أخبار ثقافية

آرثر رامبو.. من شاعر شهير إلى تاجر سلاح

شعر رامبو كان جديدا طازجا أسس لمرحلة أحدث هي المدرسة الرمزية وكان في شعره شيء من الغموض والتكثيف- تويتر
شعر رامبو كان جديدا طازجا أسس لمرحلة أحدث هي المدرسة الرمزية وكان في شعره شيء من الغموض والتكثيف- تويتر

قرأت مرة أن أفراد إحدى القبائل الهندية في أمريكا اللاتينية يشيرون إلى الوراء حين يتحدثون عن المستقبل، قاصدين أن المستقبل، في جوهره، امتداد للماضي ونتيجة من نتائجه.


لعل هذه الفكرة تنطبق على الشاعر الفرنسي الشهير آرثر رامبو، أكثر مما تنطبق على شعراء كثيرين في هذا العالم.

 

ولد رامبو لأب يعمل نقيبا في الجيش الفرنسي، ممن خدموا في الجزائر وبقي فيها زمنا قيل إنه تعلم العربية خلاله وبدأ في ترجمة القرآن.


ولسبب غير مفهوم، اختار شابة كاثوليكية شديدة التزمت، وأنجبا خمسة أطفال، ثانيهم هو آرثر رامبو، المولود سنة 1854 بمدينة شارلويل الصغيرة.

 

ولأن النقيب الشاب كان مرحا محبا للحياة، لم يتحمل زوجته المتزمتة فهجر البيت. ويبدو أن التزمت كان سمة غالبة على الأم، فمنعت أطفالها من اللعب مع الأطفال الفقراء في الحي، على نقيض ما أراد الطفل رامبو، مع أنهم كانوا أسرة من الفقراء الذين فر عائلهم. 


كان رامبو يحب اللعب والمرح، وكانت أمه تتسلط على رغباته تلك. ومما يؤكد تلك النشأة المريرة أن شقيقه الأكبر هرب من البيت، فألهم رامبو أن يسلك مسلكه، حتى إنه احتذاه في محاولة الالتحاق بالجيش الفرنسي، الذي قبل أخاه ورفض رامبو لصغر سنه.

 

يبدو غريبا أن يبدأ شاعرٌ حياته بمحاولة الالتحاق بجيش استعماري، أقل ما يمكن وصمه به أنه يقتل بشرا أبرياء وينهب خيرات وطنهم.


من المرجح أن هذا العالم هو ما طبع شعر رامبو بالطابع الذي أذهل معاصريه، وكان سببا لفرادته، وهو طابع العنف.

 

كان ذلك نزوعا غير مألوف. كانت المدرسة البرناسية تزيح المدرسة الرومانسية عن عرش الشعر العالمي، والبرناسية كانت بالأساس ترفض ما في الرومانسية من إغراق في الذاتية واعتبار ذات الشاعر مركزا للرؤية الشعرية، وكانت ترفض أيضا إسراف المدرسة الواقعية في التركيز على المكون الاجتماعي الخارج عن رؤية الشاعر.

 

اقرأ أيضا : شعراء "نهضة هارلم"... أنا أيضا أمريكا


أما شعر رامبو فكان جديدا طازجا، أسس لمرحلة أحدث، هي المدرسة الرمزية. وكان في شعره شيء من الغموض والتكثيف الذي يجعل جمله الشعرية تنشر إحساسا عاما ولا تطرح أفكارا محددة ومفهومة على نحو بسيط ومباشر، مع نزعة لتمجيد ذاته وإسباغ التفرد عليها، ويسيطر على ذلك كله إحساس عنيف، صادم بالرفض والتحدي.


قبل أن نتناول بعض شعره، يجدر بنا أن نتأمل تلك التجربة الفريدة: عاش رامبو 37 عاما، وتوقف عن كتابة الشعر في العشرين من عمره، أي أنه أبدع منجزه الشعري كله ما بين السادسة عشرة والعشرين عاما، وقد كتب أكثره في خضم تجربة غريبة من الحب المحرم.

 

فقد تورط في قصة حب مع الشاعر الفرنسي الشهير فيرلين، ولم يكن المجتمع الفرنسي وقتها يقبل المثلية الجنسية، وكانت العلاقة مضطربة حتى انتهت بأن أطلق فرلين رصاصتين على رامبو، طاشت إحداهما وأصابت الأخرى معصم يده.


نقل رامبو إلى المستشفى وفرلين إلى السجن، ثم بدا أن رامبو اتخذ الشعر خصما له، فهجره، سافر كثيرا، تاجر في أفريقيا وآسيا، بل ظل يسمي مرحلة كتابة الشعر "المرحلة الملعونة"، ويصف شعره بـ "القذارة" و"الخربشات"، احتقارا لما كتبه من قبل، مع أن هذا الذي كتبه ساهم في تغيير التوجه الشعري في العالم.


واتساقا مع الطابع العنيف لحياته، باع خلال مغامراته في أفريقيا قافلة سلاح لملك الحبشة، وهو ما يبدو غريبا تماما بمعاييرنا الحديثة ورؤيتنا للأدب والفن، لكنه رامبو الذي اتخذ من عدن مستقرا له، حين كانت مجرد مدينة صغيرة بدائية تماما إذا قورنت بأصغر مدينة في فرنسا. وانتهت مغامراته الشاقة بسقوطه صريعا أمام السرطان في السابعة والثلاثين من العمر.


وقد حدا ذلك بعض النقاد إلى الاعتقاد بأن الهالة التي أحاطت برامبو كانت نتاج حياته وموته الحافلين بالتمرد أكثر مما كانت بسبب روعة شعره.


من الغريب حقا أن رامبو عاش النصف الثاني من حياته مناقضا ما فعله خلال النصف الأول منها، عاد إلى أمه، واكتشف محبتها له، وجمع مالا جيدا، واستعاد موقعه من الأسرة، وقطع علاقته تماما مع فرلين.

 

بدا أنه ينتقم من رامبو القديم الذي عذبه بتمرده. لعل ماضيه هو ما يفسر ذلك كله. يقول رامبو في قصيدته "المركب النشوان" (ترجمة عبد الهادي السايح): 


وانطلقتُ
ممتطيا سيولاً لا تبالي..
ما عدتُ أحس بالحبال تتجاذبني
يشدها عمالُ المرفأ
كانوا هناك
وقد اتخذهم بعضُ أوباش الهنود الحمر أهدافا
بعدما قيدوهم عراةً إلى أعمدة الألوان..
لم أكترث للطاقم
..عندما انتهى ذلك الشغب وغاب العمال معه عن ناظري
تركتني السيول أهوي إلى حيث أشاء..
بين تلاطم الأمواج الغاضبة
جريتُ ذاك الشتاءَ
بعناد أعتى من عناد الأطفال،
...وكأخفَّ من سدادة
رقصتُ فوق الأمواج،
تلك الأيدي الأبدية التي تدحرج ضحاياها، كما يقال،
...منذ ذلك الحين وأنا أستحم في قصيدةِ البحر
تـتخللها النجومُ،
حليبية اللونِ،
تلتهم البقعَ اللازوردية المائلة إلى الخضرة
أينَ ترى أحيانا
غريقا شاردَ الذهن
تلفه هالة صفراءُ
مُمتـقعة،
يرسب إلى القاع
وهو مسرور..
...اتبعتُ لأشهرٍ كاملة
الأمواجَ الهائجة
وهي تجتاح أرصفة الصخور في جنون
كقطعان البقر الهستيرية،
... شاهدتُ انهيارَ المياه وسْط هدأةِ العباب
والمسافاتِ البعيدة ترتمي إلى أعماق الهاوية،
أنهار الجليد، شموس فضية، أمواج منْ لؤلؤ، سماوات منْ شواظ
حطام سفن مشوهة..في أعماق الخلجان البنية،
... وددت لو أري الأطفال تلك الحيتان
حيتانَ الموجة الزرقاء،
تلك الحيتان الذهبية، الصادحة..

رامبو، إذن، يؤسس شعره على ذلك النزوع إلى العنف ويتخذه منطلقا لرؤيته الشعرية. في هذا النص، ثمة افتخار غريب بقوة خارقة، يعبر عنها على نحو صريح مثل امتطاء السيول التي لا تبالي بأحد لقوتها، وعدم المبالاة بصراعات البشر واقتتالهم، بل حتى بحيواتهم، فالهنود الحمر يتسلون بقتل عمال المرفأ لأسباب نجهلها، كما أنه يلهو بين الأمواج المتلاطمة الغاضبة، التي يشبّهها بالأيدي الأبدية التي تدحرج ضحاياها نحو قاع البحر المخيف، ومع ذلك يبلغ به العنف أن يرقص بينها بخفة سدادة من الفلين؛ تلك الصغيرة الخفيفة الضئيلة، التي تنتصر على الموج بقدرتها على الطفو مهما كان الموج غاضبا.


تفور القصيدة بمعاني الفتك والعنف والاقتدار، أحيانا يبدو ذلك طفوليا نسبيا، فهو خارق فوق كل خارق.. ويبدو أنه مولع بالأمواج الهائجة المضطربة أكثر من غيرها، فهي الدالّ الأقوى على العنف الباطش، الذي يحقق ذاته الشعرية بالانتصار عليه، فهو يتبع ذلك الموج حيث يجتاح أرصفة الصخور بجنون يستدعي صورة قطيع الأبقار الخائفة المضطربة، كما يعاين العجائب مثل أنهار الجليد وشموس الفضة وأمواج اللؤلؤ، وصولا إلى حطام السفن الغارقة في الأعماق السحيقة، وهناك يجد الشاعر لنفسه متسعا ليقول: "وددتُ لو أُري الأطفال تلك الحيتان، حيتان الموجة الزرقاء"، كأنه يتمشى في حديقة حيوان عامة!


لعل هذه القدرة على اقتراف العنف الشعري من أكثر ما سحرت مريديه وعاشقي شعره.

التعليقات (2)
sandokan
السبت، 02-01-2021 10:00 ص
سيخبرنا عثمان لوصيف، في أطروحته القيّمة، أن الشاعر آرثر رامبو زار اليمن والحبشة وبلدان مشرقية، وكان يحرص على تعلم اللغة العربية وقراءة القرآن الكريم، وفي المستشفى عندما أصيب بالسرطان، كان يردد دون انقطاع هاتين الكلمتين العربيتين: الله، كريم. عثمان لوصيف، يورد العبارة بالفرنسية من مصدر فرنسي موثوق، ولكنه يستطرد قائلا : أننا لا ندّعي من جانبنا أنه مات مسلما، فذلك شأن آخر بعيدا عن مجال بحثنا؛ لكن من المؤكد أن رامبو، تأثر بالصوفية العربية الإسلامية، ويورد عثمان لوصيف في هذا الصدد، كلاما للشاعر ادونيس، في حديثه عن رسالتي الرائي إن ما يقوله رامبو في الرسالتين، يكاد أن يكون استعادة شبه حرفية، لكن بلغة حديثة، لما كان يقوله الصوفي العربي.
sandokan
السبت، 02-01-2021 09:36 ص
قالت إمرأة غربية لرجل أفريقي عربي مسلم بلهجة سخرية امام جمع من الناس يا أسود؟؟ فرد عليها وسط ذهول الجميع أسود ؟ أنا ما تقصدين ؟ قالت نعم أنت ؟ فرد قائ? ا?سود ساترك يا إمرأة يقصد العباءة السوداء فرجع الي منزله ما بين فكر ووجع ألف قصيدته المشهورة في ذلك وتناولتها بعض المج?ت والصحف وكانت تلك كلماتها قالت لي اسود السواد هو الوطن في القارة السمراء سوادي هبة خالقي وأحس بالرضاء لوني شرف لي وللكعبة كساء والرجال مميز للشوارب واللحاء سوادي في العيون زينة وبدونه عماء لوني شهامة ورجولة ما به ما يساء سوادي خيام بادية لعروبة كرماء أتعلمين لوني للمرأة ستر وجمال وغطاء سوادي علي كل رأس امنية للنساء وإن كان شعرك أبيض تشتري لوني بسخاء وبعدما تضعينه تعودين شبابا للوراء أتقولين يا أسود ؟ وكل من يزور الكعبة يقبل لوني بانحناء السواد هو صندوق سر لرح?ت الفضاء السواد هو بترول بدل صحاريكي واحة خضراء لو? السواد ما سطع نجم و? ظهر بدر في السماء السواد هو لون ب?ل مؤذن خير ا?نبياء لو? السواد ? سكون و? سكينة بل تعب وابت?ء السواد فيه التهجد والقيام والسجود والرجاء فيه الركوع والخشوع والتضرع ?ستجابة الدعاء فيه ذهاب نبينا من مكة ل?قصى ليلة ا?سراء لو ضاع السواد منا علينا أن نستغفر ونجهش بالدعاء عزيزتي تأملي الزرع والضرع وسر حياتنا في سحابة سوداء . أسمعيني والله أنتي مريضة بداء الكبرياء أنصتي لنصيحتي ياأمراة ولوصفة دواء عليك بحبة مباركة مثل لوني مع جرعة من ماء لست مازحا وستنعمي بالصحة والشفاء سامحيني يا مغرورة لكل حرف جاء وكلمة هجاء ? أسود و? أبيض في شرعنا سواء كلنا من خلق الله الواحد نعود ?دم وأمنا حواء . ( علاج كسر الخواطر ) في بعض التجمعات العائلية قد تجد شخص سليط اللسان يوجه كلام جارح فكيف تحمي نفسك من أثر الكلمة الجارحة ؟ عند سماعك قولاً مؤذياً أو جارحا من : زوج أوزوجة أو أخ أو أخت أو أب أو أم أو قريب أو بعيد... يقع بالقلب ألم و يحدث في النفس خدوش،،!!! فإذا سكت عنها وتجاوزت سمي هذا ( *الحلم والعفو* ) ولكن...! كيف أتجنب هذا الألم ؟ والأهم كيف أحافظ على القلب من أذى تلك الكلمات الجارحة لكي لا تصيبك أمراض مثل : الكراهية ، الغل ، الحسد أو مرض جسدي أو عصبي الخ...؟؟ يشير القرآن العظيم في ثلاث مواضع إلى هذه الوقاية التي نبحث عنها : ? قال الله عز وجل في نهاية سورة الحجر : ?وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّكَ يَضيقُ صَدرُكَ بِما يَقولونَ* فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَكُن مِنَ السّاجِدينَ? ? و في أواخر سورة طه : ?فَاصبِر عَلى ما يَقولونَ وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُروبِها وَمِن آناءِ اللَّيلِ فَسَبِّح وَأَطرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرضى? ? و في أواخر سورة ق : ?فَاصبِر عَلى ما يَقولونَ وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ الغُروبِ? فلك أن تلاحظ الأمر بالتسبيح بعد كلمة ( يقولون ) فوراً... أي عند سماع الكلام المؤذي... فسلامة القلب أمر مهم، وكأن *التسبيح* يقي القلب من أي أذى يسببه الكلام الجارح وليس وقاية فحسب، بل يورثك رضا تشعر به يستقر في قلبك.... إن تطبيق مثل هذه الآيات في *حياتنا اليومية* يقي قلوبنا ويشفي صدورنا بل وأثره أسرع مما نظن.... جعلنا الله وإياكم من المسبحين آناء الليل وأطراف النهار..