قضايا وآراء

ترميم العلاقات بين تركيا وخصومها من العرب.. الدافع والمصلحة

1300x600
شكلت عودة الرئيس التركي إلى تطبيق سياسته القديمة التي كانت تستهدف تسوية مشكلات تركيا مع محيطها من الدول، والتي عرفت حينها باسم "صفر مشاكل مع الجوار"؛ مثار تساؤلات للعديد من المتابعين، الأمر الذي استدعى توضيح الأسباب المتوقعة لهذه العودة، وما إذا كانت دوافع ترميم العلاقات وإصلاحها نابعة من رغبة منفردة لجهة معينة، أم إنها إرادة مشتركة من جميع الأطراف في هذا الوقت بالذات.

تركيا.. الخليج ومصر..

للصراع بين تركيا من جهة ومحور الإمارات- السعودية- البحرين إلى جانب مصر من جهة أخرى؛ جذور عميقة لكنها ليست قديمة، بل هي وليدة سنوات قليلة ماضية، وبرزت على السطح في خضم دعم ووقوف أنقرة إلى جانب المطالبات التي صاحبت أحداث ما سمي حينها بالربيع العربي، وتبنيها موقفا مناهضا للحكم ومتجانسا مع حركات المعارضة في تلك الدول. وقد بلغت تلك الخلافات أوجها بعد الإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي، وهو الذي كانت تعول أنقرة على تشكيل تحالف إقليمي ثنائي معه.

أحداث كثيرة زادت هذه الخلافات وأوصلتها تدريجيا إلى ما يشبه القطيعة الكاملة؛ أبرزها الانقلاب في تركيا عام ٢٠١٦ وما أشيع عن مصادر تمويله، وكذلك اتهامات أنقرة للمحور الآخر بدعم الحركات الانفصالية المسلحة على حدودها، فضلا عن اتهاماتها له بالمساهمة بأزمات المضاربة المتكررة على عملتها الوطنية، عدا عن اتهامات الطرف المقابل لتركيا بالمسّ بالأمن القومي العربي عبر تدخلها عسكريا وسياسيا في عدة دول عربيه مثل سوريا والعراق وليبيا، وكذلك وقوف أنقرة إلى جانب الدوحة بعد اشتعال أزمتها مع جيرانها سنة ٢٠١٧. ولم يخف حينها وجود عدة دول استثمرت في هذه الأحداث المتوالية بين الطرفين وعملت على تعميق الخلافات فيها، وكان من مصلحتها إطالة أمد الصراع قدر الإمكان، ولعل أبرزها الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب وإسرائيل في فترة حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ومما تم استغلاله لتحقيق ذلك اختلاف الرؤى في ملفات لافتة؛ كان أهمها ما عرف بصفقة القرن، التي دعت إلى حد كبير لتصفية القضية الفلسطينية.
تحولات جعلت تلك الدول تغير من خططها التي كانت موضوعة سابقا مضطرة، لتواكب تلك المتغيرات وساعية في ذات الوقت للاستفادة منها وتحويلها إلى فرص تخدم مصالحها

ما الجديد اليوم؟؟

بعد استلام جو بايدن الرئاسة في الولايات المتحدة وما حمله برنامجه الانتخابي من وعود، كان جليا أن تركيز فترته خارجيا سيكون منصبا حول إيقاف التمدد المتزايد في النفوذ العسكري الروسي من جهة وإيقاف التوسع الاقتصادي الصيني من جهة أخرى، وهو ما يعني إيلاء الإدارة الأمريكية جل تركيزها واهتمامها لملفين اثنين، إضافة إلى ملفات استراتيجية جانبية كملف إيران النووي، وسعيها لإغلاق ما دون تلك الملفات من صراعات ومشاكل وتحشيد كل الدول الحليفة خلفها، مع تصفير الخلافات بينها أو على الأقل إيقاف عقارب أزماتها البينية مؤقتا.

ذلك التحول السياسي برز إلى جانب تحولات أخرى في العالم؛ أبرزها جائحة كورونا وما حملته من أزمات اقتصادية وتجارية ضربت الجميع، وكذلك أزمة إمدادات الطاقة، إضافة لبروز خطة طريق الحرير الصيني وغيرها من طرق تجارية بديلة جديدة؛ تحولات جعلت تلك الدول تغير من خططها التي كانت موضوعة سابقا مضطرة، لتواكب تلك المتغيرات وساعية في ذات الوقت للاستفادة منها وتحويلها إلى فرص تخدم مصالحها.

إذن ما المصلحة المتبادلة بين تركيا وكل من تلك الدول العربية؟؟

تركيا ومصر.. عودة تدريجية للعلاقات..

لتركيا مصلحة كبيرة بإنهاء الخلافات مع مصر، والأمر ذاته ينطبق على المصريين. ولعل أبرز ما يدفع البلدين إلى ترميم العلاقات وضعهما البارز على الأرض في الأزمة الليبية، فبينما تحاول تركيا تثبيت موقع نفوذ لها في شمال أفريقيا، تشكل ليبيا لمصر مسألة أمن قومي وهي التي تشاطرها حدودا طويلة، ما يجعل كلا الطرفين جادين في العمل على إغلاق تلك الأزمة معا في أقرب وقت، واضعين حجر عثرة أمام أي انعكاسات خطيرة مستقبلا.

من ناحية أخرى، فإن تركيا تدرك جيدا أن استمرار الأزمة الليبية وعدم الاتفاق مع المصريين، يعني أن الاتفاقية الليبية التركية حول الحدود البحرية ستبقى محل جدل واختلاف، حتى ولو كانت تحظى باعتراف دولي، ممثلا بالأمم المتحدة، وقد تسعى أنقرة لتأمين ذلك الاتفاق بآخر مشابه مع المصريين، وهو احتمال وارد في ظل الفائدة المتوقعة للطرفين، الذي يفوق في مكتسباته أي اتفاق بديل مع دول أخرى، وخاصة ما يدور حول اتفاق مصر مع اليونان، الذي يقلل المساحة التي يحق لمصر استغلالها بحريا.

يبرز الجانب الاقتصادي أيضا ممثلا في التبادل التجاري بين البلدين، حيث إن السوقين المصري والتركي حيويان وذوا آفاق تطور واسعة، ويعدان بوابة تصدير للعديد من الأسواق المجاورة النشطة، سواء لمنطقة القرن الأفريقي في شرق القارة إن تحدثنا عن مصر؛ ولآسيا الوسطى والقوقاز وروسيا إن تحدثنا عن تركيا. وقد تضاعف مسألة إعادة الإعمار في ليبيا من الفوائد المباشرة المحققة لشركات كلا البلدين، في حال الاتفاق مع الجانب الليبي عندما تستقر الأوضاع هناك.

تركيا والخليج (السعودية والإمارات والبحرين).. حلف دفاعي وتجاري ممكن..
التصالح بين الأطراف المذكورة سيساهم بإيجاد نقاط تلاق واتفاقيات تساعد بإيجاد حل لصراعات المنطقة المختلفة، بدءا من سوريا مرورا بليبيا ووصولا إلى اليمن؛ كل ذلك يمر عبر إيجاد صيغ مشتركة تحقق مصالح جميع الأطراف، وتقود إلى ترسيخ الاستقرار في منطقة لطالما عانت من ويلات التدخلات الأجنبية

في ظل إعادة التموقع والانتشار الأمريكي عالميا، الذي على إثره تم التقليل من الوجود والثقل العسكري للولايات المتحدة في المنطقة، وفي ظل تشديد الشروط الأمريكية في ما يتعلق بصادرات الدفاع خارجيا لأسباب كثيرة، كان لافتا وقوع الضرر على الدول الخليجية دون غيرها نتيجة لهذه المتغيرات، وذلك لأن توجهها كان منصبا لوقت طويل نحو الدعم العسكري الأمريكي حصرا كرادع أمام أي تهديد خارجي؛ الأمر الذي جعلها مضطرة للتحرك اليوم في أكثر من اتجاه نحو إيجاد حلفاء جدد مطروحين على الطاولة.

ولربما دعا ذلك للتنبؤ بما إذا كانت تركيا واحدة من تلك الدول وما إذا كانت ذات إمكانيات تؤهلها لسد الفراغ الأمريكي؛ تنبؤات سببها التطور غير المسبوق في الصناعات العسكرية التركية واستقلالها في هذا المجال إلى حد كبير، عدا عن إثباتها قدراتها على أرض الواقع في أكثر من ساحة صراع كقوة لديها حضور مؤثر؛ الأمر الذي ترك الباب مفتوحا أمام إيجاد صيغة مصالحة ترضي الطرفين، في ظل الحاجة التركية في المقابل للتوسع التجاري في أسواق مالية واقتصادية ذات إمكانيات هائلة، وهو الأمر الذي ينطبق على الأسواق الخليجية بشكل عام.

لا بد أن التصالح بين الأطراف المذكورة سيساهم بإيجاد نقاط تلاق واتفاقيات تساعد بإيجاد حل لصراعات المنطقة المختلفة، بدءا من سوريا مرورا بليبيا ووصولا إلى اليمن؛ كل ذلك يمر عبر إيجاد صيغ مشتركة تحقق مصالح جميع الأطراف، وتقود إلى ترسيخ الاستقرار في منطقة لطالما عانت من ويلات التدخلات الأجنبية، التي سببها غياب التنسيق بين مختلف الأطراف الإقليمية.