مقالات مختارة

2014: العام الذي انهارت فيه "المسلمات" في إسرائيل

ميرون رابوبورت
1300x600
1300x600
كتب ميرون رابوبورت: طالما ساند الإسرائيليون الوضع القائم في الصراع مع الفلسطينيين، ولكن ربما كان عام 2014 هو العام الذي اكتشفوا فيه أنهم كانوا خاطئين.
 
خلال الصدام الأخير في غزة كنت أتحدث يوميا مع زميل لي من بيت لحم، كان حديثنا كئيبا تهيمن عليه مشاعر الخوف والامتعاض والعار. إلا أن هاجسا مشتركا كان يمدنا بالأمل تجاه المستقبل، الأمل بأن يأتي اليوم الذي يتذكر فيه الناس حرب هذا الصيف ويقولون إنها شكلت لحظة فارقة غيرت قواعد اللعبة، وغيرت طبيعة العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، تماما كما غيرت حرب عام 1973 طبيعة العلاقات بين إسرائيل ومصر.
 
ولكن حينما انتهت الحرب في السادس والعشرين من أغسطس، بدت أفكارنا كما لو كانت مجرد تمنيات بدلاً من أن تكون تقديرات واقعية، فقد استمر الحصار المفروض على قطاع غزة، ولم يطرأ تغير يذكر على السياسة الإسرائيلية بالرغم من الثمن الباهظ الذي تكبده الفلسطينيون أثناء الحرب والصعوبات التي واجهها الجيش الإسرائيلي.
 
ثم بعد أن قرأت ما كتبه رمزي بارود حول إمكانية أن تكون سنة 2014 سنة تغير في قواعد اللعبة بالنسبة للفلسطينيين، خطر ببالي أن ما فكرنا به أنا وصديقي الفلسطيني ربما لم يكن خطأ على الإطلاق.
 
ولعل سنة 2014 كانت سنة حيوية بالنسبة للإسرائيليين أيضا، سنة شهدت ضعفَ أو ربما موتَ الانطباعات التي كان الإسرائيليون ينطلقون لسنوات طويلة منها فيما يصدر عنهم من أفعال.
 
المفاوضات لا تكون إلى الأبد
 
كان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد حدد التاسع والعشرين من إبريل (نيسان) موعدا ينبغي أن يتوصل بحلوله الإسرائيليون والفلسطينيون إلى إطار متفق عليه لاتفاق سلام. إلا أنه كان واضحا منذ مطلع عام 2014 أن هذا الهدف صعب المنال. كان الأمريكان يأملون على الأقل في إقناع الجانبين بتمديد زمن المفاوضات تسعة شهور أخرى، إلا أن ذلك أيضاً كان نصيبه الفشل.
 
منذ اتفاقية أوسلو في عام 1993 انهمكت إسرائيل والفلسطينيون في التفاوض بشكل مستمر تقريبا، وكانت هذه المفاوضات تبلغ ذروتها من حين لآخر، كما حدث على سبيل المثال في مؤتمر كامب دافيد في مايو 2000، وكانت تشهد فترات تراجع وركود أيضا، كتلك التي مرت بها خلال حكومة نتنياهو الثانية من 2009 إلى 2013. ومع ذلك فقد كانت باستمرار تستأنف مسيرتها ولو بصعوبة.
 
لم تلبث المفاوضات أن أصبحت في أعين كثير من الإسرائيليين، ومن جوانب متعددة، هدفا بحد ذاتها بدلاً من أن تكون أداة للتوصل إلى اتفاقية نهائية مع الفلسطينيين، وساد انطباع لدى عامة الجمهور بأنه طالما كانت إسرائيل تفاوض الفلسطينيين فإن ذلك سيوفر لها حصانة ضد الضغط الدولي بينما تمضي قدماً في تنفيذ سياساتها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
 
ولا أدل على ذلك مما كان عليه الحال في فترة حكومة إيهود أولمرت التي جاءت إلى السلطة في عام 2006. فقد كان يتفاخر أولمرت بأن ضلوعه في التفاوض مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس أتاح له الفرصة ليشن حربين مدمرتين – واحدة ضد حزب الله في لبنان وأخرى ضد حماس في قطاع غزة (عملية الرصاص المسكوب) – دون التعرض لضغوط أو إدانات دولية.
 
لقد أدى الفشل في استئناف الحوار بين الإسرائيليين والفلسطينيين في إبريل (نيسان) 2014 إلى انقطاع هذه السلسلة الطويلة من المفاوضات. بالإضافة إلى ذلك، ما لبثت إسرائيل أن أدركت إثر قرار الرئيس عباس تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حماس ثم الانطلاق في طريق الاعتراف من جانب واحد بالدولة الفلسطينية – الأمر الذي أفضى إلى المقترح الحالي الذي قدم إلى مجلس الأمن الدولي – بأنها لم يعد بإمكانها الاستمرار في استخدام المفاوضات غطاء للإبقاء على الوضع الراهن كما هو.
 
إذا ما أعيد انتخاب بنيامين نتنياهو رئيسا للوزراء تارة أخرى في مايو (أيار) 2015، فسيكون من الصعوبة بمكان رؤية كيف سيتسنى استئناف المفاوضات من جديد. أما إذا ما انتخب زعيم حزب العمال إسحق هيرتزوغ فسوف تستأنف المفاوضات ولكن بموجب برنامج زمني صارم جدا، إذ يبدو أنه لم يعد من الممكن الاستمرار في عملية لا نهائية من التفاوض.
 
لا ينبغي اعتبار ذلك تغيرا طفيفا، فما العزلة التي تعاني منها إسرائيل إلا نتيجة مباشرة لتعثر المفاوضات، وإذا ما بات ذلك واقعا دائما فما من شك على الإطلاق في أن موقف إسرائيل سيزداد ضعفا.
 
لقد منحت اتفاقيات أوسولو شرعية دولية لإسرائيل، وسيؤدي الانهيار النهائي لهذه الاتفاقيات إلى فقدانها كثيرا من الامتيازات التي اكتسبتها بسببها.
 
محدودية القوة العسكرية
 
يصعب وصف نتائج عملية الجرف الواقي بأنها فشل عسكري إسرائيلي، فحماس لم تتمكن من تحقيق هدفها الرئيس من المواجهة، ألا وهو رفع الحصار المفروض على قطاع غزة، بل العكس هو الذي آلت إليه الأمور، فقطاع غزة ناله نصيب وافر من الدمار بينما لقي ما يزيد على ألفي فلسطيني مصرعهم، جلهم من المدنيين وإن كان المئات منهم على الأقل من المقاتلين، وتصدعت قدرات حماس العسكرية ولحق بها أذى كبير، وتصدع كذلك استعدادها لاستئناف القتال من جديد على المدى المنظور.

وبالمقابل، لم تكن خسائر إسرائيل قليلة، فقد قتل لها 72 شخصا منهم 67 عسكريا، وأصيب بالشلل قطاع كبير من اقتصاد البلاد لما يقرب من خمسين يوما، وتعطل مطار بنغوريون الدولي لفترة قصيرة وتوقفت السياحة بشكل تام تقريبا.
 
إلا أن القدرات العسكرية الإسرائيلية لم يلحق بها ما يستحق ذكره من الأضرار، ولم تجد إسرائيل صعوبة في إبقاء الحصار مفروضاً على قطاع غزة، وعززت علاقات إسرائيل الحميمية بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من موقف إسرائيل في مواجهة حماس، وخاصة أنه هو ذاته منهمك في خوض حرب ضد الحركة الفلسطينية.
 
ولكن بالرغم من هذه النتائج الإيجابية نسبيا، إلا أن شيئا عميقا قد تغير في إسرائيل. خلال حرب لبنان الثانية في عام 2006 تكبدت إسرائيل قدرا أكبر من الخسائر، إلا أنها كانت تقاتل منظمة جيدة التدريب وجيدة التسليح، وكان حزب الله يتمتع بدعم مباشر من دولة ذات سيادة هي إيران، وكان بإمكانه التنقل بسهولة نسبية عبر خطوط التماس على الجبهة.
 
أما حماس فلم تحظ بشيء من ذلك، إذ كان تسليحها بدائيا وجله مصنع محليا، وكانت محصورة في شريط ضيق من الأرض، مقطوعة عن العالم الخارجي محرومة من أي دعم فيه. ومع ذلك، فقد فشلت إسرائيل صاحبة أضخم قوة عسكرية في الشرق الأوسط في سحق هذه المنظمة الصغيرة أو في إجبارها على التخلي عن القتال.
 
والأسوأ من ذلك أن الجيش الإسرائيلي حينما أخبر الحكومة بأن الاستيلاء الكامل على قطاع غزة "سيستغرق سنوات" وسيكلف المئات من أرواح الجنود الإسرائيليين، فإنه اعترف فعليا بأن إعادة احتلال قطاع غزة لم يكن ضمن برنامج عمله وأنه ثمة حد لما يمكن لإسرائيل أن تنجزه من خلال اللجوء إلى قوتها العسكرية. ولم يكن مستغربا إزاء ذلك أن يشتعل الوزراء اليمينيون المتطرفون من أمثال نافتالي بينيت غضبا، فقد أدركوا المعنى العميق لما صرح به قادة الجيش الإسرائيلي.
 
ربما كانت عملية الجرف الواقي أول مواجهة عسكرية مباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين تدور رحاها على أرض فلسطينية منذ عام 1948، فقد كان للانتفاضتين الفلسطينيتين مواصفات وخصائص مختلفة، ودارت رحى حرب عام 1982 بين القوات العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل داخل لبنان.
 
يمكن بسهولة تفسير حقيقة أن حرب الصيف في قطاع غزة لم تنته بنصر إسرائيلي ساحق، بأن إسرائيل لم يعد بإمكانها حل صراعها مع الفلسطينيين من خلال اللجوء إلى القوة.
 
الأمر الواقع يتصدع
 
حينما تشكلت حكومة نتنياهو – المنتهية – في مارس من عام 2013 كان أحد مبادئها الرئيسية وغير المكتوبة هو الحفاظ على الأمر الواقع. وكان ذلك فقط هو الأساس الذي عليه تشكل التحالف الذي شمل كلاً من بينيت المتيم بفكرة ضم الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل ويائير لابيد بطل الطبقة الوسطى.
 
كان يفترض في لابيد بوصفه وزيرا للمالية أن يعالج مشكلة تكاليف المعيشة بينما أتيح المجال أمام بينيت بوصفه وزيرا للاقتصاد ليوسع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. لقد كان جلياً بالنسبة للوزيرين أنه لا يتوقع أن يطرأ تغير على علاقات إسرائيل بالفلسطينيين في المدى المنظور.
 
ولذلك، كان الانهيار المفاجئ وغير المتوقع للحكومة في نوفمبر إلى حد بعيد انعكاسا لانهيار الأمر الواقع بعيد الحرب على غزة. وكان نتنياهو نفسه، أكثر من أي شخص آخر، مجسدا لهذا الأمر الواقع، فالرجل الذي وصفته مجلة تايم الأمريكية في عددها الصادر في مايو (أيار) من عام 2012 بـ "الملك بيبي" إنما استحق هذا اللقب من خلال منحه الإسرائيليين أطول فترة من الهدوء، لم يشهدوا فيها أي صراعات عسكرية أو هجمات إرهابية، واقتصادا مستقرا نسبيا. ما من شك في أن ترديه – حتى لو تمكن من الفوز في الانتخابات القادمة – يعكس حالة متنامية من عدم اليقين لدى الإسرائيليين تجاه المستقبل.
 
يخشى الكثيرون من أن الطريق الذي عبده نتنياهو سيقودهم إلى لا شيء، ولا أدل على ذلك مما كشف عنه استطلاع أخير للرأي أجرته مجلة +972 من أن تأييد الأمر الواقع بين الإسرائيليين قد تراجع بشكل حاد، ولدى سؤال المستفتين عن الرؤية العامة التي يفضلونها لمستقبل الصراع اختار 56 بالمائة منهم حل الدولتين بينما اختار 25 بالمائة منهم دولة واحدة "غير متكافئة" في كل فلسطين التاريخية (حيث يحظى العرب بحقوق تقل عن حقوق اليهود)، وقال 10 بالمائة منهم إنهم يريدون دولة واحدة متكافئة، ولم ير سوى 10 بالمائة منهم أن استمرار الأوضاع الحالية كما هي أمر جيد بالنسبة لهم.
 
كانت تلك نتيجة ذات دلالات مهمة بالتأكيد. يقول إيران إتزيون، وكان من قبل مسؤولاً رفيع المستوى في وزارة الخارجية الإسرائيلية، إن الخارطة السياسية الإسرائيلية يمكن أن تقسم إلى معسكرين: "حزب الأمر الواقع" و "حزب التسوية السلمية". منذ سنوات عديدة ونجم المعسكر الأول يسطع بينما نجم المعسكر الثاني آخذ في الأفول.
 
الحرب الأخيرة على غزة، والهجمات المتفرقة التي يشنها الفلسطينيون على الإسرائيليين في القدس وفي الضفة الغربية وحتى داخل إسرائيل، والشعور المتنامي بالعزلة الدولية، كل ذلك تسبب في تآكل التأييد الذي يحظى به "حزب الأمر الواقع". قد يتمكن نتنياهو من الفوز في الانتخابات، إلا أنه سيجد صعوبة جمة في إقناع الإسرائيليين بأن الأمور يمكن أن تبقى على ما هي عليه.
 
ومع تلاشي فرص استئناف المفاوضات، وثبوت محدودية القوة العسكرية، وفقدان الأمر الواقع لقيمته، فإن إسرائيل توشك على الدخول في مرحلة جديدة من المبكر جدا التكهن بالوجهة التي قد تقود إليها. ولكن، لعل عام 2014 كان السنة التي شهدت بدء هذه التغيرات المهمة.

(عن ميدل إيست آي)
التعليقات (0)