كتاب عربي 21

غياب التنظيمات عن حراك 20 سبتمبر

1300x600
عندما كرر محمد علي دعوته للتظاهر ضد نظام عبد الفتاح السيسي في أيلول/ سبتمبر الماضي، وهو نفس توقيت دعوته العام الماضي، لم يكن متوقَّعا أن تلقى دعوته استجابة، وعلى سبيل الاحتياط كثفت قوى الأمن من تواجدها في الميادين الرئيسية، لكن المدهش أن الاستجابة حصلت بشكل جريء للغاية، بالنظر إلى الأوضاع الأمنية، وجرت في نطاق لم يتوقعه النظام السياسي، ولم تأبه له التنظيمات السياسية المصرية.

كيف يحدث الحراك الاجتماعي؟

بحسب التجربة المصرية، يمكن القول إن الحراك الاجتماعي يحدث في الأساس وفقا للظروف الاقتصادية، فأغلب الاحتجاجات المصرية قبيل ثورة 2011 كانت لأغراض اقتصادية؛ كزيادة المرتبات، أو إيقاف بيع منشأة وتسريح عامليها.. إلخ. ولا يستلزم هذا بالضرورة غياب الملمح السياسي عن الحراك الشعبي.

هذا السخط أو الرغبة في تحسين الأوضاع (السياسية أو الاقتصادية) لن يتحول إلى مطلب إلا بوجود من يقوم بتجميع أصحاب الاحتياج في إطار واحد، ليتم توحيد المطالب، وتوحيد الخطاب، وهنا تبدو أهمية وجود تنظيم، وهو العنصر الأهم في الحراك. فعملية الاحتجاج تقوم على وجود كتلة صلبة من الأشخاص المنظمة سويا، يقومون ببدء الحراك ليحتشد باقي المحتجين حولهم، ويصمدون عندما تحدث محاولات فض التجمع، ويحافظون على مسار حركة التظاهر التي رسمها قادة الحراك، فالتنظيم باختصار هو عصب أي حراك.

ثم يأتي العنصر الثالث، وهو يتعلق باللحظة المناسبة لبدء الاحتجاج، فقد تكون هناك مطالب، وهناك من يسعى لتوحيد الجهود لتحقيقها، لكن المزاج العام للمطالبين غير مهيّأ لرفع المطلب. فإذا صدر قرار أو سلوك يقوم بإشعال الأوضاع، كفصل عمّال، أو تصفية قطاع، أو فعل وحشي من القوات الأمنية ضد مواطن وما إلى ذلك، تتلاقى حالة السخط من سوء الأوضاع، مع وجود تنظيم، مع حدث يستنفر المشاعر، فيبدأ الحراك الاجتماعي.

أما وظيفة الحراك الاجتماعي، فهي القيام برفع مطالب من جمهور المحتجين إلى مراكز صنع القرار في النظام السياسي، ويجري ذلك بحسب طبيعة الاحتجاج والجهة المستهدفة، فربما يكون الاحتجاج لا يستهدف تغيير مراكز صنع القرار، بل مجرد تحسين الأوضاع للمحتجين، وقد يستهدف تغيير بعض أو كل مراكز صنع القرار في مؤسسة، أو على نطاق الدولة كلها كما يحدث في الثورات.

يتكون الحراك الاجتماعي، وفقا لهذا التصور، من ثلاثة عناصر: مطالب ومحتجون وتنظيم. لكن ما حدث في 20 أيلول/ سبتمبر الماضي وما بعده، لم يكن فيه عنصر التنظيم، كان هناك الاحتقان المتراكم من تردي الأوضاع المعيشية، وكانت هناك اللحظة المناسبة، وهي عملية التوسع في هدم المنازل التي تزعم الحكومة أنها مخالفة، لكن لا يمكن اعتبار دعوة محمد علي تمثّل جهة تنظيمية، بما يحمله مفهوم التنظيم من معاني تنظيم الحراك على مستوى الحشد والحركة والدعم اللوجيستي.. إلخ.

اندلعت التظاهرات في الريف هذه المرة، ولم تندلع في المدن، ولم يحمل المطالب أبناء الطبقة الوسطى كعادة عمليات الاحتجاج التي تطالب بتغيير النظام السياسي، والمدهش أنها استمرت رغم القمع الأمني ومحاولات الفض، في واحدة من أهم علامات التنظيم، لكن رغم هذه العلامات فقد غابت التنظيمات السياسية بالفعل عن الحراك، فكيف توسعت التظاهرات دون وجود تنظيم؟

تتشابه القرى المصرية مع الحالة القبلية من جهة وَحدة العادات والتقاليد، والتقارب السكني والاجتماعي، ووجود قيم يترتب على تجاوزها حدوث نبذ اجتماعي، وغير ذلك من العادات القبلية، لكن العامل الذي يعنينا هنا، هو التقارب السكني والارتباط الاجتماعي بين أسر القرية وبعضها، وهو ما صنع حالة تشبه شكل التنظيم، من وَحدة الأفكار والتماسك الداخلي، الأمر الذي أدى إلى تكوّن بؤرة تقوم بفعل التنظيم ولكنها غير مُنظَّمة بالمعنى الأكاديمي، ومن هنا استطاع الريف أن يقوم بالتظاهر والحفاظ على الاحتجاج لعدة أيام. وبحسب ما يتم تداوله إعلاميا، فأجهزة الدولة قامت بعقد لقاءات مع أعيان القرى التي خرجت منها احتجاجات لحل مشاكل هذه القرى.

الملاحظ أن تاريخ المنطقة مع القبائل تاريخ حافل بالتفكيك، فالنظم السياسية لا تسمح للمناطق القبلية بأن تشعر بالرخاء، ولا تسمح لها بشق الطرق بصورة ذاتية، ولا توصل لها المرافق بالقدر الذي تفعله في الحضر، وأصبح زعماء القبائل منضوون في السلطة التنفيذية، ويتم تمييزهم ماليا واجتماعيا من قِبل النظام السياسي، ولا يتم اختيار زعماء القبائل بالتراضي بين أبناء القبيلة بل بالتعيين الحكومي، وكل ذلك لأجل ربط القبائل بالسلطة المركزية، وتضييق التأثير القبلي على مخالفة السلطة السياسية. وقِسْ ما سبق على الريف الذي يتشابه مع القبائل، فاللُّحمة الاجتماعية في الريف ظلت تمثل خطرا على السلطات المركزية، ولكننا مع طول الاستئناس نسينا فائدتها، وجاءت تظاهرات سبتمبر لتذكرنا بأهميتها، ولتذكرنا بما صنعته النظم السياسية بها.

كان من المؤسف أن بقايا التنظيمات السياسية داخل مصر احتجبت عن المشاركة في التظاهرات، ونصرة الفئات الأقل حظا في التعليم واستخدام الموارد، وربما كان السبب الدفين في الصدور هو عدم الرغبة في الاستجابة لدعوات احتجاج لم تصدر عنهم، وتم تفويت فرصة لربما أحدثت جديدا في المشهد المصري، صحيح أن بقايا التنظيمات السياسية المصرية تعاني من أجل البقاء، لكنها تحتاج إلى لحظة الخروج من حالة السكون إلى الاشتباك لأجل البقاء أيضا، فكل التنظيمات السياسية تتم تصفيتها ببطء شديد.

إن تظاهرات 20 أيلول/ سبتمبر وما بعدها تشير إلى أن الشعب المصري مستمر في إدهاش المراقبين من جهة عفوية حراكه، وعدم توقع نطاقه المكاني، أو زمان حدوث الاحتجاج، ولا حتى الطبقات المستجيبة (في الريف الذي تقل فيه الثقافة والتعليم والدخول، وليس حتى في المناطق الشعبية داخل المدن الأوفر حظا من الريف)، كما تشير إلى أن جدار الخوف الذي ظل السيسي يصنعه على مدار سبع سنوات؛ جدار هش ولن يصمد طويلا أمام لحظة ائتلاف المصريين.

twitter.com/Sharifayman86