قضايا وآراء

مشعل ونصر الله.. أبعد من رفض اللقاء

1300x600
رفض أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، لقاء رئيس المكتب السياسي لحماس في الخارج خالد مشعل، أثناء زيارته إلى لبنان أواخر كانون الأول/ ديسمبر الماضي. وسائل الإعلام التابعة مباشرة للحزب تجاهلت الزيارة كلياً، بينما كانت لافتة جداً اللهجة المتغطرسة المنفصمة عن الواقع؛ التي تحدثت بها مصادر الحزب عن الزيارة في مجالسها الخاصة وعبر وسائل الإعلام المقرّبة منه، وكذلك الناطقون غير الرسميين باسمه.

مشعل كان قد زار لبنان لـ"تطييب الخواطر" وتهدئة النفوس إثر جريمة مخيم البرج الشمالي التي أوقعت ثلاثة شبان من حركة حماس، برصاص أحد عناصر الأمن الوطني التابع للسلطة الفلسطينية برام الله، ساعياً إلى ضبط ردود فعل عناصر الحركة وحصر الجريمة في السياق السياسي القضائي، وقطع الطريق على أي تصرفات أو ممارسات قد تشعل الفتنة داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان.
مشعل كان قد زار لبنان لـ"تطييب الخواطر" وتهدئة النفوس إثر جريمة مخيم البرج الشمالي التي أوقعت ثلاثة شبان من حركة حماس، برصاص أحد عناصر الأمن الوطني التابع للسلطة الفلسطينية

نصر الله رفض لقاء مشعل، حيث تجاهل الحزب طلباً رسمياً من حماس بهذا الخصوص، والأسوأ من هذا الفعل المسيء ليس فقط لمشعل بل لحماس والمقاومة الفلسطينية بشكل عام؛ اللهجة المتغطرسة التي بررت بها مصادر الحزب رفض الاستقبال والزيارة بشكل عام، والتي تبنّتها وسائل إعلام مقرّبة وناطقون غير رسميين باسم الحزب، كما فعل وئام وهاب ومصطفى حمدان وجوزيف أبو فاضل.

في رفض اللقاء والزيارة بحد ذاتها قيل إن مشعل يمثل التيار الإخواني بحماس، وأنه أيّد الثورة السورية والثورات العربية الأصيلة الأخرى، و"خان دمشق العروبة"، كما قال مصطفى حمدان، وأن "ثوراته الإخوانية أدت إلى نزيف سوريا واحتلال ليبيا" حسب تعبير وهاب، بينما رفض أبو فاضل الزيارة من دمشق باسم "عائلات الشهداء والمصابين".

مبدئياً ومنهجياً لا يملك حسن نصر الله الحق أو المشروعية للتصرف بهذا الشكل مع أحد مؤسسي حماس ورئيس مكتبها السياسي العام سابقاً، وقائدها في الخارج حالياً، وهو كان ولا يزال أحد رموز الحركة التي تمثل العمود الفقري للمقاومة في فلسطين، حيث ساحة الصراع الأساسية والمركزية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، والتي خاضت ضده أربع حروب خلال عشر سنوات تقريباً (ثلاث منها تحت قيادة مشعل)، بينما ظلت الجبهة اللبنانية هادئة تماماً مع الاحتلال حتى خلال تلك الحروب، وهو ما تتباهى به إسرائيل دائماً كدليل على نجاح الردع تجاه الحزب المتورط في جبهات وساحات أخرى.
لا يملك حسن نصر الله الحق أو المشروعية للتصرف بهذا الشكل مع أحد مؤسسي حماس ورئيس مكتبها السياسي العام سابقاً، وقائدها في الخارج حالياً

أما لبنان نفسه فتحوّل إلى دولة فاشلة على حافة الانهيار، بل منهار فعلاً وعلى كل المستويات، والبلد المزدهر الناهض الحي والحيوي عاد للأسف سنوات بل عقودا للوراء إثر سيطرة حزب الله الفعلية على مفاصل السلطة فيه.

الحزب لم يكتف بما فعله بلبنان، بل تورط إلى جانب أنظمة الاستبداد والثورات المضادة في طول العالم العربي وعرضه، وساهم في قتل السوريين وتشريدهم وتدمير حواضرهم، والتغيير الديموغرافي فيها دفاعاً عن نظام بشار الأسد، والتباهي بمنع سقوطه بما في ذلك استقدام الغزاة الروس لتحقيق ذلك.

في العراق اصطف الحزب إلى جانب المنظومة السياسية التي عادت على ظهور دبابات الاحتلال الأمريكي، وهو الآن متورط مع حلفائه في قتل المتظاهرين الثائرين ضد المنظومة الفاسدة وأسيرة الاحتلال، بل الاحتلالين الأمريكي والإيراني، والتي حوّلت البلد الغني إلى فاشل ومنهار، علماً أن أحد مسؤولي الحزب يتولى منصبا تنفيذيا رفيعا في قيادة المليشيات الطائفية التي ارتكبت جرائم حرب موصوفة في العراق وسوريا أيضاً.

في اليمن اصطف الحزب كذلك إلى جانب الثورة المضادة بقيادة الحشد الحوثي وفلول نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح؛ ضد الثورة الأصيلة ومخرجات التوافق الوطني والمؤتمر الدستوري الجامع، ما ساهم - إضافة طبعاً إلى الأخطاء الكارثية للتحالف العربي - في وصول البلد إلى ما وصل إليه، علماً أنه كان على حافة الفشل والانهيار زمن نظام صالح.

الحزب الذي "يتواجد حيث يجب أن يكون"، حسب تعبير نصر الله الحرفي، إلا في فلسطين، غاب عن السمع أثناء حروب غزة الأربع، بينما اعتكف وتوارى تماماً أثناء الحرب الأخيرة.. حزب يقول أمينه العام السابق الشيخ صبحي الطفيلي محقاً إنه بموازاة التهدئة مع إسرائيل ساهم في تدمير سوريا والعراق مع الغزاة الأمريكيين والروس خدمة لإسرائيل وأهدافها وبقائها آمنة؛ لا يحق له أبداً التعاطي مع مسؤول بحركة المقاومة الفلسطينية المركزية بهذه الطريقة.
لا تقل أهمية عن الخلفيات والحيثيات الأهدافُ التي سعى إليها الحزب جراء الحملة الممنهجة ضد مشعل وزيارته، والمتمثلة بالنيل من هيبته وابتزازه وإضعافه ودفعه للاعتذار عن مواقفه السابقة تجاه الثورات العربية الأصيلة، وإيران ونظام الأسد تحديداً

لا تقل أهمية عن الخلفيات والحيثيات الأهدافُ التي سعى إليها الحزب جراء الحملة الممنهجة ضد مشعل وزيارته، والمتمثلة بالنيل من هيبته وابتزازه وإضعافه ودفعه للاعتذار عن مواقفه السابقة تجاه الثورات العربية الأصيلة، وإيران ونظام الأسد تحديداً، كما إلى تهميش موقعه وقيادة الخارج الإخوانية لصالح قيادة غزة غير الإخوانية بنظر الحزب وحلفائه، ودق إسفين بين القيادتين وتأجيج الهوة بينهما، وتقوية الثانية طبعاً على حساب الأولى.

إلى ذلك، لا شك أن الحزب يسعى منذ الآن وضمن عمل منهجي سياسي إعلامي وتنظيمي؛ إلى قطع الطريق على احتمال عودة خالد مشعل إلى رئاسة المكتب السياسي العام بعد ثلاث سنوات تقريباً، وهو احتمال يبدو مرتفعاً وجدياً جداً.

في ما يتعلق بحماس أيضاً، ما كانت قيادة حزب الله لتتجرأ على مشعل وزيارته ومواقفه لولا الأخطاء التي ارتكبتها قيادة الحركة خلال السنوات الأربع الماضية، بهرولتها تجاه الحزب دون الالتفات إلى حقيقة أنه بحاجة إليها بنفس القدر وحتى أكثر مما هي بحاجة إليه، ولم تحسن بالتالي الاستفادة من أوراق القوة لديها، حيث كان بإمكانها الاحتفاظ بالتباينات حتى مع الإجماع أو التوافق على القضية الفلسطينية؛ على افتراض أن الحزب وحلفاءه جديّان في معركة الأمة المركزية.

القيادة نفسها عمدت كذلك إلى التودد لنظام الأسد وإبداء الرغبة الصريحة وبما يشبه الاعتذار؛ بالعودة إلى دمشق دون داع أو حاجة لذلك، والأسوأ أن الممانعة تأتي من نظام بشار الأسد الذي وصفه الشيخ نايف الرجوب، أحد رموز وقادة حماس في الضفة الغربية، بـ"الساقط فاقد الحيلة، لا وزن ولا قيمة له".

وبناء عليه عمدت تلك القيادة إلى تبييض صفحة الحزب وإيران وحلفائها رغم ما أحدثوه من دمار في العالم العربي، دون ثمن مقابل أو حتى بثمن بخس جداً. وعلى سبيل المثال، ما كان إسماعيل هنية مضطراً لزيارة إيران والمشاركة في تشييع مسؤول الحرس الثوري قاسم سليماني ووصفه حتى بشهيد القدس رغم أنه قتل في عاصمة الإمبراطورية الفارسية؛ التي تحتل أربع عواصم عربية حسب التعبير الشهير للمسؤول الإيراني علي يونسي.

في السياق الإيراني أيضاً ولكن في ما يخص مشعل، لا بد من الإشارة إلى أنه رفض زيارة إيران والتقاط صورة مع المرشد علي خامنئي مقابل عودة الدعم الإيراني للحركة، وظلّ يرفض السفر إلى هناك حتى مغادرته المكتب الأساسي العام في العام 2017. ولا أشك لحظة أن هذا الأمر يمثل سببا مركزيا في الهجمة الانتقامية ضده، مع الانتباه إلى أن مشعل لم يرفض العلاقة مع إيران بالمطلق، فأرسل وفدا قياديا رفيع من قيادة الحركة إلى طهران أواخر 2014 بعد تصريح علي خامنئي الشهير عن تسليح الضفة الغربية، حيث نصح الوفد القيادة الإيرانية بتغيير السياسات الإقليمية التي أثارت غضبا شعبيا عربيا وإسلاميا ضدها، كونها سترتد سلباً عليها، كما أبدى الاستعداد للتعاون في الضفة وتلقي الدعم إذا كانت طهران جادة وصادقة في ذلك.

قصة أخرى كنت شخصياً شاهداً عليها أيضاً، في العام 2007 وأثناء انعقاد مؤتمر أنابوليس في أمريكا لتحريك عملية التسوية بين السلطة وإسرائيل، حيث دعت إيران الفصائل الفلسطينية إلى مؤتمر عاجل في طهران في نفس اليوم، وأرسلت لقادة الفصائل التأشيرات والتذاكر فعلاً، وحدها حماس تحفظت وفضّلت لقاء فلسطينيا صرفا؛ صدر في ختامه بيان جامع ضد المؤتمر وعملية التسوية الظالمة والمجحفة بحقوق الفلسطينيين.
يفيد الجزء الملآن من كوب الزيارة أن لا فرصة لتحالف جدي راسخ ومستدام بين حماس وجمهورها العربي والإسلامي الواسع؛ والحزب وحلفائه ومحوره المزعوم الممتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، حيث العواصم المنهارة والمدمرة والخاضعة للاحتلال الأجنبي وإن بدرجات متفاوتة

لا بد من الانتباه طبعاً إلى رد فعل حماس الرسمي والمنضبط جداً تجاه الحزب وموقفه من زيارة مشعل، وربما أرادت الحركة الحفاظ على العلاقة وعدم التصعيد معه أو الانشغال بمعارك جانبية؛ في ظل التركيز على التحدي الحقيقي والمركزي بمواجهة الاحتلال في القدس وغزة.

في كل الأحوال مثلت تصرفات حزب الله وحلفائه وأبواقه مناسبة كي يؤكد قائد حماس في الخارج مرة أخرى على مواقفه ومواقف الحركة وجمهورها وعقلها الجمعي الإخواني؛ تجاه الثورات العربية الأصيلة وايران ونظام الاسد، كما يفيد الجزء الملآن من كوب الزيارة أن لا فرصة لتحالف جدي راسخ ومستدام بين حماس وجمهورها العربي والإسلامي الواسع؛ والحزب وحلفائه ومحوره المزعوم الممتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، حيث العواصم المنهارة والمدمرة والخاضعة للاحتلال الأجنبي وإن بدرجات متفاوتة، مع التأكيد في السياق على أن من دمر واستجدى احتلال الحواضر العربية والإسلامية التي كانت حاضرة تاريخياً في مواجهة الغزاة من التتار والصليبيين؛ لا دور جديا وصادقا له في مواجهة الغزاة الصهاينة بفلسطين.