أخبار ثقافية

جين ديتش.. صانع الحروب المرحة

جين ديتش الرسوم المتحركة توم وجيري
جين ديتش الرسوم المتحركة توم وجيري

في مساء الخميس 16 نيسان/ أبريل 2020، رحل الرسام ومخرج الرسوم المتحركة، الأمريكي- التشيكي جين ديتش، في الخامسة والتسعين من العمر، في شقته بمدينة براغ، التي تعود إليها أصول والديه.


لعبت الصدفة دورا حاسما في حياته المهنية، حين تسبب التهاب رئوي في إبعاده عن العمل بالقوات الجوية، ليطوّر موهبته رساما ومخرجا لأفلام الكرتون، ويبدأ مسيرته نحو التألق والنجاح. ذاع صيته بعد الفوز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة قصير سنة 1961، عن فيلمه "مونرو".


ولد ديتش سنة 1924 بشيكاغو، ونال شهادة الثانوية العامة عام 1942. ثم اتجه لرسم مخططات الطائرات في شركة طيران أمريكا الشمالية. بعدها عمل ضابطا بالجيش الأمريكي، ليتخصص، أيضا، في رسم مخططات الطائرات، لكن القدر أنقذه بعد أن أصيب بالتهاب رئوي حادّ، أدى إلى تسريحه من الجيش.


التقى بزميلته ماري أثناء عمله في شركة طيران مدني. تزوجا وأنجبا ثلاثة أطفال، عملوا جميعا في صناعة الكرتون فيما بعد. لكن أحوال ديتش أخذت  تتطور، ففي منتصف الخمسينيات، حصل على تدريب في أحد استوديوهات الرسوم المتحركة وشقّ طريقه رساما ومخرجا لأفلام الكرتون.


وبدأت النجاحات تتوالى، فقد رُشِّح فيلمه القصير "Sidney's Family Tree" لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم كرتون قصير، وذلك في سنة 1958، ثم فاز فيلمه "Munro" بالجائزة سنة 1961، التي كانت، ضمن بداية الستينيات، فترة استثنائية في حياته الإبداعية.

 


بدأ النجاح منذ أسس ديتش استوديو الرسوم المتحركة الخاص به سنة 1959، الذي موّلته شركة سيندرز ريمبرانت للأفلام. وقد اقترح صاحبها سيندر على ديتش أن ينطلق الاستوديو من مدينة براغ، فظن ديتش أنها مدينة براغ الواقعة في أوكلاهوما الأمريكية، بينما قصد سيندر عاصمة تشيكوسلوفاكيا (التشيك حاليا) توفيرا للتكاليف، فقد كانت تشيكوسلوفاكيا وقتها تحت وطأة النظام الشيوعي، وكانت نفقات الحياة فيها أيسر كثيرا من نظيرتها في أمريكا. 


ومع أن سيندر أخبر ديتش أنه سيمكث هناك عشرة أيام فقط، فقد خطفته براغ بسحرها، فاتخذها وطنا، عائدا إلى جذوره، بعد أن وقع في غرام الرسامة التشيكية ناجمانوفا، فتزوجها، وانتقل بشكل نهائي إلى براغ منذ أكتوبر 1965.


وعبر شركة رامبرانت التي موّلت الاستوديو الذي أداره، أخرج ديتش حلقات المسلسل الكرتوني الشهير باباي، فافتحت أمامه أبواب الشهرة، وكان باباي السبب في اختياره مخرجا لثلاثة عشر حلقة من المسلسل الكرتوني الذائع أيضا توم وجيري، في الفترة من 7 سبتمبر 1961 و21 ديسمبر 1962.


نجحت الحلقات تجاريا لكن بعض النقاد انتقدوا مستواها فنيا، رغم أنها حققت أعلى المبيعات على مستوى الرسوم المتحركة في الستينيات، وظلت متربعة على القمة لمدة ستة عشر سنة تالية.


من طرائف ديتش أنه لم يتحمس لإخراج حلقات توم وجيري حين عُرِضت عليه في البداية. يبدو أنه كان لا يزال متأثرا بفظاعة الحرب العالمية الثانية وقسوتها الدموية. لم يتحمس ديتش بسبب المطاردات العنيفة التي كانت جزءا أساسيا من المسلسل. كان العالم مثقلا بالدمار، فلم يعد ديتش يحتمل التعاطي مع أي عمل يتضمن العنف. 


ثم توصل ديتش إلى حل مُرضٍ. فقد كان يساهم في كتابة الحلقات أيضا، فمنح الكائن الصغير جيري قدرة فائقة على المناورة والانتصار على توم، الذي مثّل القوة الغاشمة الهائلة. نلاحظ أن ديتش انتصر لقيم الفن والإبداع، فقد كان يجعل الصراع مفعما بالمرح والطرافة، فلا نكاد نتوقف عن الضحك على ما يبتدعه جيري من الحيل الذكية التي تنقله فورا من كفة المهزوم إلى كفة المنتصر.


نلاحظ أيضا أنه نزع الموت من الصراع تقريبا، فلا أحد يموت، مهما كانت إصاباته. لا بد من فرص أخرى للحياة. ربما نستطيع القول إن ديتش سخر من كل ما يتعلق بالحروب والصراعات بالنزول (أو الارتقاء) بها إلى مستوى فائق من المرح واللعب الطريف.


يبدو أن شهية ديتش قد انفتحت بعد تلك النجاحات، حيث رُشِّح فيلمه "Here is Nudnik" لجائزة الأوسكار سنة 1964، مع عشرات من الأفلام القصيرة الناجحة خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات.

 

 

وكانت أفلام الكرتون القصيرة تُعرَض في قاعات السينما قبل الأفلام الطويلة، وكانت تحقق نجاحات تجارية منذ ابتكر والت ديزني شخصية ميكي ماوس وأفلامه الكرتونية القصيرة التي فتحت مجالا واسعا لصناعة الرسوم المتحركة في العالم أجمع.


وفي عام 2003 حصل ديتش على جائزة وينسور ماكاي عن مجمل أعماله في صناعة الكرتون. وقد ظل وفيا لبراغ حتى وفاته فيها منذ أيام.


ربما كان ديتش محظوظا بنجاحات تجارية مهمة، لكنه يبدو أوفر حظا من ناحية أخرى. فمع الرعيل الأول من رسامي الكرتون، استطاع ديتش حفر اسمه صانعا للبهجة والابتسامة على وجوه الأطفال، والشغف في قلوبهم.


مع ذلك، إذا أردنا تقييم تجربته فنيا، فربما تكون لدينا بعض التعليقات، قد يرجع بعضها إلى ضعف الإمكانيات الفنية في الرسم والتحريك في الستينيات، لكن تعليقات أخرى قد يبدو أن سببها نوع من الاستعجال في تسليم الحلقات. مثلا: في حلقة "Sea no evil"، يواجه باباي وزوجته أليس البائع الشرير الذي يسرق محتويات قاربهما ومحركه وعجلة قيادته، ليعرضها في محله الكائن على الشاطئ، فيشتريها باباي مرة أخرى دون أن يفطن إلى أنها ملكه أصلا، وحين يعود بالقارب إلى البحر يعيد البائع الكرة ليظل يبيعها لباباي كلما اشتراها، حتى يكتشف باباي المكيدة فيطارد البائع ويخوضان صراعا بحريا ينتصر فيه باباي.

 


مع ذلك، تبدو علاقة الثبات- الحركة مضطربة تماما على أكثر من مستوى، حتى لو وضعنا في الاعتبار عنصر التقدم التقني وقتها. مثلا يبدو البحر ساكنا تماما في معظم الحلقة، فالقارب راكد فوق الماء كأنه فوق أرض ساكنة، بينما ظهرت في تلك الفترات بعض تقنيات التحريك التي تسمح بتحريك تموجات بسيطة تمنح الإحساس بحركة الموج في البحر. يؤكد ذلك أنه في بعض اللقطات القليلة، ظهر تموج سطح البحر عند القفز فيه، بما يدل على إمكانية عمل ذلك تقنيا.


ومع سباحة باباي وهو يجر القارب إلى الشاطئ بعد سرقة المحرك، تظهر سرعة حركته بطيئة في لقطة ثم سريعة جدا في اللقطة التالية بما لا يمكن تبريره حتى في حلقات ذلك الزمن.


وفي المشاهد الواقعة على الشاطئ، حيث يلتقي الموج المنكسر مع الشاطئ الرملي، نجد الموج ثابتا تماما حتى مع شريط الزبد على حافته، كأنه سجادة مفروشة على الأرض، كما نجد السطح الرملي خاليا تماما من التفاصيل؛ لا أصدافَ ولا ألعاب بحرٍ ولا أطفالَ يلعبون ولا تموّجات رملية.. حتى الغيوم في السماء ساكنة تماما.


ربما يلفتنا أيضا أن مبادئ التحريك المعروفة في عالم الكرتون لم تُطبَّق في الحلقة، ربما لأنها لم تكن قد انتشرت وقتها. فقد استخلص منتجو الكرتون بعض المبادئ التي تجعل التحريك ممتعا، مثل المبالغة في الحركة، وانضغاطها ثم امتدادها مثل حركة القصور الذاتي، والسيولة الدائمة للأجسام الصلبة... وهي المبادئ التي لم يلتزم بها ديتش في هذه الحلقة.


وقد ذكر نقاده بعض العيوب التي أراها تحققت هنا أيضا، مثل عدم مزامنة الصوت مع الحركة بدقة.
مع ذلك، لا تقلل هذه المآخذ من العطاء الفني الذي قدمه ديتش عبر مسيرته فنانا ورسّاما ومخرجا مبدعا.


من الملفت أيضا أن نرى تحسنا واضحا في تلك النواحي في حلقة أخرى من مسلسل توم وجيري، من إخراج ديتش أيضا، ففي حلقته "Buddies Thicker Than Water"، نلاحظ إجادة واضحة في علاقة الثبات – الحركة، منذ بداية الحركة التي يحرك فيها ديتش ندف الثلج والعواصف الباردة العنيفة، التي تساعد، مع حركة الكاميرا وتغيير اللقطات، على خلق شعور قوي بالتناقض بين عالمين: عالم توم الخارجي البارد القاسي، وعالم جيري الداخلي الدافئ الحميم.

 


كما نلاحظ أيضا تحسّن التحريك وطرافته وتعبيره عن ليونة الأجساد في محيطها الثابت حد القسوة.
ربما ينبغي لنا أن نشكر القدر مرة أخرى حين نعلم أن ديتش سعى في شبابه ليكون مغنيا لموسيقى الجاز، التي كتب لها بعض الأغاني، ولم تنجح، لحسن الحظ، فاتجه إلى التخصص في صناعة الكرتون.


ماذا لو نجح ديتش في الغناء؟ ربما كان سيصبح واحدا من آلاف المغنين لموسيقى الجاز، لكنّ أحدا غيره لن ينجح في أن يكون ديتش، فنان المطاردات المرحة!

التعليقات (0)