مقالات مختارة

من بن غوريون إلى بن غفير… وما بينهما أيضا

عماد شقور
عربي21
آخر الجرائم الإسرائيلية، حتى كتابة هذه السّطور فقط، هي «غزوة جنين» ومخيّمها العظيم، من ليلة الأحد/الإثنين الماضي، حتى ليلة الثلاثاء/الأربعاء، أمس الأول. أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي (لمناطق الـ1948) والاستعمار الإسرائيلي (لمناطق الـ1967) على هذه «الغزوة» اسم عملية «بايت وغان» ومعناها: بيت وحديقة.
صحافي إسرائيلي ليبرالي، ظريف ودقيق الملاحظة، (روغل ألْفِر) توقف عند هذه التّسمية، مسجّلاً أن قيادة الجيش وأجهزة الأمن الإسرائيلية، اختارت هذه التّسمية، «بايت وغان» حيث يتطابق الحرفان الأوّلان في الاسم، مع الحرفين الأولين لاسم «بن غوريون» ولاسم «بن غفير» ولتكون هذه رسالة مشفّرة لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أن قيادة الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، غير مقتنعة بفائدة وجدوى هذه العملية/الغزوة العسكرية، وأنها تعرف بأن إصدار الحكومة الإسرائيلية الأمر بتنفيذها، ليست أكثر من استجابة واسترضاء لوزيره العنصري بن غفير.
كاتب وصحافي إسرائيلي آخر معروف، (تسفي بارئيل) قال في مقال تقييم لهذه العملية العسكرية، في جريدة هآرتس، أمس الأربعاء، تحت عنوان: «عملية عسكرية تضع نهاية للإرهاب؟ انها ليست أكثر من حبّة مهدّئ للمستوطنين» أن فقدان نتنياهو للسيطرة السياسيّة قاده إلى عملية استعراضية، حيث لا يوجد عاقل واحد في الجيش، ولا في «الشاباك» (جهاز المخابرات العامة الإسرائيلي) وربما أيضاً في الدوائر اليمينية الصامتة، يعتقد أن هذه العملية ستقضي على «الإرهاب» (الأقواس ليست في المصدر) في مخيّم جنين للاجئين، ناهيك عن مدينة جنين، أو في نابلس والقدس الشرقية وجميع الأراضي المحتلة». ثم «يمكن للمرء أن يفترض، أو أن يأمل على الأقل، أن نتنياهو نفسه لا يصدّق الكلمات التي خرجت من فمه، عندما قال: نحن نعمل على تغيير المعادلة في التعامل مع الإرهاب» ويرى بارئيل أن النتيجة الوحيدة التي يمكن أن تكون لهذه العملية هي «النجاح في إزالة الزّبَد عن أفواه الصّارخين/الزّاعقين من أعضاء حكومته».
الشيء الوحيد الواضح في هذه العمليّة العسكريّة الإجراميّة، هو أن الحكومة الإسرائيلية، وعلى غرار كل سابقاتها، لم تتعلّم الدرس والحقيقة الثابتة: أن الشعب الفلسطيني الذي لم يستسلم على مدى أكثر من مئة سنة من المواجهة مع الحركة الصهيونية، و75 سنة من الاحتلال، و56 سنة من الاستعمار، لن يرفع راية الاستسلام، وسيواصل نضاله ضد الاحتلال والاستعمار، وسينال في نهاية المواجهات، بالتأكيد، وأسوة بكل الشعوب التي ناضلت وقاتلت وقدّمت التضحيات للتحرّر من الاحتلال ومن الاستعمار، كل حقوقه في التحرّر والاستقلال وتقرير المصير.
تتصدّر محافظة جنين، وقراها، ومخيّمها بشكل خاص، في هذه المرحلة الصّعبة، إنجاب جيل جديد من الفدائيين المميّزين. لكنها تتلقى الدّعم والمساندة والمشاركة في حمل عبء النضال، وشرف رفع علم فلسطين، والتصدّي لجيش الاحتلال والاستعمار، ولوحوش وقطعان المستعمرين/المستوطنين، من جيل فلسطيني مناضل وراء جيل، في نابلس وغزة والقدس والخليل وأريحا وكل شبر من أرض فلسطين، وكل أرض عليها مخيّم لاجئين فلسطينيين، كل منطقة ومحافظة وقطاع بالسّلاح المتوفّر: فالبندقية سلاح. والعبوّات سلاح، والمتوفّر من الصواريخ سلاح. لكن بطاقة الهويّة التي يحملها أبناء الشعب الفلسطيني في مناطق الخط الأخضر سلاح، والمظاهرة سلاح، والعمل السياسي والدبلوماسي سلاح. ما يفتقر إليه شعبنا الفلسطيني هو الـ»مايسترو» الذي يضبط ويوجه الفريق كاملاً، ليعزف بإتقان لحن ونشيد التحرّر من الاحتلال والاستعمار.
ليس النضال والقتال بهدف التحرّر والاستقلال من نير الاحتلال والاستعمار مجرّد حقّ وعمل شرعيٍّ تقرّه الشّرعية الدّولية: إنه قبل ذلك، وأهم من ذلك، واجب وطني وقومي وإنساني وأخلاقي.
استفادت الحركة الصهيونيّة العنصريّة من رياحٍ عالميّة، غربيّة شماليّة، عاتية، واءمت ولاءمت شراع سفينتها، وأوصلتها الى بَرّ إقامة دولتها «إسرائيل» 1948. انتشت «الطفلة» إسرائيل، في الثامنة من عمرها، فحرّضت وشاركت في العدوان الثلاثي (مع بريطانيا وفرنسا) 1956، ولكن رياحاً متضاربة غربيّة وشرقيّة، وجهها دوايت آيزنهاور من واشنطن، ونيكيتا خروتشوف من موسكو، فانسحبت إسرائيل بن غوريون من صحراء سيناء، ومن قطاع غزة. وعندما وضعت إسرائيل «كل بيضها» في السلّة الأمريكية، واتت رياح عالمية غربية عاتية صرف، شراع سفينتها، وتمكنت من إلحاق هزيمة مشينة بالأمة العربيّة سنة 1967. ولم تصحُ إسرائيل، (وإن مرحليّاً) إلا في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.
رياح عالم اليوم مختلفة جذرياً. إنها رياح شرقية شمالية، ورياح شرقية جنوبية، تهُبّ من الصين وروسيا، تهب من جنوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية. إنها رياح قوية، تصادم وتواجه وتصُدّ رياح أمريكا وأوروبا ودول حلف شمال الأطلسي. الحركة الصهيونيّة العنصريّة، وإسرائيل، في حالة ارتباك غير مسبوقة. تجري رياح النظام العالمي الجديد، قيد التّشكّل، بما لا تشتهيه سفينتهم، لأوّل مرّة منذ إنشاء الحركة الصهيونية العنصرية، ومنذ إعلان بن غوريون إقامة دولة إسرائيل.
هذه رياح عالمية شرقية جنوبية في جوهرها، تلائم وتخدم شراع السفينة العربية، قيد التّشكّل أيضاً، بما ترمز وتشير إليه خطوات وسياسات ومواقف الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد في المملكة العربية السعوديّة، في المشرق العربي؛ وخطوات وسياسات ومواقف الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبّون، في المغرب العربي. وهذا ما يخدم ويفيد وينفع شراع السفينة الفلسطينية.
لا تكتمل صورة وخريطة ما سعيت إلى توضيحه في هذا المقال، دون تسجيل ملاحظة أنه ليس في إسرائيل ما هو أسوأ من حكومتها العنصرية، حكومة الأبارتهايد، إلا زعماء وقادة الأحزاب الصهيونية العنصرية في المعارضة.
آن الأوان، ومنذ حين، إلى تبنّي الدّعوة لإعادة تصديق هيئة الأمم المتحدة، من جديد، على قرارها سنة 1975، قرار اعتبار «الحركة الصهيونية شكلا من أشكال العنصريّة».
القدس العربي اللندنية
التعليقات (0)