قضايا وآراء

"ثوار" بين الإحباطات الكبرى والمصالحات الصغيرة!

1300x600
موقف اليوم لشركاء ثورة 25 يناير موقف بالغ الإيلام، بل إنه يعد على أصحاب النفوس السوية بالغ الإلغاز؛ فهم ينالون من بعضهم البعض.. بل صارت الكراهية والضغائن تنتشر وتستشرى بين بعضهم البعض لأسباب تخص قول "ابن خلدون"، رحمه الله، إن المظلومين إذا لم يجدوا مَنْ يفرغون طاقاتهم فيه، أو إذا لم يستطيعوا مواجهة الظالم، عادَوا مَنْ هو أضعف منهم ولو كان منهم.

تُرى أن شركاء الثورة من الفصائل المتعددة؛ وأحيانا داخل نفس الخندق الواحد، أم أن "شركاء الثورة" وحدتهم الآمال المترعة المشبعة بالأماني والنصر والخلاص من قاسي نظام "محمد حسني مبارك"، فلما تحقق لهم ما لم يحلموا بتحقيقه بدأ الشقاق والنقار ما بينهم؛ لأن طريقهم لم يكن واحدا من البداية، وإنما جاؤوا كفرقاء ولم يستطيعوا التوحد كأشقاء؟

المفارقة الغريبة هي أن مرارة اللحظة الراهنة التي تفوق مرارة أقسى لحظات حكم المخلوع "مبارك" لا توحد أشقاء الأمس، ولو كانوا ظاهري العلاقة، بينما توحد أعداء أمس في التمسك بمصالحهم الفاسدة.

أم إن الندم على الوضع الحالي لم يجعل من مجال للتفكير لدى البعض، فيظن أن عدوه هو مَنْ يصارحه بمرارة اللحظة الحالية المحيطة به؟

أم إن الصدمة كانت مذهلة فلم يفق منها بعضهم حتى اليوم أو حتى لا يريدون أن يفيقوا على الإطلاق؟

أم إن الأزمة والمحنة، ككل الأزمات والمحن؛ تفرز طائفة من التجار يهمهم استمرارها ولا يعانيهم المضارين إلا بالكلمات الجوفاء؟

هذه الأسئلة والعشرات غيرها تشغل النفس على مدار اليوم.

والعقل البشري، كما يقول علماء النفس والسلوك، يبني مواقف الحياة على آخر فكر واجهه أو فكر فيه؛ وبالتالي فإن "الخيبات الصغرى" التي تمر بها ثورة يناير، وكل ثورة عربية عدا التونسية "نسبيا"، تجعل العقل البشري يُخيل لصاحبه طوال الوقت أن أمر هذه الخيبات يطول!

وللحقيقة، فإذا كان الانقلابيون أصحاب الباطل يتهافتون ويتجمعون ويحسنون التخطيط، فلا أقل من أن يحسن أهل الحق من الثوار التجمع والآمال والتخطيط لغد مشرق مزدهر.

إن الحياة ما هي إلا سلسلة من الآمال وتموت إذا ما تحولت إلى سلسلة من الخيبات؛ تموت الحياة داخل البشر حينها، ولو كانوا ظاهريا على قيدها ما يزالون، وإن الظلمة الذين يراعون بعضهم البعض باستطاعتهم أن يمدون قطرة قليلة في عمر دولتهم الظالمة؛ فيما أهل الحق المتفرقين إنما يمدون قطرة أخرى من عمر الزمان في حياة دولة الظالمين!

إن أهل الباطل الذين تجمعهم المصالح والمكاسب الزائلة و"لعاع الحياة الدنيا"، بحسب التقرير النبوي العظيم. وفيما يتطوح أهل الحق يمينا وغير اليمين؛ أهل الباطل يتغافلون ويتغافرون.. وأهل الحق من أصحاب بضاعة التغافر والتغافل الأصليين لا يكادون يجتمعون على عقل ولا عاقل أو منطق أو حتى ناطق؛ إن لم يكن قائدا.

وإن الطغاة ليفتحون أبواب العودة لأمثالهم إن شاركوهم الرأي مجددا على امتداد الرقعة المصرية والعربية؛ شريطة أن يكونوا طغاة وظلمة، كانوا وما يزالون، فلماذا يتعمد الشرفاء المخلصون عدم قبول بعضهم بعض إذا ما عادوا للنسيج واللُّحمة الواحدة؟!

إنني من هنا أذكر الجميع بشرف الحياة الدنيا، وشرف الضمير، وشرف الكلمة الصادقة المخلصة التي وهبها الله من روحه.. وبخطورة المواجهات التي يتعرض لها "فرقاء الثورة" في مقابل "مجتمعو الانقلابات"، وإن قلب الآية هذا لا يأتي ولن يأتي إلا بشرّ وبضياع حياة مئات الألوف من المصريين والعرب.

أذكر الجميع بالله ثم بالكرامة والضمير من أجل كل ابن فقد أباه في أحداث الثورة، وكل ابنة أمها شهيدة أو مطاردة لا تكاد تجتمع بها أو مصابة لا تقوم بحقوق الأمومة على النحو الأمثل.

أذكرهم بالله في الشهداء والمعتقلين والساهرين بلا نوم في السجون والمعتقلات والغربة.. أذكرهم بكل هؤلاء كي يزيلوا ما بينهم من فرقة؛ عسى الله أن يرى في أنفسهم خيرا فيمكنهم من القضاء على قسوة اللحظة الراهنة.

اللهم هل استطعت أن أبلغ؟

بل مني اللفظ ومنك يا إله الكون قذف وتقوية المعنى في النفوس!