كتاب عربي 21

برنامج أبو الفتوح للحوار الوطني

شريف أيمن
السوشيال ميديا - مقالات اشخاص
السوشيال ميديا - مقالات اشخاص
اجتمع مجلس أمناء ما يُسمى بـ"الحوار الوطني" في مصر، وأقر الاجتماع وثيقتين مكونتين من 44 مادة، تتكون الأولى منهما من 19 مادة لتنظيم عمل الحوار، والثانية من 25 مادة خاصة بمدونة السلوك. كما أعلن السيسي صراحة عن استبعاد الإخوان من الحوار الوطني، وهو ما أكده أعضاء من مجلس الأمناء، دون تفرقة بين من اتُّهم في قضايا عنف أو قضايا سياسية، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا التقسيم لا ينبغي أن يكون موجودا إذا صدقت الإرادة في تطهير جراح المجتمع، فالعنف الداخلي ليس بنفس ضراوة الحروب، خاصة مع الاحتلال الصهيوني الذي دمر البلاد، واليوم نجد قادة ممن ولغوا في دمائنا يُستقبَلون في كل مكان بحميمية، وأبناء الوطن أولى بالعفو من العدوّ، كما أن سياق العنف الأخير مرتبط بعنف شديد انطلق من أروقة النظام السياسي ونما فيه، ولكن هذه قصة أخرى.

واتصالا بمسألة استبعاد من تورطوا في العنف، فلنا أن نتذكر أن ضريرا حُكم عليه بـ15 سنة بسبب تدريب أشخاص على "القنص"، وغيره الآلاف الذين اتهموا بحمل السلاح أو القتل أو التحريض عليه، لمجرد أنهم معارضون، أو ساقهم حظهم العاثر للتواجد في مكان تجمّع فيه معارضون. فهذا التقسيم المطروح بين مدانين بالعنف وغيره، تقسيم لا يوصل إلى حقيقة إطلاق وصف دقيق على كثيرين، لأن هناك شُبها كثيرة تتعلق بنزاهة جهات التوصيف والحكم.
أصبح الأساس استبعاد من ينتمي للإخوان المسلمين سواء كان اتهامه متعلقا بالانتماء السياسي، أو الارتباط بالعنف، ليتم استبعاد الكتلة الأكبر من المعارضين السياسيين في مصر وخارجها

ثم إن هناك إشكالا مهما يتعلق بمن يوصفون بأنهم من الإخوان المسلمين وبناء على ذلك الوصف سيتم استبعادهم من الحوار، فالتهمة الأساسية لأي معتقل هي الانضمام لجماعة إرهابية، وهو الوصف الغامض من الناحية القانونية لأنه لا يتم تحديد هذه الجماعة في قضايا كثيرة، وفي ذات الوقت يكون مفهوما للإعلاميين والسياسيين التابعين للنظام، أن هذا اللفظ ينحصر في الإخوان المسلمين، فأصبح الأساس استبعاد من ينتمي للإخوان المسلمين سواء كان اتهامه متعلقا بالانتماء السياسي، أو الارتباط بالعنف، ليتم استبعاد الكتلة الأكبر من المعارضين السياسيين في مصر وخارجها.

وتجدر إعادة التأكيد أن هذه الأوصاف مسيّسة بطبعها، كما أن الانتماء للإخوان في الأساس لا يعني أنه اتهام ولا يستلزم قبول استبعادهم من أي حوار يتعلق بمصر ومستقبلها.

كذلك لا يقتصر الاستبعاد على الإخوان أو التيار السياسي الإسلامي في مصر، بما في ذلك أحزاب لا يزال لها الحق القانوني في ممارسة نشاطها مثل حزب الوسط، وحزب مصر القوية الذي يقبع رئيسه ونائبه في العزلة الانفرادية منذ أكثر من أربع سنوات، كما تم استبعاد حزب الإصلاح والتنمية الذي يرأسه السيد محمد السادات، وهو يقوم بدور فاعل في ملفات المعتقلين وفقا لمساحة الإمكانيات المتاحة والمقبولة لدى النظام القمعي، فالحوار يجري بين أطراف كتلة 30 يونيو مع استبعاد أطراف منها أيضا، فأي حوار جاد سيخرج في هذه الأجواء الإقصائية والانتقائية والقمعية؟
يقتصر الاستبعاد على الإخوان أو التيار السياسي الإسلامي في مصر، بما في ذلك أحزاب لا يزال لها الحق القانوني في ممارسة نشاطها مثل حزب الوسط، وحزب مصر القوية الذي يقبع رئيسه ونائبه في العزلة الانفرادية منذ أكثر من أربع سنوات، كما تم استبعاد حزب الإصلاح والتنمية الذي يرأسه السيد محمد السادات

إذا أردنا أن نستقصي في الوقت القريب عملا جادا لأجل التماسك الاجتماعي والتقارب السياسي، فسنكون أمام محاولتين؛ إحداهما محاولات الإمام الأكبر أحمد الطيب، ونتج عنها عدة وثائق؛ للحريات، ومستقبل مصر، واستكمال أهداف ثورة 25 يناير، وكلها وثائق كُتبت بشكل جاد، لكن تم تجاهلها من الجميع بما في ذلك القوى التي شاركت في إعدادها، لكن المهم أنه كان هناك من يقدر على منع إخراج وثائق عبثية الصياغة، ووجدنا من يتولى رعاية الحوار، وهو ما فعله شيخ الأزهر بقدر ما استطاع، أما التنفيذ فكان مِلْكا لإرادة المؤتمِرِين، وبدا أن إرادتهم لم تكن حقيقية، وهذه المحاولة يمكن توصيفها بأنها محاولة أقرب إلى الإطار النظري من الإطار العملي.

أما المحاولة التي كانت عمليّة وناجحة طوال مراحل وجودها، فهي الحملة الرئاسية للمرشح الرئاسي السابق الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، فقد جمعت الحملة أناسا من اليمين واليسار، والمسلمين والمسيحيين، والشيوخ والقساوسة، والفنانيين والرياضيين، فحصل اجتماع أطراف متنافرة لكن دون تنافر، ودون ذواب خصائص أي من هذه الأطراف مع بعضها؛ بل كان الجميع يدرك وجود خلاف في الأفكار، وكان هناك من يجمع الأشتات ويُتم جمعهم على هيئة مستقرة، ويدرك حجم الخلاف لكن يبحث عن المساحات المشتركة، وكان هذا هو عبد المنعم أبو الفتوح فقط من بين كل مرشحي الرئاسة المصريين، وهذه مجرد حقيقة لا مبالغة.

تقدّم أبو الفتوح للرئاسة وكان قد تجاوز الستين من عمره، فطاف محافظات البلاد بجولات مكوكية، وأوصل صوته لعموم المصريين، ووصل صوت ضميره الصادق للملايين، ومن هنا تشكلت حملة تطوعية جاوزت 100 ألف شخص، يؤمنون بأفكار رجل لا يملك تنظيما جماهيريا ولا دعما ماليا من تنظيمه، ثم أصبحت حملته تكافئ التنظيمات الكبرى بأعداد المتطوعين، وأموال الداعمين لفكرة الوطن الواحد والعيش المشترك. ومن هنا شعر الحاكم الحالي ومجلسه بخطر ذلك الرجل، وكانت هناك أهمية قصوى لإبعاده عن ذلك الكرسي، فلو وصل إليه "سيعلقهم مثل الذبائح"، كما قال ياسر رزق له.
قدم أبو الفتوح مشروعا وطنيا يقوم على عدة عوامل، وعند النظر إلى الوراء بعد 10 سنوات من نهاية حملته الانتخابية، نفهم أن أهم عامل قامت عليه أفكار وحملة أبو الفتوح، هو مفهوم العيش المشترك، والتحام المصريين ككتلة واحدة، وإقرار وجود الخلافات بين الجميع، دون إقصاء لأحد، وكانت عاقبة احتدام الخلاف السياسي أن وصلنا إلى انقلاب 2013

قدم أبو الفتوح مشروعا وطنيا يقوم على عدة عوامل، وعند النظر إلى الوراء بعد 10 سنوات من نهاية حملته الانتخابية، نفهم أن أهم عامل قامت عليه أفكار وحملة أبو الفتوح، هو مفهوم العيش المشترك، والتحام المصريين ككتلة واحدة، وإقرار وجود الخلافات بين الجميع، دون إقصاء لأحد، وكانت عاقبة احتدام الخلاف السياسي أن وصلنا إلى انقلاب 2013، وتم سحق الجميع تحت حذاء الجنرال المتعطش للقهر والقمع، الذي أدرك خطورة هذا العامل على مشروعه الخاص. فمشروع أبو الفتوح يقوم على الوَحْدة، بينما مشروعه لا ينجح إلا بالتقسيم السياسي والاجتماعي، ولا يمكن للاستبداد أن يستقر في ظل وجود مكونات اجتماعية متماسكة، فحينها سترفض نمط الحكم القائم.

مضت 10 سنوات من الانتخابات الرئاسية النزيهة الوحيدة في التاريخ المصري الحديث، قضى منها الفارس النبيل والحصان الأسود فيها، أربع سنوات وخمسة أشهر في زنزانة انفرادية، وفي عزلة تامة عن البشر إلا وقت الزيارة الأسبوعي أو الشهري في فترة كورونا. وتبقى الحقيقة في ظل الزيف المصاحب لاتهاماته، أن جنايته الوحيدة هي أنه بديل شديد الخطورة إذا طُرح اسمٌ مدني لإنقاذ البلاد من دوامتها التي غرقت فيها منذ أن تولى الدفة ربّان محدود الإمكانيات البدنية والذهنية.

twitter.com/Sharifayman86
النقاش (0)