قضايا وآراء

دلالات اقتحام مبنى "الكابيتول"

1300x600
تمّ وسمُ اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي بـ"الدراما الصاخبة"، وهناك من اعتبر الأربعاء (6 كانون الثاني/ يناير 2021) يوما مشهودا في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأمريكية. فلو بُعث الآباء المؤسسون للنظام الدستوري الأمريكي من قبورهم، أو كان "الكسيس دو توكفيل (1805-1859) حيا، وهو أول من كان شاهدا على بناء الديمقراطية في أمريكا، وخير من كتب عن أصول نشوئها (الديمقراطية في أمريكا/ 1835-1840)، لذهلوا جميعا مما حصل في نهاية ولاية الرئيس الخامس والأربعين، السيد "دونالد ترامب".

يدلُّ تسلسل ما حصل في واقعة اقتحام "الكابيتول" أن ثمة تخطيطا وإصرارا على مواجهة يوم تصويت المجلس الكبير على فوز الرئيس المنتخب "جو بايدن"، وقد أشارت إليه تدوينات "ترامب" في أكثر من مناسبة إلى أنه "يوم الحسم"، بل إن محاميه الشخصي "رودي جولياني" قال بوضوح: "يجب حلّ الخلافات الانتخابية في ميدان المعركة". كما صرح ابنه الأكبر لمناصري أبيه بأن "الحزب الجمهوري لم يعد حزبهم بعد الآن، بل أصبح حزب دونالد ترامب". والأكثر من كل هذا، لم يتردد الرئيس نفسه في تحريض الآلاف من مؤيديه، وهم على مقربة من مقر الكونغرس، على الزحف عليه، مرديين شعارات "أوقفوا السرقة"، و"أوقفوا الهراء"، في إشارة إلى نتائج انتخاب اقتراع يوم 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.

تحمل واقعة اقتحام مبنى "الكابيتول" أكثر من دلالة بالنسبة للديمقراطية الأمريكية، وستخلّف، دون شك، مضاعفات سلبية عميقة على المجتمع الأمريكي متعدد الأعراق والإثنيات والأديان، وعلى سمعة هذا البلد الذي يقود العالم منذ نهاية الحرب الكونية الثانية. فمن يطالع كتابات الآباء المؤسسين للنظام الأمريكي، وتسلسل الأحداث والوقائع من قبلهم، يُدرك بأن فلسفة بناء الأمة الأمريكية، منذ أن حملت ناقلة Mayflower نفرا من الطهرانيين (Puritains) الإنجليز للاستقرار في فرجينيا عام 1620، وحتى الإعلان عن دستور 1787 وتأسيس الفيدرالية، كانت تروم تحقيق الحرية بمعناها الشامل في هذه الأراضي الجديدة: حرية الاقتصاد والتجارة والبحث عن مصادر الرزق، وحرية ممارسة الأديان والعقائد، وحرية التفكير والتعبير عن الرأي.

فالحرية إذن هي المبتدأ والمنتهى في هذه الأراضي الجديدة، وقد جاء الدستور الفيدرالي مؤكدا لهذه الفلسفة، وضامنا لقيمها، وحاميا لممارستها. بل إن تشييد المؤسسات ومراكمة تقاليد الثقافة السياسية الناظمة لها ظلت مهتدية بروح هذه الفلسفة وتوجيهاتها لأكثر من قرنين، وقد أعطى الدستور الأمريكي الدليل القاطع على قدرته العالية على الديمومة والاستمرار والاستقرار، بل يمكن الجزم بأنه يُعتبر على رأس أقدم دساتير الجيل الأول في تاريخ الدستورانية الحديثة. لذلك، ستقرأ واقعة اقتحام الكونغرس على أنها نوع من التنكر لأصول بناء المجتمع الأمريكي، وإخلال بجوهر فلسفته. وقد أشارت فعلا أقلام كثيرة إلى إساءة هذه الواقعة إلى سمعة أمريكا كبلد نموذجي للديمقراطية، واحترام إرادة المواطنين، والتقيد بدولة القانون والمؤسسات.

تحمل واقعة اقتحام "الكابيتول" دلالة أخرى، لا تقل أهمية عن سابقتها، تتعلق بمآل الرئيس" ترامب" ومسؤوليته عما حصل، وهو على أبواب مغادرة منصبه في العشرين من كانون الثاني/ يناير 2021. فالتقاليد التي راكمها الأمريكيون على امتداد مسار معاركهم الانتخابية الرئاسية، منذ انتخاب أول رئيس فيدرالي (جورج واشنطن) عام 1789، وحتى الاقتراع الرئاسي الذي قاد "ترامب" إلى البيت الأبيض عام 2016، تقتضي أن يُحتكَم إلى صناديق الانتخاب، وشرعية النتائج المعلن من قبل محاكم الولايات، كما تلزم الرئيس المنتهية ولايته أن يسلم زمام السلطة بسلاسة لمن فاز عليه ديمقراطيا، ويحضر حفل التنصيب وأداء القسم، أي يخضع في النهاية لإرادة الشعب صاحب السيادة.

والحال أن كل هذه التقاليد المرتبطة بشكل جوهري بروح الديمقراطية الأمريكية؛ شهدت اهتزازا لافتا وخطيرا منذ الإعلان عن النتائج الأولى للاقتراع الرئاسي، وقد ظل الرئيس "ترامب" مصرّا على ترديد سردية تزوير الانتخابات، وممارسة نوع من العصيان للاعتراف بالهزيمة، وتسليم مقاليد السطة للرئيس المنتخب "جو بايدن".

لا يعرف على وجه اليقين كيف ستكون نهاية الدراما الانتخابية الأمريكية، وما هو مصير الرئيس "ترامب"؟ هناك عدة مشاهد حول ما بعد 20 كانون الثاني/ يناير 2021. فمن المحتمل أن يتعرض الرئيس "ترامب" للعزل، وتحريك مسطرة "الاتهام الجنائي" (impeachment) في حقه، وقد انطلقت الخطوات الأولى من جانب رئيسة مجلس النواب، الديمقراطية "نانسي بيلوسي"، في انتظار استكمال الإجراءات وتحول مجلس الشيوخ إلى محكمة لإدانة الرئيس، علما أن الأغلبية المشددة المطلوبة قد تحول دون تحقيق هدف الإدانة، علاوة على أن نائب الرئيس "ترامب" في حال عزل هذا الأخير يتولى، بحكم الدستور، الرئاسة المؤقتة للبلاد، وقد يلجأ إلى ممارسة حق العفو المخول له لتجنيب إدانة رئيسه.

وفي مستوى ثالث، لم يتبق لتنصيب "جو بايدن" سوى أيام معدودة، ربما لا تكفي لاستكمال كل إجراءات العزل والإدانة. بيد أن هناك، بالمقابل، مشاهد أخرى لمآلات الرئيس "ترامب"، من أبرزها إمكانية تحريك أكثر من تهمة ضده، وحينها سيكون ملزما بالمثول أمام القضاء الفيدرالي، لا سيما وأن الحصانة الرئاسية تزول وتنتهي بمجرد تنصيب الرئيس الجديد.