مقالات مختارة

راهن روسيا في سوريا واحتمالاته

1300x600

كيف يبدو راهن روسيا في سوريا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده، لأن محاولة الإجابة عنه، لا تفسر فقط السلوك الروسي في سوريا وحولها، بل ترسم في الجانب الآخر احتمالات سلوك موسكو المقبل في سوريا وحولها في المستويين الإقليمي والدولي.


وتبيّن نظرة سريعة للمشهد السوري والأطراف المنخرطة فيه، أن الروس هم الأكثر غرقا في حيثياته وتفاصيله. فهم اليوم في مساعي حوار مع الولايات المتحدة حول القضية السورية، ويمكن أن يدخلوا في حوار مع الأوروبيين، إذا صدرت عن الأخيرين إشارات بهذا الصدد، وفي المستوى الإقليمي، فإن موسكو تتابع مع تركيا الملف السوري بكل حساسيات أنقرة حيال الأكراد السوريين باختلافاتهم، وبصدد مناطق شمال غربي سوريا وفي مركزها إدلب، التي تتقاسم السيطرة عليها تركيا مع «هيئة تحرير الشام (النصرة)» وبقايا تشكيلات مسلحة، أغلبها وثيق الصلة بتركيا، وبعضها أبعد ما يكون، وتسعى موسكو للحفاظ على علاقات تقليدية مع إسرائيل، تتضمن، إضافة إلى تنسيق المواقف في نقاط معينة، موافقة موسكو الضمنية على ما تقوم به إسرائيل في سوريا، وما تسعى لتحقيقه، خصوصا في موضوع خروج إيران من سوريا، وإن كانت لا تجاهر في ذلك.


وسط وضع دولي إقليمي معقد، تتابع روسيا ارتباطها بالقضية السورية، وكان من الممكن لموسكو أن يكون وضعها أفضل في سوريا، لو أن أوضاعها الداخلية طبيعية من جهة؛ وعلاقاتها جيدة مع طرفي تحالفها في سوريا نظام الملالي الإيراني ونظام الأسد من جهة ثانية. لأنه في الحالتين، يبدو الوضع صعبا ومعقدا بالنسبة لموسكو، التي تواجه أزمة في تدني مواردها المالية؛ سواء لما ترتب من آثار جائحة «كورونا»، ولتدني أسعار النفط وتدني كميات إنتاجه، وإن كان ذلك لن يؤثر بصورة كبيرة على تمويل وجودها وعملياتها في سوريا، فإنه لن يساعد في تنمية استثماراتها هناك؛ بل إن الاستثمارات الروسية لن تبدأ هناك، ما دامت عملية إعمار سوريا، التي تراهن عليها روسيا، لا موعد لبدئها، بل مؤجلة بعد أن تم ربطها من جانب واشنطن وبموافقة أغلب الداعمين الأوروبيين والعرب بتحقيق تقدم في مسار العملية السياسية وفق قرار مجلس الأمن الدولي «2254»، والتي يذهب الأسد نتيجتها.


وبدل أن يسير شريكا موسكو معها نحو تأهيل النظام وإعادته إلى المجتمع الدولي، كما ترغب الأخيرة، فإنهما يصران على الذهاب عمليا في مسار العزلة والتمرد بتأكيد ذهابهما إلى النهاية في تحدي المجتمع الدولي بصورة مكشوفة على طريق استراتيجية التمدد الإيراني في الشرق الأوسط، التي جعل الأسد نظامه جزءا منها، وهذا بين أسباب التوتر، التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة في علاقات موسكو مع طهران ودمشق، وظهرت فيها مؤشرات قوية في اتجاهين: رغبة موسكو في خروج إيران من سوريا من جهة؛ وإصرارها على إعادة ترتيب الوضع السوري من جهة أخرى.


ومما لا شك فيه، أن الراهن الروسي، لم يعد يسمح باستمرار سياسة النفس الطويل الروسية وغض النظر أو السكوت عن تصرفات إيران ونظام الأسد وسلوكهما في سوريا، مما دفع بموسكو، ليس فقط للانفتاح على المتدخلين الآخرين في القضية السورية، لا سيما الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وإسرائيل، والتدقيق بالمشهد السوري واحتمالاته؛ بل دفع إلى إعادة ترتيب العلاقة مع حلفائها، فكانت الخطوة غير المسبوقة بتعيين مبعوث للرئيس الروسي في دمشق، ينسق سياسات موسكو في القضية السورية فيما يتصل بالعلاقات مع نظام الأسد وإيران، تمهيدا لدور روسي أكبر في المرحلة المقبلة، لا شك في أنه سوف يستفيد من أمرين يتركان أثرهما على حليفي موسكو؛ أولهما التشارك الأميركي - الإسرائيلي لإخراج إيران من سوريا، والذي يجد له تأييدا دوليا وإقليميا واسعا، والثاني بدء الولايات المتحدة تنفيذ «قانون قيصر» لحماية المدنيين في سوريا الذي سيترك تأثيرات مهمة على نظام الأسد والمتعاملين معه بمن فيهم إيران وروسيا.


ويفترض بسير موسكو نحو تعزيز وتقوية دورها، أن يؤدي إلى قبول نظام الأسد الرؤية الروسية أو الاقتراب منها أكثر على طريق خطوات تؤدي إلى تحسين صورة نظام الأسد، وإعادة تسويقه للمجتمع الدولي، وإقناعه للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، وأهم الخطوات المطلوبة، قيام النظام بخطوات إصلاحية؛ من بينها معالجة الفساد الشائع في الإدارة الحكومية، والحد من عمليات نهب القدرات المحدودة للدولة والمجتمع من قبل أركان النظام وبطانته، وتوفير ما أمكن لمعالجة ترديات الوضع الاقتصادي الراهن، والاتجاه نحو معالجة أوضاع اللاجئين السوريين انطلاقا من الموجودين في لبنان وإعادتهم إلى سوريا، وتحقيق مستويات ولو دنيا من انفراج أمني في مناطق المصالحات، وتفكيك الميليشيات التي ظهرت في سنوات الصراع الماضية بما فيها التابعة لإيران، ودمجها في إطار قوات النظام، وإنهاء التدخلات الإيرانية في المفاصل الأساسية للمؤسستين الأمنية والعسكرية ووقف ربط كبار الضباط بإيران. وإذا تم تطبيق هذه الإجراءات، وخففت إيران من وجودها في سوريا، فإن روسيا ستعمل على ترجيح بقاء الأسد على الأقل حتى الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2021، وقد تؤيد مشاركته فيها - إذا توفر وسط ظروف معينة - لتجديد بقائه في سدة السلطة لسبع سنوات جديدة.


ورغم أن المطالب الروسية لما ينبغي أن يقوم به نظام الأسد، تبدو متواضعة مقارنة بالحاجة السورية للخروج من الكارثة التي صار إليها السوريون في السنوات الماضية، فإن ثمة شكوكا مستمدة من التجربة حول قدرة النظام على القيام بما هو مطلوب، بل إن الشكوك تحيط برغبته في القيام ببعضه حتى، وهذا ما يشترك فيه نظام الأسد مع إيران في رؤيتهما للوضع السوري وسبل معالجته، مما يفتح الباب أمام موسكو للذهاب في اتجاه فك الارتباط مع الأسد وبقائه في الرئاسة، سواء عبر جهود روسية أو عبر عملية سياسية دولية، تستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي «2254»، وهو اتجاه مرجح في ضوء مواقف نظام الأسد وإيران من جهة؛ والتوجهات الأميركية - الغربية المستندة إلى «قانون قيصر» لحماية المدنيين والأبرز في أهدافه دفع النظام على طريق تسوية سياسية، يكون من نتائجها إبعاد الأسد عن السلطة في سوريا؛ من جهة أخرى.


لقد بذل الروس جهودهم، فمنعوا سقوط نظام الأسد بعد تدخلهم العسكري الواسع في 2015، وساعدوا في استعادته سيطرته على مناطق رئيسية في غوطة دمشق والقلمون ودرعا وبعض مناطق الوسط السوري إلى حدود إدلب في الشمال الغربي، لكن نظام الأسد وحلفاءه الإيرانيين عجزوا عن التوافق والتناغم مع الموقف الروسي الذي ما بإمكانه أن يكون مثلهما؛ لأن روسيا دولة كبرى، تختلف في منطلقاتها وسياساتها، ولا يمكنها تحمل تبعات سياسات الأسد والإيرانيين، حتى لو اعتقد البعض غير ذلك.


(الشرق الأوسط اللندنية)