قضايا وآراء

مؤتمر باريس و"تدويل" الأزمة التونسية

1300x600
يوم الثلاثاء الماضي، انعقد في باريس، مدينة "الجن والملائكة"، مؤتمر دولي لدعم الاقتصاديات الأفريقية المتضررة من وباء كورونا والمنهكة بفعل تراكم الديون.

وقد كان في ضيافة الرئيس ماكرون 30 زعيما أفريقيا بالإضافة إلى بعض القادة الأوروبيين ورؤساء مؤسسات الإقراض الدولية، كصندوق النقد الدولي. وحسب وكالة الأنباء الألمانية، فقد تعهد "المانحون" بتوفير 100 مليار دولار لدعم الاقتصاديات الأفريقية.

وليس يعنينا في هذا المقال أن نكتب مقاربة نقدية لسياسات الإقراض الدولي، ولا أن نشكك في نواياها أو جدية وعودها، فما يعنينا أساسا هو مشاركة الرئيس التونسي قيس سعيد في هذا المؤتمر من جهة الدلالات الرمزية - أو الانعكاسات الاستراتيجية - ومن جهة محاولة الرئيس "تدويل" الأزمة التونسية وتوظيف هذا المؤتمر لخدمة موقفه وتقوية موقعه التفاوضي في الأزمة السياسية الداخلية.

دلالات الحضور والغياب: تونس والصراع الدولي على أفريقيا

لمّا كان هذا المؤتمر يهم القارة الأفريقية، قد يكون من المفيد التذكير بغياب الرئيس التونسي عن القمة الأفريقية الأخيرة التي عقدت للمرة الأولى عن بُعد، بل غيابه منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019 عن أي اجتماع في المستوى القاري. وهو ما يعني أن غياب الرئيس – بل تدني التمثيل التونسي في القمة "الافتراضية" إذ مثّلها كاتب الدولة لدى وزير الخارجية - يعكس طبيعة المقاربة التونسية للعلاقات مع أفريقيا، أو تنويع الشراكات الاقتصادية وتعديل السياسات التقليدية القائمة على مركزية أوروبا - خاصة فرنسا - في مسألة التبادلات التجارية أو الاستثمارات. ورغم إصرار الرئيس التونسي على توظيف حجة "المشروعية" أو الأداء لانتقاد خصومه السياسيين، فإن نظرة واحدة إلى أدائه في ملف العلاقات الخارجية يُفقد تلك الحجة أية قيمة تتجاوز مستوى المناكفات والمزايدات السياسية.

لفهم الدلالات الرمزية لتلبية دعوة ماكرون، يجب أن نذّكر بأن الرئيس التونسي قد تغيب عن الكثير من المؤتمرات والمناسبات التي لا يمكن إنكار أهميتها سياسيا واقتصاديا. فقد تغيب عن مراسم أداء الرئيس الجزائري اليمين الدستورية، والمؤتمر الحواري المتوسطي بروما (2019)، ومؤتمر برلين حول الأزمة الليبية، ومؤتمر دافوس الاقتصادي العالمي، والقمة الأفريقية الثالثة والثلاثين، والقمة الصينية-الأفريقية (2020).
اختيار الرئيس قيس سعيد أن "يعود" إلى الشأن الأفريقي عبر بوابة باريس هو اختيار سياسي مقصود، خاصة إذا ما ربطناه بغيابه عن القمة الصينية- الأفريقية التي تعكس التغلغل الصيني في القارة، ذلك التغلغل الذي يثير مخاوف باريس

ولا شكّ في أن اختيار الرئيس قيس سعيد أن "يعود" إلى الشأن الأفريقي عبر بوابة باريس هو اختيار سياسي مقصود، خاصة إذا ما ربطناه بغيابه عن القمة الصينية- الأفريقية التي تعكس التغلغل الصيني في القارة، ذلك التغلغل الذي يثير مخاوف باريس، ويقتضي بالتالي تعبئة "الحلفاء" دفاعا عن المصالح الفرنسية -المادية والرمزية - في القارة.

صلاحيات الرئيس أو جذر الأزمة الحقيقي

خلال لقائه التلفزي على قناة فرانس 24 الناطقة بالعربية، وهي من شبكة قنوات تلفزية تعكس السياسة الرسمية الفرنسية وتروّج لها في المنطقة، حاول الرئيس قيس سعيد أن يوضح موقفه من العديد من القضايا المحلية (الأزمة السياسية الحالية) والإقليمية (خاصة قضية الفرنكفونية والقضية الفلسطينية). وقد يكون علينا قبل تناول موقفه من الأزمة السياسية الوطنية أن نذكر بخصوصية الرئيس التونسي من بين جميع الحاضرين في القمة: كل الحاضرين يمثلون "سلطة" داخلية في بلدانهم وليسوا مجرد أصحاب سلطة قرار في الملف الديبلوماسي فحسب، أما الرئيس التونسي فهو - بحكم الدستور والقانون المنظم للسلطات - لا يمتلك إلا سلطة محدودة في السياسات الداخلية. ورغم أن القضية هي قضية داخلية، لم يتردد الرئيس التونسي خلال كل زياراته الخارجية في "تدويل" الموضوع، لتصفية حساباته السياسية واكتساب سند إقليمي ودولي.
رغم أن القضية هي قضية داخلية، لم يتردد الرئيس التونسي خلال كل زياراته الخارجية في "تدويل" الموضوع، لتصفية حساباته السياسية واكتساب سند إقليمي ودولي

كيف يمكن حل الأزمة السياسية من وجهة نظر الرئيس؟

لقد عبّر الرئيس خلال لقائه التلفزي مع القناة الفرنسية - وهو الرافض للظهور في أي قناة تونسية - عن موقفه من الوضع الداخلي، وكان متناغما مع نفسه عندما اتهم خصومه - كالعادة - بأنهم سبب الأزمة وعلّة فشل سياسات الاقتراض، أو ضياع أموال الجهات المانحة دون تحقيق أهدافها المرسومة. إن خصومه هم من "نهب" البلاد من الداخل (وليس الجهات المانحة وإملاءاتها)، فهم من جعلوا المناخ السياسي "غير سليم" وغير مشجع على الاستثمار الخارجي (وليس إصرار الرئيس على أن يحول رئيس الوزراء إلى وزير أول أو "رجل قش").

ولكنّ النقطة الجديدة التي دخلت على الجملة السياسية للرئيس هي تحديده لطريقة الخروج من هذه الأزمة: لم يعد المخرج من الأزمة تغيير الوزراء الأربعة "المشبوهين" في قضايا فساد، ولا كذلك استقالة رئيس الوزراء وعودة حق التعيين للرئيس، بل أصبح الحل هو تغيير النظام السياسي برمته وفق "مشروعه السياسي"، أي "الديمقراطية المجالسية المباشرة" القائمة على فلسفة سياسية تقول بإمكانية "سحب الوكالة" من ممثلي الشعب قبل انتهاء المدة النيابية. وهو ما يعني أن الحل ليس في الدستور الحالي ولا في قانونه المنظم للسلطات (داخل نظام برلماني معدل)، بل هو في نظام سياسي جديد و"جمهورية ثالثة" لا يكون الرئيس أحد ممثليها، بل زعيمها وملهم دستورها "الثوري".

التناقضات الداخلية في الجملة السياسية للرئيس
حضور الرئيس التونسي للمؤتمر الباريسي هو تعبير عن اندراج تونس في الاستراتيجيات الفرنسية في المنطقة وحرصها على عدم التخلص من "الوصاية" الفرنسية أو استعمارها غير المباشر لتونس، ثقافيا واقتصاديا

رغم إهمال الرئيس للقيام ببعض المراجعات لنظام التسمية الخاص بالجهات "المانحة" (لم ينتقد هذه التسمية ولا فلسفة "الإقراض" ولا سياسات النهب المنظم التي تمارسها على الدول الأفريقية)، فإنه قد حرص في القضية الفلسطينية على القيام بهذه المراجعات عند تطرقه إلى قضية "التطبيع". فهو يرفض - عن حق - هذا المصطلح، ولكنه رفض "ملتبس" لا يبلغ مستوى النقد الجذري. فالرئيس يرفض "التطبيع" القائم على خرق القرارات الأممية القاضية بحل الدولتين، ولا يبلغ رفض "التطبيع" عنده مستوى التشكيك في شرعية وجود الكيان الصهيوني ذاته. وقد حرص الرئيس على أن لا يعطيَ موقفا واضحا من مشروع قانون تجريم التطبيع في تونس، لأن هذا الموقف سيفقده أي قدرة تفاوضية مع فرنسا المعروفة بتأييدها اللا مشروط للكيان الصهيوني.

ختاما، فإن حضور الرئيس التونسي للمؤتمر الباريسي هو تعبير عن اندراج تونس في الاستراتيجيات الفرنسية في المنطقة وحرصها على عدم التخلص من "الوصاية" الفرنسية أو استعمارها غير المباشر لتونس، ثقافيا واقتصاديا. وليس تأكيد الرئيس على جهوزية تونس لاستضافة مؤتمر الفرنكفونية بجربة - وعمل "بعض الأطراف" على إفشال هذا المؤتمر - إلا مواصلة لـ"تدويل" الشأن الداخلي التونسي - وهو ما يعني أيضا "الاعتراف" الرسمي بفشل الثورة التونسية - قصد حمل فرنسا على التدخل لتعديل موازين القوى (وهي في الحقيقة موازين ضعف) خدمة لمشروع الرئيس "الإصلاحي".. ولكن هل يوجد تناقض أكبر من محاولة الاستعانة بأكبر قوة استعمارية - ناهبة لتونس وأفريقيا - للتحرر من الفساد الداخلي وبناء مشروع وطني منعتق من الإملاءات الخارجية ومن وكلائها المحليين؟

twitter.com/adel_arabi21