قضايا وآراء

5 يونيو.. الحقيقة في قعر البئر!

هشام الحمامي
عربي21
عربي21
يقولون إن "السفسطة" هي خطاب الخداع المقدوح فيه علميا وأخلاقيا.. وهي حالة انتشرت في أثينا في القرن الخامس ق.م على يد جورجياس (ت: 357 ق.م) تهدف إلى تعليم الناس "السيطرة بالكلام" بدون فكر، بدون معرفة، بدون معلومات.. ولكن ببلاغة..

وهي حالة رفضها سقراط (ت: 399 ق.م) وتلميذه الشهير أفلاطون (ت: 347م)، بل وحاربها كثيرا ودعا في المقابل إلى خطاب منهجي، قائم على النقاش وغائية البحث عن الحقيقة.. والذين يعنيهم تشكيل الصورة الذهنية للناس لأسباب مختلفة، تجارية أو سياسية أو أيا ما كان، ستجدهم يجتهدون في "حياكة واقع جديد" في الأذهان وتفصيله وضبطه بطريقة معينة، وعلى نحو مخصوص، ولا يقرّون أبدا بالحقائق التي لا تلائم أغراضهم.. وتلقائيا سينفونها ويشوهونها..

لم نر في تاريخ الحروب والهزائم عبر التاريخ، ما رأيناه من ذلك في هزيمة 5 يونيو.. من لجاجات التبرير وغلاسات الغرض، بدءا من إخفاء ملامحها الحقيقية بإطلاق تسمية مثل تلك التسميات التي كان يعلمها جورجياس لتلاميذه، فهي "نكسة" وليست "هزيمة"، وانتهاء بغياب التحقيق فيها والبحث عنها وعن جذورها وتداعيتها وما يخفف من خطورة تأثيراتها. وهي مليئة بالسوءات في الحقيقة، لكن أسوأ سوءاتها بالفعل هي أنها لم يتم التحقيق فيها والوقوف على أسبابها ومسببيها
ولم نر في تاريخ الحروب والهزائم عبر التاريخ، ما رأيناه من ذلك في هزيمة 5 يونيو.. من لجاجات التبرير وغلاسات الغرض، بدءا من إخفاء ملامحها الحقيقية بإطلاق تسمية مثل تلك التسميات التي كان يعلمها جورجياس لتلاميذه، فهي "نكسة" وليست "هزيمة"، وانتهاء بغياب التحقيق فيها والبحث عنها وعن جذورها وتداعيتها وما يخفف من خطورة تأثيراتها. وهي مليئة بالسوءات في الحقيقة، لكن أسوأ سوءاتها بالفعل هي أنها لم يتم التحقيق فيها والوقوف على أسبابها ومسببيها، وكتابة وثيقة تقدم إلى الأمة وأجيالها عن "أخطر المعارك في الشرق الأوسط وعليه، كما أن أكثرها إثارة وأشدها ضراوة وأبعدها تأثيرا وأحفلها بالمفاجآت"، كما قال الأستاذ هيكل رحمه الله (ت: 2016م) والذي كان أحد كبار صانعيها ومبرريها ومسفسطيها..

* * *

ستزداد حيرة وألما حين تعلم أن الرئيس الأسبق أنور السادات (ت: 1981م) شكل لجنة لإعادة "كتابة تاريخ مصر" في كانون الثاني/ يناير 1976 م، وكلف نائب رئيس الجمهورية وقتها الرئيس الأسبق حسنى مبارك (ت: 2020م) برئاستها والذي ما لبث أن انسحب منها في هدوء!! وطلب من أستاذ الجغرافيا بجامعة القاهرة الدكتور صبحي عبد الحكيم (رئيس مجلس الشورى من عام 1980 إلى 1986، ت: 2009م) رئاستها بدلا منه، ثم انتهى الموضوع وكأنه ما كان.. في سابقة لم تعرفها أمة من قبل ولا من بعد.

أحد أعضاء اللجنة (اللواء الطيار فكرى الجندي، دفعة 1960 طيران) قال إن كل الوثائق التي حصلت عليها اللجنة تم دفنها بالكامل، خاصة تلك التي تتناول حقائق عهد "ما قبل" حركة الضباط الأحرار 1952 م وصولا إلى حرب 1973م.. كما ذكر في حوار لجريدة المصري اليوم 4/6/2011م.

وأضاف أن الفريق الراحل عبد المحسن مرتجى (توفي عام 2013م)، قائد جبهة سيناء في الحرب المشؤومة، التزم الصمت تماما، ورفض الحديث عن كوارث تلك الحرب طبقا لاتفاق تم بينه وبين السادات ثم مبارك كما قال، وذكر أيضا أن الهجمة الجوية الإسرائيلية كانت أهم أسباب الهزيمة كما هو معلوم، يتحمل عبد الناصر وعبد الحكيم عامر "المسؤولية الكاملة" عنها.

قال أيضا إن إشارة رادار عجلون في الأردن والذي كان تابعا للقيادة العربية الموحدة؛ قام برصد إقلاع الطائرات الإسرائيلية وتم منع وصول إشارة الرصد إلى قيادة الدفاع الجوي في جبل الجيوشي بالمقطم، وأرسلت إلى مكتب وزير الحربية فقط (شمس بدران، 66-1967، ت: 2020م) لسبب غير مفهوم، مع أن المتفق عليه أن تصل بالتوازي إلى قيادة الدفاع الجوي في نفس توقيت وصولها إليه.. انتهى كلام اللواء الجندي..

الحاصل أننا ليس لدينا سجل علمي موثق عن "أم الهزائم" ولولا الجهد الذي بذله ويبذله أ.د. خالد فهمي، أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية، لغابت واختفت تماما كثير من التفاصيل بالغة الأهمية.. وإضافة إلى التحقيق الجوهري ذاته في الهزيمة ومسؤوليها والذي يحاول فيه د. فهمي بقوة ودأب وإصرار.. فهناك أهمية أيضا للتحقيق في تعطيل وتوقيف وإخفاء التحقيق، أو ما تم إنجازه من التحقيق.

* * *
كل الدول والأوطان خاضت حروبا ومعارك وهزائم وانتصارات وخرجت منها وقامت بها ونفضت عنها وأضافت لها.. إلا هذه الهزيمة المشؤومة التي صنعت أسوأ حاضر، وأسوأ مستقبل للعرب والمنطقة ولا زالت

كل الدول والأوطان خاضت حروبا ومعارك وهزائم وانتصارات وخرجت منها وقامت بها ونفضت عنها وأضافت لها.. إلا هذه الهزيمة المشؤومة التي صنعت أسوأ حاضر، وأسوأ مستقبل للعرب والمنطقة ولا زالت.

إذا أشرت إلى "الإنسان" وقوامه الروحي والأخلاقي والوطني ستجد الأصابع المتسخة لتلك الهزيمة وآثارها، سيحدثنا علماء الاجتماع السياسي كثيرا عن الآثار المروعة لتلك الهزيمة على "البنيان الأخلاقي" للمجتمع المصري كله، وتصدع علاقات المصريين ببعضهم من جانب، وعلاقتهم بالسلطة والإدارة والوطن كله من جانب آخر. إذا أشرت إلى "الدولة" وأركانها ومؤسساتها وقوانينها.. ستجدها وتجد كل آثارها، إذا أشرت إلى "العدو الصعلوك" وما صار إليه من بلطجة وسطوة واختراق.. ستجدها، إذا أشرت إلى "السلطة" وتعاليها وقهرها للشعوب ونشر التخلف والفساد.. ستجدها، إذا أشرت إلى "الفكر والثقافة" وما أوجدته من تيارات فكرية وسياسية فاسدة ومفسدة ستجدها.

هي عارنا التاريخي المتوالد، وهزيمتنا اليومية المشئومة.. توالدت منها -كما سبق- كل هزائمنا الحضارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.

غير أن هذا ليس كل شيء..

* * *

فهناك "هزيمة" أخرى أعمق وأسوأ وأبشع.. وهي هزيمة 9 حزيران/ يونيو، يوم خرجت الحشود في الشوارع والطرقات لا لتطيح بالنظام، الذي فقد شرعيته تماما بعجزه عن حماية الوطن وسلامة أراضيه.. ولكن لتستبقيه وتمنحه شرعية البقاء والاستمرار.

يحدثنا أستاذ التاريخ بجامعة حلوان د. شريف يونس، في كتاب "الزحف المقدس أحداث 9-10 يونيو 1967م": "حينما خرج المصريون إلى الشوارع مطالبين جمال عبد الناصر بالتراجع عن قرار التنحي، كانت هذه الحشود تعكس شعورا ووعيا متراكمين عبر 15 سنة من حكم جماعة الضباط الأحرار ومن ألحق بهم من المدنيين والعسكريين الآخرين.. فالناس وعواطفهم وتوجهاتهم تم تعبئتهم بطريقة متواصلة.. وكانت نتيجتها ما قام به الناس على هذا النحو الفريد في تاريخ الهزائم الكبرى للأوطان. ويعبر مفهوم الزحف المقدس عن فكرة وردت في كتاب "فلسفة الثورة" ترى الشعب المرغوب فيه، شعبا مفتتا إلى عناصره الأولية يسير أفراده ومؤسساته وراء الضباط، كرجل واحد كما هو الحال تماما في الاستعراضات العسكرية!".

* * *
غابت دروس وعِبَر أقسى هزيمة عسكرية وسياسية وأخلاقية عرفها العرب في تاريخهم الحديث، ولم يتبق منها في الذاكرة إلا كلمتان: "النكسة" و"التنحّي.. وتنويعات السخرية المصرية الشهيرة عليهما.. لكن ما تبقى منها على الأرض، وفي تاريخ الأمة وواقعها، وفي أفئدة الناس وضمائرهم.. ما لا زال يزلزلها زلزلة

أحداث 9-10 يونيو في حد ذاتها تحتاج إلى تحقيق منفصل!! تحقيق مفتوح على كل نوافذ السلطة بكل أدواتها والمجتمع بكل مكوناته، لأنها كانت حالة مشتقة من حالات، أعقدها بالطبع هي علاقة "الأعماق الغامضة" بين الرئيس والمشير، والسؤال السهل هنا عما كان من الممكن أن يكون عليه النظام والشعب بعد الهزيمة، لو كانت العلاقة بينهما كما كانت سنة 1956م؟

أظن أن الرئيس وقتها ما كان ليعبأ بالشعب، ولا بهزيمة الشعب في جيشه وأرضه وكرامته.. والماضي أمضى في برهانه.. بغض النظر عن أي سياق مختلف بين الهزيمتين (56-67م).

لم يتوجه الزعيم إذن إلى الشعب في هذا الخطاب الشهير إلا ليتخذ منه "مخبأ" آمنا يأوي إليه هروبا من المشير ورجاله الذين أرادوا به كيدا بعد الهزيمة، في "صراع ضباع" من نوع صراعات عصور ما "قبل الحضارة".

ونص الخطاب نفسه "تحية للأستاذ هيكل!" تمت كتابته بطريقة احترافيه عالية، وطوبى لعود الثقاب الذي "لم يحترق" وأشعل اللهيب!! مع الاعتذار للمثل المشهور. فكان الناس في البيوت وعلى المقاهي مثل برميل بارود معبأ وجاهز تماما للانفجار.. وقد كان.. ثم حدثت بعدها جلسة مجلس الأمة الشهيرة برئاسة رئيسه وقتها أنور السادات، التي رفضت قرار الرئيس بالتنحي.

وغابت دروس وعِبَر أقسى هزيمة عسكرية وسياسية وأخلاقية عرفها العرب في تاريخهم الحديث، ولم يتبق منها في الذاكرة إلا كلمتان: "النكسة" و"التنحّي.. وتنويعات السخرية المصرية الشهيرة عليهما.. لكن ما تبقى منها على الأرض، وفي تاريخ الأمة وواقعها، وفي أفئدة الناس وضمائرهم.. ما زال يزلزلها زلزلة.

twitter.com/helhamamy
التعليقات (1)
أيمن عصمان ليبيا
الأحد، 11-06-2023 05:23 م
أسوء شيء خلفته هزيمة 67 هو التمسك بهذه الأنظمة المتخلفة العميلة ، لتتوالد عن (أم الهزائم ) كوارث