قضايا وآراء

العشرية المصرية السوداء (1): العيشة المرة والموت غرقا

قطب العربي
أصبحت أسعار اللحوم مؤشرا على تراجع مستوى المعيشة في مصر- جيتي
أصبحت أسعار اللحوم مؤشرا على تراجع مستوى المعيشة في مصر- جيتي
ارتبط مسمى العشرية السوداء بتلك الفترة الدموية في الجزائر التي أعقبت الانقلاب على الديمقراطية مطلع العام 1992، والتي فتحت الباب لردود فعل عنيفة راح ضحيتها 200 ألف مواطن من المدنيين والعسكريين، ناهيك عن تدهور معيشة المواطنين والأضرار التي لحقت بالاقتصاد.. الخ. نحن الآن نمر بذكرى مرور عشر سنوات على الانقلاب في مصر، الذي تسبب في إزهاق أرواح آلاف المصريين أيضا ناهيك عن عديد الكوارث الأخرى التي مرت بها مصر خلال هذه العشرية السوداء، ولعل المظهر الأبشع الذي عاناه المصريون ولا يزالون هو تردي الحالة المعيشية التي لا تخطئها عين.

"عايزين حكومة حرة.. العيشة بقت مرة" هتاف لطالما صدح به المتظاهرون المصريون احتجاجا على تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية، لكنه يكتسب اليوم أهمية أكبر في ظل هذا التردي المعيشي الذي لم يسبق له مثيل خلال نصف قرن على الأقل.. عبقرية هذا الهتاف هو جمعه بين الاقتصادي والسياسي، بين العيش والحرية، وهما الشعاران الرئيسان اللذان رفعتهما ثورة يناير إلى جانب العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

هتاف لطالما صدح به المتظاهرون المصريون احتجاجا على تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية، لكنه يكتسب اليوم أهمية أكبر في ظل هذا التردي المعيشي الذي لم يسبق له مثيل خلال نصف قرن على الأقل.. عبقرية هذا الهتاف هو جمعه بين الاقتصادي والسياسي، بين العيش والحرية، وهما الشعاران الرئيسان اللذان رفعتهما ثورة يناير إلى جانب العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية
لم يعد المصريون يلاحقون ارتفاع أسعار السلع الذي يسبق توقعاتهم دوما، يدخل أحدهم إلى أحد الأسواق (المولات) فيسأل عن ثمن سلعة ما، يرفض الموظف إخباره بالسعر لأنه سيتغير خلال فترة التسوق ذاتها، يذهب المواطن إلى أحد الأرفف لاستطلاع أسعار بعض السلع، ثم يواصل جولته نحو أرفف أخرى، وحين يقرر الشراء ويعود لالتقاط احتياجاته يفاجأ بأسعار جديدة غير التي شاهدها قبل وقت قليل.. هذا هو وضع الأسواق في مصر حاليا بعد عشر سنوات من مظاهرات 30 حزيران/ يونيو؛ الذكرى التي يحشد لها النظام عبر أذرعه السياسية والإعلامية، ويفرض على الشركات ورجال الأعمال المساهمة بقوة فيها، لتدشين احتفالات صاخبة بطول البلاد وعرضها تدوس على آلام الناس وأحزانهم.

الشكوى من التغير الدراماتيكي للأسعار في المولات التجارية هي بالأساس شكوى الفئات المصنفة بـ"المتوسطة" و"فوق المتوسطة"، أما الطبقات الفقيرة التي لا تعرف تلك المولات، وتكتفي بالأسواق الشعبية فحدّث ولا حرج، لقد وصل بها الحال خلال هذه العشرية السوداء إلى التنافس على أرجل الدجاج بدلا من الدجاج نفسه الذي لم يعد بمقدورهم شراؤه. وتشترك كل الطبقات في الشكوى من ارتفاعات قياسية للأسعار بلغت أربعة أضعاف أو يزيد.

خذ مثلا لسلعة استراتيجية وهي اللحوم التي كان سعر الكيلو منها 67 جنيها في العام 2013 (دراسة اقتصاديات اللحوم الحمراء في مصر- الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء) وقد يتراوح سعر الكيلو حاليا بين 300 و400 جنيه حسب القطعية، كما أنه انخفض نصيب الفرد من اللحوم الحمراء من 12 كيلوجراما عام 2013 إلى 7.3 كيلوجرام عام 2020. وبحسب الجهاز نفسه فقد خفضت 93.1 في المئة من الأسر استهلاكها من اللحوم والطيور، فيما قللت 92.5 في المئة من الأسر استهلاكها من الأسماك. وفي المقابل، زاد 11 في المئة استهلاكهم من البقوليات. ولمواجهة الارتفاعات الكبيرة للأسعار فقد اتجهت الأسر المصرية إلى أنواع أرخص من الغذاء، مثل البطاطس والمكرونات.

في مواجهة هذا التضخم الفاحش اجتهد المصريون في سبل المواجهة الأخرى بحسب مسح للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، حيث أوقف 84 في المئة منهم سداد الديون، وتحول 70 في المئة منهم إلى أطعمة وعلامات تجارية منخفضة الجودة، وخفض 47 في المئة منهم استهلاك الغذاء، كما اضطرت نسبة كبيرة من الأسر إلى خفض النفقات على الصحة (43 في المئة) والتعليم (25 في المئة)، وإلى وبيع المجوهرات والذهب (10 في المئة).

حين أصدر البنك الدولي تقريرا في أيار/ مايو 2019 أثبت فيه أن نحو 60 في المئة من سكان مصر إما فقراء أو عُرضة للفقر، هاجت السلطات الرسمية المصرية، وأصدرت أجهزتها تقارير مضادة تفيد بأن نسبة الفقر هي 32.5 في المئة فقط، ثم زعمت تراجعها إلى 30 في المئة. والنسب ليست بعيدة في حقيقة الأمر عن تلك التي أعلنها البنك الدولي الذي جمع بين فئتين وهما الفقراء والأكثر عرضة للفقر بسبب سياسات النظام.

مظاهر الفقر تتحدث عن نفسها، وانتقال الناس من الطبقة الوسطى المستورة إلى الطبقة الفقيرة أصبح ظاهرة تشهد بها الجمعيات الخيرية المتخصصة في تقديم المساعدات والتي يتحدث مسؤولوها عن استقبالهم لعينات جديدة من المصريين دخلت إلى دائرة الفقر، وهذا أحد الثمرات الواضحة لتلك العشرية السوداء.

مظاهر الفقر تتحدث عن نفسها، وانتقال الناس من الطبقة الوسطى المستورة إلى الطبقة الفقيرة أصبح ظاهرة تشهد بها الجمعيات الخيرية المتخصصة في تقديم المساعدات والتي يتحدث مسئولوها عن استقبالهم لعينات جديدة من المصريين دخلت إلى دائرة الفقر، وهذا أحد الثمرات الواضحة لتلك العشرية السوداء
هذا التردي المعيشي جعل الانتحار ظاهرة في مصر، لتتصدر به قائمة الدول العربية وفقا لتقارير منظمة الصحة العالمية، حيث جاء العامل الاقتصادي في طليعة الأسباب، ورغم محاولات النظام المصري التهوين من أرقام حالات الانتحار، والتشكيك في مصداقية التقارير الدولية حول هذا الشأن، كما أنها تسجل العديد من الحالات كوفيات طبيعية، إلا أن وسائل الإعلام تنشر كثيرا عن حالات انتحار جديدة، كما تنشر منظمات حقوقية معنية تقارير شهرية بتلك الحالات.

لم يكن المركب الغارق مؤخرا قبالة السواحل اليونانية مغرقا معه أعدادا كبيرة من المهاجرين المصريين غير الشرعيين هو الأول، ولن يكون الأخير الذي يحمل المزيد من الهاربين من لظى العيش المر في مصر بحثا عن حياة آدمية في مكان آخر. قبل أيام شاهدنا صورا لطوابير متزاحمة من المصريين المبعدين من ليبيا، والذين كانوا في طريقهم أيضا للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وحين نبهنا مبكرا لهذه الظاهرة باعتبارها استحقاقا طبيعيا لسياسات الإفقار والتجويع التي شهدتها مصر عقب الانقلاب كان البعض يتهمنا بالمبالغة، والتفكير الرغائبي، لكن ها هي موجات الهجرة تتواصل أمام أعين الجميع، وأصبح حديث الساعة لدى قطاعات واسعة هو البحث عن طريقة للفرار من مصر.

الذكرى الرابعة لاستشهاد مرسي

مرت أمس الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس محمد مرسي أثناء إحدى جلسات ما عُرف بقضية التخابر مع حماس. جاءت الذكرى متواكبة مع الذكرى العاشرة للانقلاب عليه، ومتواكبة مع استعدادات لمسرحية انتخابية جديدة يجدد فيها السيسي لنفسه حكم مصر لست سنوات جديدة دون السماح بمنافسة انتخابية حقيقية، مع الاكتفاء ببعض المرشحين الشكليين.

في ذكرى استشهاد الرئيس محمد مرسي يتذكر المصريون أول رئيس مدني جاء بانتخابات تنافسية حقيقية مع عدد من المرشحين الكبار، وهي الانتخابات النزيهة الوحيدة في تاريخ الجمهورية المصرية، ويقارن المصريون بين تلك الانتخابات التي وقفوا فيها لساعات طويلة ينتظرون دورهم في التصويت، وبين مهازل انتخابات السيسي سواء في 2014 أو 2018 أو 2024، حيث تم حبس المنافسين الحقيقيين، وملاحقتهم وذويهم، وحيث قاطع غالبية المصريين تلك الهزليات ليقينهم بعدم قيمة أصواتهم التي داستها أقدام الجنرالات من قبل.

في الذكرى الرابعة لاستشهاد مرسي يتجدد الأمل.. ويتواصل الصمود والثبات حتى يختار المصريون بملء إرادتهم حاكما مدنيا عادلا.

twitter.com/kotbelaraby
التعليقات (7)
الكاتب المقدام
الإثنين، 19-06-2023 03:00 ص
*** 6- انقلاب السيسي في يوليو 2013 على النظام الديمقراطي المدني الشعبي الشرعي لحكم الرئيس الشهيد محمد مرسي رحمه الله، سبقه إعداد طويل وتعاون وثيق بين قوى داخلية وخارجية خسيسة، أقل ما يقال عنها أن آخر اهتماماتها هي المصالح الوطنية للشعب المصري، ولم يكن من مصلحتها بناء مصر لدولة مستقلة قوية ديمقراطية متقدمة حديثة، تكون نموذجاً ناجحاً يحتذى من غيرها من الدول العربية، فالبرادعي عميل الأمريكان ورجلهم، سعى خلال أشهر طويلة لحشد تأييد دولي لانقلاب العسكر، كما أن وزير الدفاع الأمريكي كان على اتصال يومي بعميلهم الجنرال السيسي لإعطائه هو وعصابته من عملائهم، أوامره التفصيلية بخطوات الانقلاب، كما أن النظم الاستبدادية في السعودية والإمارات عملت على تمويل الانقلاب بالمليارات، بخلاف الدعاية الموجهة من أذرعها الإعلامية للترويج له، مع تكثيف اتصالاتها الدبلوماسية لمنع أي معارضة دولية للانقلاب على الحكومة الشرعية في مصر، وفي الداخل فقد سعى السياسيون من أحزاب الأقليات التي ترفع شعارات خادعة وكاذبة اشتراكية وليبرالية ووطنية وقومية وعلمانية ودينية، إلى التجمع والتكتل فيما سموه "جبهة الإنقاذ"، الذين طمعوا أن ينفردوا بالحكم، بالتخلص من منافسيهم من التيار الإسلامي الأساسي الذي يحظى بثقة وتأييد غالبية المصريين، ولكن بعد أن وطد الانقلابيون أرجلهم، نكلوا بأولئك السياسيين الانتهازيين وهمشوهم، أما مؤيدوا وداعموا الانقلاب من النفعيين "البراجماتيين" الطامعين في مشاركة الانقلابيين في نهبهم لثروات البلاد، فقد انقلبت اليوم الأمور عليهم، فرجال الأعمال قد ركدت استثماراتهم لمنافسة شركات السيسي السيادية لهم، وأرهقوهم بما فرضوه عليهم من إتاوات وضرائب ورسوم، وأصحاب المصانع توقفت مصانعهم لنقص مستلزمات الإنتاج المستوردة، بعد أن نهب الانقلابيون كل العملة الصعبة المتوفرة، والمقاولون توقف صرف مستحقاتهم، ومطوروا عقارات مدن السراب تنعي بناتها، وجماهير الشعب من السفهاء الذين تم حشدهم كظهير شعبي للانقلاب في 30 يونيو 2013، ممن هللوا لانقلابه وصفقوا لإجرامه، بعد أن رأوا أن ما وعدهم به الجنرال المنقلب المسخ الدجال قد أخلفه، بعد أن انهارت قيمة مدخراتهم، وأغرقهم في الديون، وتنازل عن أراضي وبحار وأنهار بلاده، وجرف ثروات البلاد ورهنها للأجانب، وهرب عمولاته وما نهبه هو وعصابته إلى شبكة تبييض الأموال لحليفيه، المتصهين بن زايد، والعاق لأسرته بن سلمان، وضاقت دائرة المستفيدين من الانقلاب، وسخط عليه أقرب مؤيديه، وانقلب عليه حلفائه الذين مولوه، وإن غداً لناظره قريب، والله أعلم.
الكاتب المقدام
الإثنين، 19-06-2023 02:15 ص
*** 5- كيف نجح انقلاب يوليو 2013؟ وهل ما زالت عناصر نجاحه مستمرة؟ تمكن منظومة انقلاب 2013 في الاستمرار لعشر سنوات، تعمي أبصار الكثيرين عن رؤية عوامل الانهيار الداخلية التي تنهش فيه اليوم، رغم وضوح فشله الكامل والذريع في مواجهة كل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجهها مصر، وعدم وجود أي حلول متوفرة أمامه لمنع انهيار نظامه ودولته، وما ادعاءات زعيم الانقلاب السيسي وهو يعطي قفاه لأتباعه، وهو يحدثهم بثقة وتأكيد عن إنجازات نظامه العظيمة المدوية، إلا نموذجاً مثيراً للسخرية لمسوخ مثله سبقوه، وهو نموذج رأيناه يتكرر كثيراً في كل الأنظمة قبل إفلاسها وانهيارها وهزيمتها وهروب اقطابها، كما استمع الشعب المصري مع الأمة العربية قاطبة مصدقين ومهللين لإذاعة صوت العرب، وهي تنهي إليهم انتصارات جيش ناصر المدوية ضد العدو الصهيوني في 1967، وكانوا واثقون في صدق ناصرهم بأن جيشه سيلقي بالصهاينة في البحر كما زعم لهم قبلها، ليستيقظوا بعدها بأيام على الحقيقة المرة للجيوش العربية المنهزمة، وفي عام 2003 في يوم احتلال بغداد، وقف الصحاف وزير إعلام صدام في أكبر ميادين بغداد متحدثاً عن ما أعده جيش صدام لجيوش الغزاة "العلوج" من مفاجآت، "وفي يوم سقوط بغداد عام 2003م، أعلن الصحاف أن الأمريكان «ينتحرون الآن بالآلاف على أسوار بغداد»، وبعد ساعات قليلة اقتحم الجيش الأمريكي بغداد، ولم ير أحد الجيش العراقي، ولا قائده الهمام صدام الذي هرب واختفى بعدها، ونماذج هروب بن علي من تونس، واختفاء القذافي في ليبيا بعد خطبهم النارية قبلها بساعات لأتباعهم عن انتصاراتهم المنتظرة، وكيف احتفل الملايين من أعضاء حزب مبارك وقياداته بثقة الشعب المصري قاطبة فيهم، بانتصاراتهم المزورة في الفوز بكل مقاعد مجلسي الشعب والشورى في 2010، وبعدها بأشهر قليلة أنهار الحزب الوطني الديمقراطي بقياداته التاريخية ولجنة سياساته والملايين من أعضاءه، وتفكك ولم يسمع لهم أحد بعدها أي صوت، ولم يبك عليهم أحد، بنفس نوعية الانهيار السريع الذي حاق "بالاتحاد الاشتراكي العربي" تنظيم ناصر الذي احتكر الحياة السياسية، وسيطر بلجانه المليونية، وتنظيمه الطليعي، ومنظمة شبابه، وكتابه المقدس الميثاق، على كل مفاصل الدولة المصرية، ثم انهار واختفى وكأنه لم يوجد قبلها، والمؤكد أن عصابة السيسي الانقلابية أكثر وهناً وضعفاً ولا شعبية لها إلا بين بعض المنتفعين المتصارعين على السلطة والمناصب والاستيلاء على أموال الشعب.
الكاتب المقدام
الإثنين، 19-06-2023 12:48 ص
*** 4- أكبر خدعة وقع فيها الشعب المصري، هو تصديقه لأكذوبة أن الجيش المصري هو الذي يحكم مصر اليوم، وهي الأكذوبة التي يروج لها الإعلام الغربي مع جهات محلية، إخفاءً لحقيقة العصابة العميلة التي تحكم مصر اليوم حقيقة، فهل الفريق عنان رئيس أركان الجيش المصري الذي اعتقله السيسي من الجيش الهندي؟ وهل الفريق شفيق قائد القوات الجوية السابق، وأول رئيس وزراء للمجلس العسكري الذي حكم مصر بعد إقالة مبارك، الذي وضعه السيسي تحت الإقامة الجبرية، كان من الجيش الصيني؟ كما أن كل قيادات الجيش في المجلس العسكري الأعلى الذي حكم مصر بعد إقالة مبارك، وقبل انتخاب الرئيس محمد مرسي رحمه الله، تم عزلهم وإحالتهم للتقاعد، بجانب عشرات من الضباط في أجهزة المخابرات الحربية والعامة، الذين تم إقالتهم، لعدم ولائهم للعصابة الانقلابية العميلة، فالصراع على السلطة والمغانم داخل الجيش محتدم، كما كان الحال بين ضباط عصابة 1952 الانقلابية، والتي تسببت في تفكك الجيش وانهياره أمام الصهاينة في حرب 1967، والوضع اليوم داخل الجيش المصري أكثر انهياراً، وقد نشر مؤخراً في الإعلام الغربي تقرير مخابراتي مسرب، أن السيسي متخوف من ضباط جيشه، فينام في قصر مختلف من قصوره العديدة كل يوم، خوفاً من انقلاب زملائه عليه، كما انقلب هو على رئيسه الشرعي محمد مرسي، وهل المجندون بنظام السخرة في الجيش والشرطة المصرية، الذين يمثلون القوة الضاربة الأساسية في قلب الجيش المصري، ومنهم الشهيد البطل المجند محمد صلاح الذي اخترق الحدود وقتل جنود الصهاينة مؤخراً، يشاركون العصابة الانقلابية ما تنهبه من ثروات مصر، والعمولات التي يهربوها لخارج البلاد؟ فمنذ اتفاق العميل السادات مع الصهاينة في معسكر داوود باميركا تحت رعاية وزير خارجية اميركا اليهودي كيسينجر، تقوم مخابرات الولايات المتحدة بالتنسيق مع الموساد الإسرائيلي، بتجنيد عملائها من جنرالات الجيش المصري في أميركا علانية، بحجة التدريب الذي يمتد لسنوات هناك، كما يتم الاتصال معهم من خلال برامج التدريب المشترك والمناورات على الأراضي المصرية، وينفق عليهم ما يزيد عن مليار دولار سنوياً من خزينة الجيش الأمريكي، بعيداً عن أي رقابة من أي جهة تشريعية مصرية، وخارج الميزانية المصرية الرسمية المخصصة للجيش من وزارة المالية، والذين يطمئنون إليهم يعيدوهم ضمن قيادات الجيش المصري كعملاء لهم ضمن خلايا نائمة، أما من لا تثق فيه قيادات الموساد والسي آي إيه فيتم إحالتهم للتقاعد بعد عودتهم، وتلك الخلايا المصرية النائمة العميلة للمخابرات الإسرائيلية والأمريكية هي التي نفذت أوامر قياداتها، بتنفيذ انقلاب 2013، وعلى رأسهم الجنرال العميل السيسي، فعصابة العملاء التي اختطفت حكم مصر بكل هيئات الدولة وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، كما اختطفت قيادة الجيش المصري، وذلك ليس تبرئة لدور صغار ضباط الجيش وقياداته الوسطى، فمنهم منصاعين لقياداتهم العميلة، رغم معرفتهم لما لا يعرفه المواطن العادي، من عمالة تلك القيادات، وانفرادهم بالاستيلاء على ثروات البلاد، وعملهم لصالح الجهات الأجنبية التي جندتهم. وآخرين غير راضين، وهؤلاء يتم إحالتهم للتقاعد المبكر، مهماً كانت قيمة خبراتهم العسكرية.
الكاتب المقدام
الأحد، 18-06-2023 11:45 م
*** 3- والذين اعتبروا أنفسهم من طبقة النخبة والأسياد، الذين يرون أن حكم مصر وثرواتها حق مكتسب لهم ولأبنائهم من بعدهم، وأن المصريين البسطاء كالشائع عنهم، لا ينجح حكمهم إلا بسوقهم بالكرباج، حتى لا يتمردوا عليهم، ولا يحق لهم أن يطالبوا بحريات، أو بالشورى والمشاركة في حكم البلاد والتمتع بخيراتها، فهم فقراء وجهلة وجوعى ومرضى، ويجب إبقائهم على تلك الحالة من الضعف والهوان، ليسهل قيادهم وحكمهم، فكيف يطالبون بديمقراطية حكم؟ وهذا ما قاله صراحة رئيس مخابرات مبارك ونائبه المجرم العميل النافق اللواء عمر سليمان، فقد صرح علانية للإعلام الأمريكي بعد أن ولاه مبارك نائباً له: "أن الشعب المصري الجاهل لا يفلح معه نظام حكم ديمقراطي"، وليكونوا شاكرين لأسيادهم على ما يلقونه إليهم من فتات، فهم عبيد إحسانهم عليهم، وأن قمع أسيادهم لهم واجب، حتى يفيق المتمردون منهم وأهاليهم من أطماعهم، وأن على هؤلاء البسطاء أن يكتفوا بأن يكونوا خدم لهم، ولا يطمعون فيما بين أيديهم وأيدي أبنائهم من ثروات نهبوها من شعب مصر ودولتها، وأن هؤلاء المصريون البسطاء إن تمكنوا وشبعوا وتعلموا سيطالبون بحقوقهم المنهوبة، ولذلك فإن إفقار جماهير الشعب المصري من الطبقات الدنيا والوسطى وتجويعهم هو هدف ممنهج، وتجفيف السيسي وعصابته العميلة منابع الإنفاق على التعليم والصحة هو هدف أسمى للسيسي، لإضعاف المصريين، وليقتتلوا فيما بينهم على الفتات الذي يلقى إليهم، خدمة لأسياده الصهاينة الذين جاءوا به لحماية أمنهم، وليتنازل لهم عن ممرات مصر البحرية وموانئها وحدودها البحرية من النفط والغاز، ويفتح لهم أبواب سيناء واسعة، بعد أن يُهجر أبنائها، وطبقة النخبة من الأسياد تلك مقتنعة، بأنه "جوع كلبك يتبعك"، وبأن المصري إن شبع سيتمرد على أسياده، ولذلك فقد دعم من يظنون أنفسهم من النخبة انقلاب عصابة العسكر على الحكم المدني الشرعي المنتخب من شعبه، وأيدوا جرائمهم، خوفاً من ثورة الجياع، التي يجب مواجهتها في عقيدتهم بالقمع الوحشي.
الكاتب المقدام
الأحد، 18-06-2023 10:37 م
*** 2- فالسيسي في نظر اتباعه من حسني النوايا، وعبيد إحسانه، والمنتظرين لخيره من المصريين، هو المهدي المنتظر، الذي لا ينام، ويواصل العمل 24 ساعة كل يوم، ويكتفي بالماء عن الطعام، كما أكد لهم، وهو الذي يعلم وحده ما يضرهم وما ينفعهم، وهو الذي كان المصريون ينتظرون بعثته من آماد طويلة، لينتشلهم مما هم فيه من فقر وعوز وتخلف، ليغير لهم "ما قدسوه لمئات السنين جهلاً منهم"، فسيسييهم أدرى منهم بشئون دينهم، وعليهم السير خلفه مغمضي الأعين، فهو كما وصف نفسه بلسانه بجنون عظمته "طبيب الفلاسفة"، الذي يلجأ إليه العالم كله ومخابراتهم طلباً لمشورته ورأيه السديد، فهو "خير أجناد الأرض" الذي بشرهم به رسولهم من أربعة عشر قرناً، هكذا يروج له عمم على رمم، وهو يريد بإرادته وقدرته: "أن يغنيهم أولاً"، فرزقهم بيده وحده، فعليهم أن يصمتوا ويمهلوه، مهماً طال بهم الأمد، ويسلموه ثروات مصر وأراضيها يتصرف فيها كيف يشاء، فيبيعها أو يرهنها لمن أراد من حلفائه، من غير معقب عليه، ولا رقابة على أفعاله، ولا معترض على ادعاءاته، فهو يعلم وهم لا يعلمون، فهو القادر وحده أن يبحر بهم إلى بر الأمان، فهو القوي الأمين عليهم، وغيره من معارضيه هم من الأشرار والعملاء والطامعين في كرسي الحكم، وأنهم إن تمكنوا من كرسيه، سيأخذون السلم معهم، أما هو فسيؤبده الله، الذي هو في ظهره، على عرش مصر ليتربع عليه بعد فراعنتها، الذي سار بين معابدهم في ممر كباشهم المقدسة، مترنماً بترانيم عبادة الفرعون الأوحد، الذي له ملك مصر، وهذه الأنهار لا تجري إلا من تحته، وبعد أن يرفعه الله إليه، سيستمر أتباعه في عبادته والتسبيح بحمده، هكذا فعل أسلافهم من قبلهم، من زمن الفراعنة، إلى زمن ولاة الفاطميين، الذين صدق اتباعهم من المصريين بأن صفات الله قد حلت فيهم، الذين سلم السيسي لورثتهم البهرة مفاتيح مساجد مصر التاريخية بعد رشوتهم له. هذه نبذة من قناعات سفهاء المصريين من مؤيدي السيسي، الذين يرون سيسييهم، لا يناله الباطل بين يديه، ولا من خلفه، ومن يرانا مبالغين، فليقل لنا متى اعترض هؤلاء عليه، أو انتقدوا إجرامه وسفهه أو طالبوا بمحاسبته؟ (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)، والله أعلم بعباده.