يذكرون تحريم ما يرونه حراما إذا سئلوا عنه دون النظر إلى أي اعتبار آخر".

وأوضح السعيدي أن "النصيحة بالعلن التي ينكرها علماء المملكة هي فيما يخص الوالي، أو فيما يستدعي الإثارة والتهييج ضده، أما بيان ما يحرم وما يحل لا سيما إن خُشي من الصمت عنه ظن الناس إباحته فلا يمنعون منه، ويمكن أيضا مراجعة فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم، ومن جاء بعده من العلماء لتجد الأمر على ما قلته لكم".

من جهته، لفت الإعلامي اليمني، رئيس تحرير موقع عرب برس، فضل العيسائي إلى أهمية "قراءة التحولات في السعودية من منظور سياسي، واستحضار أوضاع المنطقة والمتغيرات التي تهدد الأمن القومي العربي، واستغلال الأحداث من قبل المشاريع التي تستهدف المنظفة"، محذرا من قراءة تلك التحولات "من خلال نظرة حزبية مأزومة"، بحسب قوله. 

وقال العيسائي لـ"عربي21": "إن مناقشة تلك التحولات انطلاقا من معتقدات دينية وحصر محاور الحديث عبر "المؤسسة الدينية يعتبر نظرة قاصرة، وأكثر إثارة من قبل الإعلام المؤدلج، الذي يحتاج إلى الخروج لفضاءات أرحب لمعرفة مفهوم (الدولة)، لأن تحولات السعودية انطلاقا من مفهوم دولة يعيش فيها جميع الملل والنحل والاتجاهات تحت مظلة القانون والعدالة". 

واعتبر الإعلامي اليمني "حصر مناقشة التحولات في بيان آراء العلماء ومواقفهم اصطياد لخدمة أجندات مؤدلجة"، معللا ذلك بأن "علماء السعودية عقلاء وحكماء وهم مشاركون في صناعة سياسة السعودية واقعا"، داعيا إلى النظر إلى لتلك التحولات باعتبارها "تطورا حديثا وراقيا، وتحاول أن ترتقي بالعقل العربي المؤدلج والمتقوقع على ثقافة العنف من غير أن يواكب العالم بالتطور والحداثة والصناعة".

بدوره، رأى الباحث الشرعي الأردني، أمين حديد، أن "التيار الديني في السعودية سيتجاوز مرحلة الصدمة نتيجة التحولات الدينية الجديدة، وستبدأ ردات الفعل والمقاومة تظهر بأشكال مختلفة، ما زال من المبكر رصدها والتنبؤ بها".

وتعليقا منه على انتقادات وتحذيرات الفقيه السعودي عبد المحسن العباد، قال حديد لـ"عربي21": "ليس جديدا على الشيخ العباد انتقاده العلني لسياسات وقرارات بعض المسؤولين، ودائما ما كانت الردود السلفية التقليدية تندد بأسلوبه، وأنه يجب عليه الالتزام بالنصيحة السرية". 

وختم حديد حديثه بالإشارة إلى أن "العباد دائما ما يصرح أنه مع ولاة الأمر، إلا أن الوزراء والشورى والإعلام يخالفون نهجهم وتعليماتهم"، موضحا أن "ذلك النقد لا يخرج كثيرا عن السجال الإسلامي الليبرالي منذ سنوات، وهو سجال مسموح به باعتباره يصور التغيير السلطوي وكأنه يسير في سياقه الطبيعي، وفي إطار الحراك المجتمعي، الذي لا يمثل السلطة وبالتالي فإنها لا تتحمل تبعاته".