مقالات مختارة

كيف دخلت إسرائيل على خط خلاف الجزائر والمغرب؟

1300x600

إن لم يقوموا بإشعال الحرائق بأنفسهم فإنهم لا يفوتون فرصة الاستفادة منها، ذلك حال الإسرائيليين. لكن الحرائق ليست واحدة، فبعد تأجج النيران في غابات الجزائر على مدى أكثر من أسبوع، وامتدادها إلى مساحات شاسعة من الأراضي، صار بإمكان السلطات الجزائرية أن تقول الاثنين الماضي، إنها باتت الآن تحت السيطرة، وإنها لم تعد تمثل أي خطر على حياة السكان. أما كيف ظهرت شرارتها الأولى؟ وهل حصل ذلك بشكل عفوي؟ أم أن عقلا مدبرا وقف خلفها؟ فذلك هو اللغز.


والخميس الماضي قدّم الرئيس الجزائري جوابا مختصرا لشعبه وقال إن «جزءا من الحرائق التي اندلعت في البلاد تسببت فيها حرارة الطقس المرتفعة، لكن أغلبها كان بفعل أياد إجرامية». غير أن المفارقة أنه، وفي اليوم نفسه، رفع الإسرائيليون إصبع الاتهام إلى جهة أخرى يصفونها أيضا بالإجرامية والإرهابية وهي إيران، متهمين الجزائر بالتقرب منها أكثر فأكثر، بما قد يهدد في نظرهم باندلاع حريق إقليمي واسع، قد يشمل المنطقة المغاربية كلها.

 

ومع أن العلاقة بين اشتعال النيران هنا، واحتمال اشتعالها هناك، قد لا تبدو واضحة بشكل تام، إلا أن النظر إلى حالات الشد والجذب والصراعات الجزائرية المغربية المستمرة منذ عقود، قد يجعلها من هذا الجانب مفهومة. والسؤال هنا هو ما الذي جعل الإسرائيليين يقدمون الآن على التلويح بإمكان نشوب حريق آخر في الشمال الافريقي، ويلقون الاتهام على دولة مغاربية بأنها ستكون المتسبب في ذلك؟

 

ولماذا تحدث وزير خارجيتهم يائير لبيد يوم إعلان الرئيس تبون عن السيطرة على حرائق الغابات في بلاده، ومن الدار البيضاء، عن الجزائر؟ هل فعل ذلك لأن الجزائريين رفضوا انضمام الكيان الإسرائيلي إلى منظمة الوحدة الافريقية كمراقب، فأراد أن يردّ على اعتراضهم لا من تل أبيب، بل من داخل بلد افريقي جار؟ أم أنه رغب بأن يعبّر لوزير الخارجية المغربي عن وقوفه مع بلاده أمام ما وصفه بـ»دور الجزائر في المنطقة»؟ لن يكون من السهل فهم حقيقة النوايا الإسرائيلية، أو معرفة الغاية من وراء اختيار الإسرائيليين لتوقيت ومكان الهجوم اللفظي على الجزائر. ولكن المؤكد، أنهم يعرفون جيدا مقدار الحساسية الشديدة بين الجارتين المغاربيتين، لأي تصريح يصدر من إحداهما نحو الأخرى، ويدركون ما تمر به علاقتهما من توتر، لم تفلح دعوة العاهل المغربي الأخيرة في وضع حد له أو التخفيف منه. ولأجل ذلك فإنهم كانوا يعلمون تماما أن الأمر لن يمر بسهولة، ولكن هل كانوا يتصورون حقا أن السهام الجزائرية لن تطالهم وحدهم بعد كلام أحد مسؤوليهم عن الجزائر، بل ستوجه وبدرجة أولى نحو المغرب؟.

 

إن ما حصل هو أنه وبعد يومين من تلك التصريحات التي وصفت بـ»المغلوطة والمغرضة الصادرة من المغرب بشأن الجزائر ودورها الإقليمي، وكذا علاقاتها مع دولة أخرى» خلصت الخارجية الجزائرية إلى أن الوزير الإسرائيلي كان على ما يبدو يؤدي دورا آخر، حين قال في ذلك المؤتمر الصحافي «نحن نتشارك بعض القلق بشأن دور الجزائر في المنطقة، التي باتت أكثر قربا من إيران، وهي تقوم حاليا بشن حملة ضد قبول إسرائيل في الاتحاد الافريقي بصفة مراقب» واعتبر البيان الرسمي الجزائري صراحة بأن وزير الخارجية المغربي هو من قام بتوجيه لبيد أي تلقينه. أما ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك؟

 

فالاستنتاج الذي توصل إليه الجزائريون، أن التصريح يعكس الرغبة المكتومة لدى الوزير المغربي في «جر حليفه الشرق أوروسطي الجديد في مغامرة خطيرة موجهة ضد الجزائر وقيمها ومواقفها المبدئية» مثلما جاء في نص البيان، لكن إن وجدت حقا تلك المغامرة التي وصفت بالخطيرة، فما الذي يمكن أن تكونه؟ وهل يتوقع الجزائريون مثلا أنهم قد يتعرضون لهجوم نوعي من الجانب الإسرائيلي، كأن يتم التشويش على شبكات الاتصال والمعلومات، أو إرباك عملها، أو حتى أن تشن عليهم حرباً إلكترونية شاملة؟ في كل الأحوال ليس جديدا على عدد كبير من المسؤولين الجزائريين، مدنيين وعسكريين، أن يشيروا، بالخصوص كلما تصاعدت وتيرة الاحتجاجات في بلادهم، إلى أشياء من ذلك القبيل. ففي فبراير الماضي وعلى بعد أيام قليلة من ذكرى انطلاق الحراك الجزائري، خرج وزير الاتصال والناطق الرسمي السابق باسم الحكومة ليقول إن الجزائر «مستهدفة بحرب إلكترونية مهيكلة، تتقاطع أذرعها بين جهات أجنبية راهنت على فشل المسار الديمقراطي الذي حمله الحراك الشعبي، وأوصلته الانتخابات إلى بر الأمان» بدون أن يفصح عن أي جهة من تلك الجهات، أو حتى يلمح لها من قريب أو بعيد. ولكن كان واضحا أنه منذ اتفاق المغاربة والإسرائيليين أواخر العام الماضي على إعادة علاقاتهما الدبلوماسية، فإن ما بات يروج بقوة في الجزائر هو أن الهدف الحقيقي من وراء تلك الخطوة هو السماح للإسرائيليين بالوجود على مقربة من الحدود الغربية للبلاد، ما يشكل تهديدا لبعض المناطق داخل العمق الجزائري.

 

وكان لافتا أن الوزير الأول الجزائري السابق عبد العزيز جراد، خرج وبعد يومين فقط من التوقيع في الرباط على ذلك الاتفاق، ليصرح ربما في إشارة إلى ذلك السيناريو، بان «هناك تحديات تحيط بالبلاد» وأن هناك تهديدات على الحدود التي وصل إليها الكيان الصهيوني، على حد تعبيره. لكن هل تحتاج إسرائيل حقا لفتح مكتب اتصال أو لسفارة في الرباط، لمجرد أن يجعلها ذلك قريبة من تنفيذ أي عمل أو هجوم محتمل على الجزائر؟ إن الخشية الحقيقية للجزائر قد لا تكون هنا بالضبط، بقدر ما تكون الخشية من دخول الإسرائيليين بشكل قوي على خط الخلافات الجزائرية المغربية، من خلال دعم الرباط في موقفها في ملف الصحراء على أكثر من صعيد إقليمي أي أوروبي وأيضا دولي.

 

ولم يكن من قبيل الصدفة أن يكتب دوري غولد وهو سفير إسرائيلي سابق في يناير الماضي، مقالا في صحيفة «إسرائيل اليوم» حول انعكاسات التطبيع المغربي الإسرائيلي على ملف الصحراء، تساءل فيه بعد أن وصف دعم إيران للجزائر وللبوليساريو عن العمل الذي ستقوم به إسرائيل، ليجيب بأنه «لا يدور الحديث عن خطوات مثل نقل طائرات قتالية لشمال افريقيا، ولكن بالتأكيد يمكن إحباط التطلعات السياسية لجبهة البوليساريو، التي فقدت في السنة الأخيرة الدعم الذي كانت تتلقاه من الاتحاد الافريقي». لكن هل يهتم الإسرائيليون بأكثر من ذلك أي مثلا بتغيير النظام في الجزائر؟ المؤكد أن مصلحتهم هي أن تبقى الحرائق مشتعلة. ولعل أكبر كابوس قد يواجهونه في الشمال الافريقي هو أن يروا حريق الخلافات المغربية الجزائرية قد أخمد نهائيا وبشكل سريع ومفاجئ.

 

القدس العربي