قضايا وآراء

سياسة الدرك الأسفل من الخيبة

هشام الحمامي
1300x600
1300x600
حين تتأمل مشهد القوة الكاسرة التي تستخدمها الدولة والذي نراه تقريبا الآن كل يوم أو يومين في النقابات والبيوت والشوارع، وحالة الغلبة والقهر الذي تمارسه هذه الدولة مع خصومها، سترى أن ما يحدث أمامك من عنف وإذلال يتجاوز فكرة السيطرة على موقف ما أو منع حدث ما، فقدر القوة المستخدم يفوق كثيرا ما هو مطلوب لتحقيق الهدف المقصود. أنت أمام مشهد المقصود منه أولا وثانيا وعاشرا كسر الإرادة وإذلال النفس و"مرمطة" الكرامة، ويدهشك الإصرار على مواصلة نفس الطريقة ونفس الأسلوب، ولا كأن تجارب الآخرين في هذا المعنى أو حتى تجاربنا نحن القريبة العهد بنا، كأن هذه التجارب تسري قوانينها على بشر من طينة أخرى غير طينتنا، ومن جنس آخر غير جنسنا.

يقولون إن الحرب العالمية الثانية (أكثر الصراعات دموية في التاريخ الإنساني 70 مليون قتيل) بدأت يوم انتهاء الحرب العالمية الأولى، ذلك أن مرارة الإذلال الذي ذاقه الألمان ما كانت لتبتلع ولا تمر دون أن تكون لها آثارها التي تتناسب مع تلك المرارة والإذلال، اتفاقية( فرساي) التي كتبت عقب الحرب الأولى لم تكن مجرد (وثيقة) لترتيبات حالة ما بعد حرب لفريقين أحدهما منتصر والآخر منهزم، كما يحدث دائما في التاريخ، لكنها كانت بالأساس وثيقة إذلال وهدم وإهانة للأمة الألمانية، تفاصيل مرعبة تذكرها نصوص الوثيقة لا أدري كيف تصور الساسة وقتها قيام (مستقبل) مستقر على أساسها، ونحن هنا نتحدث عن أسماء بحجم كلمنصو، ولويد، وويلسون، وأسماء أخرى مرعبة في التاريخ الحديث، ومن يريد تفاصيل أكثر في هذا المعنى يرجع لما تم في (صالة المرايا) بقصر فرساي في باريس حيث وقعت وثيقة الانتصار في مقطورة (فوش)على نهر السين، و حيث باريس المتلألئة بأنوار النصـر إمعانا في إذلال الجنرالات الألمان المهزومين.

سيقوم (هتلر) بعدها بأربع سنوات بانقلاب (1923م) ويفشل، ثم بعد تسع سنوات ينجح، ولكن هذه المرة بـ (السياسة) وبعد أن يكون قد فهم كثيرا ما كان خافيا عليه في (البيروقراطية الألمانية العتيقة)، وبعد حصوله على الجنسية الألمانية (هتلر نمساوي) وترشحه للانتخابات عام 1932، وعقد اتفاقا مرعبا مع (الدولة العميقة) في ألمانيا (رجال الصناعة وجنرالات الجيش) والذين كانوا قد ضاقوا بالانهاكات المالية وتعويضات الحرب باتفاقية فرساي، ليعطوه أسرار الدولة ومفتاح دولابها الضخم شرط أن يتخلص من قوات (العاصفة) التي كانت ضمن تشكيلات الحزب القومي النازي، وفعل الرجل وتسلم الحكم، وهذه قصة المقولة الشهيرة عن أن هتلر حكم بـ"الحديد والنار" الحديد: اتحاد الصناعات، والنار: الجيش.

يمر عقدين من الزمان وتتبدل الأطراف في مقطورة (فوش) حيث يصر هتلر أن توقع وثيقة (سقوط باريس) في نفس المكان، الإذلال والإذلال المتبادل، حيث السياسة في سراديب القلوب المظلمة!!

حين انتصر الحلفاء في الحرب الثانية كانوا قد استوعبوا الدرس وأوقفوا هذا الهراء التاريخي الأهطل (إذلال المهزوم) ولم يفعلوها، ودخلت أوروبا بعدها الحقبة الجميلة لتغني نشيدها الاتحادي (نشيد الفرح) من أشعار شيلر وألحان بيتهوفن والاثنين ألمان، إنها دروس التاريخ المتحركة بإيقاعات العقل.

في تاريخ حضارتنا نماذج أكثر عمقا ومعنى في مقاربة المهزوم ومعاملته بمنطق الحرص والجمع لا الطرح والقطع والاستئصال، وتأملوا موقف (معاوية) حين دخل عليه (قيس بن سعد) المهزوم ليبايعه بعد التصالح مع (الحسن بن على) وكان (قيس) من أقوى أنصاره، وكان قد أقسم ألا يكون بينه وبين معاوية إلا رمح وسيف، وحين تدور الدوائر لصالح معاوية ويأتي (قيس) ليبايعه أصر معاوية على أن يبر (قيس) بقسمه فوضع أمامه رمح وسيف، ليس هذا فقط بل وأجلس (الحسن) إلى جواره وكأنه يتلقى البيعة معه، وحين رفض (قيس) أن يضع يده في يد معاوية ووضعها على فخذه قام معاوية من مكانه وذهب إليه ووضع يده على يده، يستحق من يفعل مثل ذلك أن يوصف بأنه كان أعظم الساسة في كل العصور.

كنت قد سألت خير الدين حسيب، المفكر القومي الكبير والناصري العتيد، عما عساه يكون السبب الحقيقي وراء الإهانات والإذلالات البالغة التي ألحقها الرئيس عبد الناصر بالإخوان في سجون الخمسينيات والستينيات تعذيبا وتقتيلا وتشريدا، ألم يكفه أنه انتصر عليهم، لماذا لم يكتف بسجنهم وغلق الزنازين عليهم في هدوء واحترام؟ ويتفرغ للحكم والسلطة وإدارة مصلح الوطن، وأملا في أن يستصلحهم لنفسه وللوطن ذات يوم بعد زوال أثر الصراع الذي كان وانتهى، ليس هذا فقط، بل وبعض الوفاء لمن كانوا أقرب الناس منه وإليه.

لم يرد علي "حسيب" بكلمات واضحة، لكني من خلال المتابعة والقراءة والسماع، توصلت إلى سبب مقنع، إذ إن الرجل لم يكن يريد تغييبهم تماما عن الحياة السياسية بسجنهم واعتقالهم، بل كان ينوي إخراجهم ذات يوم قريب (وعبد الناصر كان يعلم جيدا أهمية هذا التنظيم الضخم والصلب لأي عملية تغيير اجتماعي وأخلاقي) ولكن بعد أن يكون قد أعاد تشكيلهم على (ما يريد هو لهم) من تكوين فكري ونفسي، لا على (ما هم عليه) من تكوين طبيعي وتربوي وتنظيمي، وبالطبع لم يحدث ذلك وهيهات أن يحدث. ما حدث هو أن الزنزانة القاسية والتعذيب الشرس أحدثوا (التفاعل الطبيعي) الذي يحدث في النفوس والأفكار حين تتعرض لمثل هذه العواصف العاتية، والتاريخ مليء بالنماذج لمن أراد أن يعتبر، وكان نتيجة هذا التفاعل مدرسة الشهيد سيد قطب بكل عطائها وإنتاجها الفكري والتنظيمي والتربوي وفي ذلك حديث يطول.

شيء قريب من هذا كله نراه الآن ونسمعه، وانظر إلى ما حدث في نقابة الصحفيين، ومن قبلها في مستشفى المطرية. تأمل طريقة الاعتقالات والتوقيفات وما تحمله من دلائل الإهانة والإذلال.

لماذا تشحن خصمك بكل هذا الغضب والثأر؟ هذه خيبة وعبث قبل أن تكون غلبة وقهر.
0
التعليقات (0)

خبر عاجل